story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

هل “مات” رئيس حكومة؟

ص ص

يتّجه المغرب لأول مرة، منذ صدور دستور 2011، إلى انتخابات تشريعية دون رهان سياسي مباشر على اسم رئيس الحكومة المقبل. ليس لأن المنصب فقد قيمته الدستورية، فالفصل 47 ما يزال قائما، وينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها؛ بل لأن المعنى السياسي لهذا المقتضى تآكل تدريجيا، إلى أن صرنا أمام انتخابات يُعرف تاريخها ولا يُعرف رهانها.

إذا استثنينا انتخابات نونبر 2011، التي كان رهانها الأكبر هو الخروج من لحظة احتجاجية غير مسبوقة، وإعادة بناء الاستقرار المؤسساتي بعد زلزال “الربيع العربي”، فإن انتخابات 2016 و2021 كانتا، على الأقل في ظاهرهما السياسي، واضحتَي الرهان.

في 2016، كان عبد الإله بنكيران يخوض معركة التجديد لنفسه ولتجربة حزبه في رئاسة الحكومة. وفي 2021، كان عزيز أخنوش يخوض معركة التأهيل الانتخابي لرجل رأسمال قوي، أُدخل إلى السياسة كي يحصل، عبر صناديق الاقتراع، على الشرط اللازم للتعيين الملكي.

واليوم، ونحن على بعد أشهر من اقتراع 23 شتنبر 2026، لا نعرف مرشحا حقيقيا للتنافس حول رئاسة الحكومة.

هناك أحزاب تستعد، وقيادات تتحرك، وترتيبات انتخابية تُطبخ، ومشاورات تقنية وقانونية حول الاستحقاق، لكن لا توجد شخصية تحمل، في وعي الرأي العام، معنى الرهان المباشر على المنصب.

نزار بركة يبدو، منطقيا، أقرب الأسماء إلى هذا الموقع. فهو يقود حزبا تاريخيا، ويعلن طموح حزبه إلى تصدر انتخابات 2026، لكن الطريق بين الطموح والتصدر ليست ممرّا حزبية فقط.

ما انفجر في محيط الحزب من ألغام “جبروت”، وما توحي به خرائط “دوائر الموت”، يفيد بأن الرتبة الأولى لا تحصل في المغرب بالمنطق وحده، ولا حتى بقوة التنظيم، بل بما يُسمح له أن يمر من بين شبكات النفوذ المحلي، والمصالح، والوسطاء، و”المقادير” التي تُجهَّز للوصفة الانتخابية قبل أن يبدأ الناخب في التفكير.

أما التجمع الوطني للأحرار، فقد اختار محمد شوكي رئيسا جديدا له خلفا لعزيز أخنوش، بعد مؤتمر استثنائي كان هدفه الأول هو إخراج أخنوش. لكن شوكي، في المخيال السياسي العام، لا يبدو مرشحا مؤهلا لرئاسة حكومة جديدة بقدر ما يبدو امتدادا لحكومة أخنوش بقوة الأمر الواقع.

إذا وصل شوكي إلى رئاسة الحكومة، فلن يكون ذلك، في نظر كثيرين، انتقالا سياسيا بقدر ما سيكون ولاية ثانية لأخنوش بوجه آخر؛ وجه خرج من مدرسة التأهيل السياسي التي أقامها الرجل خلال هذه الولاية، ومن جهاز حزبي صُمم أصلا على فكرة للزعامة مستوردة من خارج السياسة.

بينما يبقى الأصالة والمعاصرة مقيما في قاعة الزعيم المنتظر. لا يكاد يخرج من رهاناته الداخلية حتى يعود إلى فرضية الرجل القادم من خارج التنظيم، القادر على النزول فوق الحزب لا الصعود منه.

من هنا عودة اسم فوزي لقجع، ولو في صيغة سيناريوهات وتكهنات، باعتباره مرشحا محتملا لقيادة “البام” نحو صدارة المشهد، كما نزل أخنوش فوق قيادة الأحرار سنة 2016.

بهذا لا نكون أمام سباق سياسي واضح، بل أمام احتمالات هندسية. لا أحد يقود حزبه اليوم كما قاد بنكيران العدالة والتنمية نحو 2016، ولا أحد يقدم نفسه للرأي العام كما قدم أخنوش نفسه، أو قُدّم، في 2021.

