وسط استياء المتقاضين.. إضراب المحامين يشل محاكم البيضاء ويؤجل البت في الملفات المعروضة
عادت محاكم الدار البيضاء إلى حالة من الشلل شبه التام على مستوى الجلسات القضائية، بعد دخول المحامين في توقف شامل عن العمل؛ احتجاجاً على الصيغة الحالية لمشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.
وشهدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، على غرار باقي محاكم المملكة، يوم الأربعاء 24 يونيو 2026، حالة من الشلل التام، عقب مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين على التعديلات التي مست مشروع القانون 23-66، المنظم لمهنة المحاماة.
وكانت هيئة المحامين بالدار البيضاء قد أعلنت الدخول في خطوة احتجاجية تصعيدية غير مسبوقة، تمثلت في تعليق تقديم الأشكال والخدمات المهنية كافة ابتداءً من يوم الأربعاء 24 يونيو 2026 وحتى إشعار آخر؛ وذلك رداً على ما وصفته بـ “التراجعات الخطيرة” التي حملها مشروع قانون تنظيم المهنة.
استياء المتقاضين
على الرغم من فتح أبواب المحاكم في موعدها المعتاد وحضور الهيئات القضائية والموظفين والمتقاضين، إلا أن تجدد المقاطعة وعودة المحامين إلى التوقف الشامل عن تقديم خدماتهم، أفرغ الجلسات من محتواها القانوني؛ نتيجة غياب أصحاب البذلة السوداء.
وفي جولة داخل أروقة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لوحظ استمرار القضاة في المناداة على الملفات، ليتقرر تأجيلها تباعاً جراء هذه الخطوة الاحتجاجية وغياب المؤازرة القانونية؛ وهو ما خلف حالة من الاستغراب والتساؤل بين المرتفقين الذين وجدوا أنفسهم مجدداً أمام عدالة “معلقة”، لا سيما وأن أغلبهم ما زال يتذكر سيناريو الإضراب الطويل الذي خاضه المحامون قبل أشهر قليلة.
وإلى جانب شلل القاعات، امتدت تداعيات هذا التوقف المتجدد إلى المكاتب الإدارية ومكاتب النساخة، التي شهدت تراجعاً حاداً في وتيرة عملها نتيجة غياب المذكرات والطلبات التي كان يودعها الدفاع، لتبدو جل قاعات المحكمة مغلقة وخالية من حركيتها المعهودة.
تحذيرات حقوقية
من جهته أعرب المرصد المغربي لحماية المستهلك عن متابعته بقلق شديد للإضراب المستمر الذي يخوضه المحامون بمهامهم المهنية في مختلف محاكم المملكة، محذرا من الانعكاسات المباشرة والمقلقة لهذا التوقف على حقوق المواطنين والمتقاضين، ولا سيما الفئات الهشة وذوي الدخل المحدود.
وفي هذا السياق، أكد حسن أيت علي، رئيس المرصد، على احترامه التام للحق الدستوري في الاحتجاج والدفاع عن المطالب المهنية المشروعة، مشددا في الوقت ذاته على أن: “حق المواطن في الولوج إلى العدالة، والحصول على خدمة قضائية فعالة داخل آجال معقولة، هو حق أساسي لا يقبل المساس ويجب صونه تحت أي ظرف”.
وعبر المتحدث نفسه عن “انشغال المرصد بتأجيل عدد من القضايا وتعطل مصالح المتقاضين، وما قد يترتب عن ذلك من أعباء مالية واجتماعية إضافية على المواطنين، خاصة في الملفات الأسرية والاجتماعية وقضايا الشغل والحوادث والنزاعات الاستهلاكية”.
وفي هذا السياق، دعا رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك كافة الأطراف المعنية إلى تغليب لغة الحوار والتوافق، والعمل على إيجاد حلول متوازنة تحفظ كرامة ومكانة مهنة المحاماة من جهة، وتضمن استمرارية مرفق العدالة وحماية حقوق المواطنين من جهة أخرى.
كما ناشد المرصد الحكومة والهيئات المهنية للمحامين تسريع وتيرة الحوار المسؤول والبناء لتجاوز حالة الاحتقان الحالية، بما يحقق المصلحة العامة ويصون الثقة في منظومة العدالة باعتبارها ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون.
تصعيد المحامون
وكانت هيئة المحامين بالدار البيضاء قد عبرت في بلاغها الصادر عن مكتب النقيب محمد حيسي، عن رفضها القاطع لرفع سن الولوج إلى مهنة المحاماة ليصبح خمسين سنة، معتبرة أن هذا المقتضى يميز سلبا ضد المحاماة مقارنة بباقي الوظائف والمهن الأخرى، فضلا عن عدم تحصين شروط الولوج للمهنة.
كما انتقد أصحاب الجبة السوداء ما أسموه بـ “المس الفاضح باستقلالية المهنة”، وذلك عبر فرض تسقيف لواجبات الانخراط وربطها بنص تنظيمي خارجي يُعتمد كمرجع للتحديد، بالإضافة إلى التضييق على استقلاليتهم من خلال إخضاع المحامين لتكوين مستمر إجباري يشرف عليه المعهد بشكل مباشر.
وفي سياق متصل، استنكرت الهيئة ما اعتبرته ضرباً للاستقلالية المالية للهيئات المهنية وتقويضاً لمشاريعها الاجتماعية، من خلال إقرار تعديلات تنص على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وشدد البلاغ على أن هذه الرقابة المالية تشكل مخالفة صريحة لأحكام الدستور ولمقتضيات القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، خاصة المادتين 2 و 3 اللتين تحصران بشكل دقيق الجهات الخاضعة لرقابة المجلس في الدولة والأجهزة العمومية دون غيرها.
وأوضحت الهيئة أن هذه التعديلات تمثل تدخلا سافرا في تدبير حساب الودائع والأداءات، دون استحضار للمقتضيات القانونية المنظمة لأحكام الوديعة، ودون مراعاة للمصاريف الحقيقية المرتبطة بتدبير وتسيير هذا الحساب وتأمين المسؤولية المدنية المترتبة عنه.