أيوب الميموني.. قصة موهبة مغربية تحدت ظروف الغربة وصنعت لنفسها مكانا بين الكبار
لم يكن اسم اللاعب أيوب الميموني ضمن الأسماء التي ترددت كثيرا على مسامع الجماهير المغربية قبل إعلان القائمة النهائية لأسود الأطلس، المشاركة في كأس العالم 2026 هذا الصيف بأمريكا الشمالية، غير أن المدير الفني لأسود الأطلس محمد وهبي قرر أن يراهن على لاعب شاب شق طريقه بهدوء بعيدا عن الأضواء والصخب الإعلامي، ليتحول في ظرف وجيز إلى واحد من أكثر القصص الملهمة في الكرة المغربية.
في سن الحادية والعشرين فقط، يجد الميموني نفسه أمام أكبر محطة في مسيرته الكروية، بعدما انتقل خلال أشهر قليلة من ملاعب الأقسام السفلى بألمانيا إلى تمثيل المنتخب المغربي في أكبر تظاهرة كروية على وجه الأرض، والتي ستحتضنها كل من الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، والمكسيك، في الفترة الممتدة من 11 يونيو إلى 19 يوليوز 2026.
هي رحلة تبدو سريعة في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها سنوات طويلة من العمل والصبر والإصرار.
أيوب الميموني الذي ولد في مدينة فيتش الكتالونية القريبة من برشلونة الإسبانية، في 30 من نونبر عام 2004، بدأت أولى ملامح شغفه بالساحرة المستديرة تتشكل عندما كان طفلا موهوبا ذو أقدام ساحرة نجحت في لفت الأنظار إليه مبكرا، حتى أصبح قريبا من الانضمام إلى أكاديمية “لاماسيا” الشهيرة، التابعة لنادي برشلونة، وهو في العاشرة من عمره، غير أن ظروف الحياة رسمت له مسارا مختلفا تماما، بعدما قررت عائلته الانتقال من إسبانيا إلى ألمانيا بحثا عن آفاق مهنية جديدة.
ذلك التحول الجغرافي لم ينه الحلم المنتظر، بل منحه شكلا آخر، إذ في بلد جديد ولغة جديدة وبيئة مختلفة، اضطر الفتى المغربي إلى التأقلم بسرعة، مستندا إلى شخصية متزنة وقدرة لافتة على التعلم والتطور، إذ لم يكتف بتطوير موهبته الكروية فحسب، بل بنى لنفسه رصيدا ثقافيا مميزا، حيث يتحدث خمس لغات هي الإسبانية والألمانية والإنجليزية والكتالونية والأمازيغية.
بعيدا عن الأندية الكبرى، تنقل الميموني الذي يحمل الجنسيتين المغربية والإسبانية بين عدة فرق ألمانية في الأقسام السفلى مثل “توس إيفين ليندينهورست” و”غوت فايس إيسن” و”أرمينيا بيلفيلد وإيركينشفيك”، حاملا معه رغبة الوصول إلى المستوى الاحترافي الذي حلم ويحلم به، بحيث لعب في عدد من الأندية المغمورة، واكتسب تدريجيا خبرة المنافسة وتحمل قسوة الطريق نحو القمة، قبل أن تأتي نقطة التحول الحقيقية مع رديف هوفنهايم عام 2024.
هناك بجنوب غرب ألمانيا بدأ اسمه يفرض نفسه بقوة، إذ لم يكن مجرد جناح سريع يجيد المراوغة وحدها، بل لاعبا مؤثرا في صناعة الفارق خلال اللحظات الصعبة. وأرقامه كانت تتحدث عنه أكثر من أي شيء آخر، بأهداف وتمريرات حاسمة وحضور مستمر في الثلث الهجومي من الملعب، ما جعله أحد أبرز المواهب الصاعدة في البوندسليغا.
في موسم واحد فقط، تحول الميموني من موهبة واعدة إلى هدف للعديد من الأندية الأوروبية، من بينها “بوروسيا دورتموند” و”باير ليفركوزن” و”فياريال” و”ريال بيتيس”، غير أن نادي “آينتراخت فرانكفورت” نجح في حسم السباق والظفر بخدمات اللاعب المغربي، واضعا ثقته في مشروع رياضي طويل المدى يقوم على تطوير المواهب الشابة.
ولم يحتاج الميموني إلى وقت طويل كي ينثر سحره على ملاعب ألمانيا، إذ واصل تقديم عروضه المميزة المعهودة في الفريق الرديف لفرانكفورت، قبل أن يحصل على فرصته مع الفريق الأول،.
وعندما جاءت اللحظة المنتظرة، استغلها بأفضل صورة ممكنة، مسجلا حضوره بأهداف وتمريرات حاسمة أكدت أن الفارق بين الأقسام الثانوية و”البوندسليغا” لم يكن أكبر من طموحه.
داخل الملعب، يمتلك الميموني مواصفات الجناح العصري الذي تبحث عنه أكبر الأندية الأوروبية، فهو لاعب سريع، جريء في المواجهات الفردية، يمتلك قدرة كبيرة على الاختراق وصناعة الفرص، وما يميزه أكثر أنه يجيد اللعب على الأطراف والتحرك نحو العمق.
كما أنه لا يخفي إعجابه بعدد من الأسماء التي تركت بصمتها في هذا المركز، مثل الجزائري رياض محرز، والهولندي آريين روبن، والإسباني ذو الأصول المغربية لامين يامال، وهي أسماء يمكن أن تلمس بعض ملامحها في أسلوبه الهجومي المعتمد.
لكن ما يميز اللاعب أيوب الميموني أكثر من مهاراته الفنية، هو شخصيته الهادئة، إذ في الوقت الذي اختار فيه كثير من اللاعبين التفرغ الكامل لكرة القدم في سن مبكرة، فضل الميموني إكمال دراسته وعدم التسرع في اتخاذ خطوات مصيرية، مؤمنا بأن النجاح الرياضي لا يكتمل إلا بالعقلية والانضباط ثم البناء المعرفي.
هذه العقلية هي التي جعلت مسؤولي “فرانكفورت” يشيدون به باستمرار، معتبرين أنه لا يملك فقط مؤهلات فنية كبيرة، بل أيضا هامش تطور واسع وقدرة على استيعاب الضغوط والتحديات، وهي الصفات نفسها التي دفعت الطاقم التقني للمنتخب المغربي بقيادة محمد وهبي إلى منحه فرصة الظهور الأول دوليا من بوابة مونديال أمريكا الشمالية.
أما اليوم، ومع اقتراب موعد العرس العالمي، يجد أيوب الميموني نفسه أمام فرصة العمر لكتابة فصل جديد من قصته الملهمة التي أنصفه فيها القدر. فبعد سنوات من العمل في الظل، بات الجناح المغربي الشاب على موعد مع أكبر مسرح كروي في العالم، حاملا معه طموحا كبيرا في تأكيد أحقيته بالثقة التي منحها له الناخب الوطني محمد وهبي، والسير على خطى النجوم الذين صنعوا أمجاد كرة القدم المغربية.
*خديجة اسويس.. صحافية متدربة