نحن أمام زعماء محتملين لا يصنعون الاحتمال بأنفسهم، بل تنتظرهم الاحتمالات. وأمام أحزاب لا تبدو منشغلة بإقناع الناخبين بمشروع، بقدر ما تبدو منشغلة بحساب شروط العبور إلى الصدارة، أو القرب منها، أو المشاركة في ما بعدها.

وهنا يظهر سؤال منصب رئيس الحكومة سياسيا، أو دخوله في حالة غيبوبة طويلة. فقد خرج موقع رئيس الحكومة من رحم لحظة دستورية وعدت، في خطاب 9 مارس 2011، ببرلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، وبحكومة منبثقة عن الإرادة الشعبية، وبتعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر، وبتقوية مكانته كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية.

كان وعدا بإدخال بعض الروح البرلمانية إلى بنية ملكية تنفيذية قوية. وإيحاء بأن الاقتراع لن ينتج فقط أرقاما ومقاعد، بل سيصنع مسارا سياسيا ينتهي إلى قيادة حكومية ذات معنى.

لكن ما وقع بعد ذلك هو عملية احتواء طويلة لهذه الروح. البرلمان لم يصبح مركز الثقل. ومجلس الحكومة لم يتحول إلى فضاء القيادة الفعلية للسياسات العمومية. ورئيس الحكومة لم يستقر في الوعي السياسي كممثل لصعود حزبي وشعبي ينتهي إلى سلطة تنفيذية تقود وتقرر وتتحمل.

مع الوقت، انتقل المنصب من كونه تتويجا سياسيا إلى كونه محطة ضمن هندسة أكبر؛ أقرب إلى تعيين في منصب سام، يستوفي صاحبه شرطا انتخابيا شكليا، قبل أن يدخل في شبكة التوازنات التي تحدد له هامش الحركة، وسقف الخطاب، وحدود المبادرة.

لا أقصد أن التصويت لم يعد يعني شيئا على الإطلاق. فالتصويت ما زال ينتج المقاعد، ويغير المواقع، ويفتح أبواب ويغلق أخرى. لكنه لم يعد ينتج معنى سياسيا واضحا لمن سيحكم، وبأي مشروع، وبأي تفويض.

لقد كثرت “المقادير” في الوصفة الانتخابية. القانون، والتقطيع، والمال، والأعيان، والإدارة، والإعلام المخدوم، وتحالفات ما قبل الاقتراع، وسيناريوهات ما بعده. حتى كاد التعبير عن الإرادة الشعبية يضيع بين نكهات وتوابل تجتمع لإخفاء المذاق الأصلي.

لذلك تبدو انتخابات 2026 غريبة. موعدها محدد، وإدارتها تنضج، وأحزابها تتحرك. لكن رهانها المركزي غائب.

لا نعرف هل ننتخب رئيس حكومة، أم نرتب مشهدا لإخراج رئيس حكومة. ولا نعرف هل الصدارة ستكون ثمرة معركة سياسية، أم نتيجة عملية ضبط دقيقة لميزان حزبي مطلوب. ولا نعرف، في النهاية، هل سيأتي رئيس الحكومة المقبل من صناديق الاقتراع، أم من تلك المنطقة المظلمة التي يهابها الجميع.

لقد فتح دستور 2011 نافذة صغيرة على عتبة الملكية البرلمانية، أو على الأقل على وعدها. واليوم، ونحن نذهب إلى رابع انتخابات تشريعية في ظله، يبدو أن النافذة نفسها أُبقيت في مكانها، لكن الهواء الذي كان يفترض أن يدخل منها جرى حجبه بالتدريج.

بقي الفصل 47، وبقي العرف الملكي في تعيين زعيم الحزب الأول، لكن السياسة التي تمنح هذا العرف دلالته فقدت الكثير من قوتها.

نحن ذاهبون إلى الانتخابات في موعدها، لكننا لا نذهب إلى معركة حول تدبير الحكم. نذهب إلى الصناديق، لكننا لا نرى بوضوح من يريد أن يخرج منها رئيسا للحكومة. وفي سياق يكثر فيه الحديث عن الإصلاح السياسي، قد يكون أخطر ما حدث ليس إلغاء المنصب، بل إفراغه من الرهان… وهو موت غير معلن.