story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

موتى على هامش “نزاع قَبلي”.. حكاية جثمان انتظر يوماً كاملاً قبل أن يوارى الثرى بالرشيدية

ص ص

تحولت جنازة سيدة من قبيلة “آيت عبد الصمد”، بمنطقة أغبالو نكردوس التابعة لإقليم الرشيدية، إلى لحظة توتر واحتقان غير مسبوقة، بعدما ظل جثمانها لساعات طويلة معلقاً بين الأرض والسماء، في انتظار حسم خلاف حول أحقية دفنها داخل مقبرة “قصر تغنبوت”.

بدأت القصة المأساوية، يوم الخميس 24 ماي 2026، حين فُجعت قبيلة آيت عبد الصمد بوفاة إحدى نسائها بثاني أيام عيد الأضحى. ومع امتلاء مقبرة القبيلة عن آخرها، اضطرت العائلة المكلومة للتوجه نحو المقبرة التابعة لـ”قصر تغنابوت”.

“لا تدفنوا بمقبرتنا”

لكن الموكب الجنائزي اصطدم بمنع مفاجئ وقاسٍ؛ إذ رفض أهالي القصر دفن السيدة بدعوى أن المقبرة “ملك خاص” لقبيلتهم، ولا يحق للآخرين الاستفادة منها. في تلك اللحظة، وجدت عائلة الفقيدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاصطدام بالمانعين، أو انتظار المجهول وجثمان ابنتهم مسجى ينتظر رحمة الأرض.

شكلت هذه الواقعة صدمة قوية للمنطقة والمغاربة؛ فالموت الذي يُفترض أن يوحد القلوب ويمحو الخلافات، تحول إلى شرارة كادت تشعل مواجهة مباشرة.

تحولت المقبرة إلى ساحة اعتصام، حيث رفض أبناء “آيت عبد الصمد” التراجع وترك فقيدتهم دون دفن، بينما توجه العشرات منهم نحو مقر ولاية جهة درعة تافيلالت لعرض مأساتهم والمطالبة بحقهم الإنساني والديني.

وأمام حساسية الموقف، سارعت القوات العمومية من درك ملكي وقوات مساعدة وسلطات محلية إلى فرض طوق أمني مشدد بهدف منع أي احتكاك قد يخرج الوضع عن السيطرة، مع الحفاظ على ضبط النفس.

وقد أثارت الواقعة غضباً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، إذ وصف الحسين صاحي، في تدوينة له، ما حدث بأنه “قمة التعصب القبلي المقيت”، معتبراً أن هذا الاحتقان “ما هو في الواقع إلا نتاج للصراعات القبلية والسلالية المريرة التي يئن العالم القروي من تبعاتها الهدامة والبعيدة كل البعد عن قيمنا الإسلامية الحميدة”.

من جهته، قال أحمد سويس: “نحن شعب واحد، يجمعنا الوطن والدين، ولا يمكن القبول بمثل هذه السلوكيات التي تغذي التفرقة والعنصرية، وتسيء لصورة مجتمعنا”. وطالب بفتح تحقيق عاجل وتطبيق القانون على “كل من تورط في هذا الفعل، حتى لا تتكرر مثل هذه الممارسات مستقبلاً”.

كما تساءل محمد حمدي: “هل هذه الحادثة بقايا عرف قديم خرج عن السيطرة أم جهل بمقاصد الدين؟”، مشيراً إلى أن الخلاف “تجاوز حدود الأحياء وتدخل حتى في اللحظة التي يفترض فيها أن يكون الجميع سواسية تحت التراب”. وذكر “دين الإسلام واضح في مسألة حرمة الميت، كما أن الأعراف الأمازيغية والعربية الأصيلة دائماً كانت توقف الحرب في حضرة الجنائز”.

مطالب بتحصين المقابر

وفي حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، اعتبر يونس القادري، الناشط الحقوقي بإقليم الرشيدية، أن ما جرى لا يمكن فصله عن النزاعات المرتبطة بتدبير أراضي الجموع بالمنطقة.

وأوضح القادري، وهو وعضو اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن الواقعة انطلقت بعد وفاة امرأة “كانت أسرتها ترغب في دفنها بمقبرة توجد فوق أرض تدور حولها خلافات مرتبطة بالأراضي الجماعية”، مشيراً إلى أن القبيلة التي تعتبر الأرض تابعة لها “رفضت عملية الدفن، ما تسبب في حالة من الاحتقان والتوتر بين الطرفين”.

وقال المتحدث ذاته إن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ترى، من حيث المبدأ، أن المقابر ينبغي “أن تكون تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وأن تكون الأراضي المخصصة لها عمومية وتابعة للدولة”، بما يضمن توفير الحماية والتجهيزات الضرورية والحراسة وكل ما يرتبط بتدبير هذا المرفق.

وأضاف أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بحادث منع الدفن، “بل يتصل أيضاً بكيفية تدبير أراضي الجموع وتوزيعها”، معتبراً أن هذه الصدامات “تعكس إشكالات أعمق مرتبطة بتدبير هذا النوع من الأراضي وبضمان استفادة ذوي الحقوق منها بشكل عادل ومنصف”.

وأشار المتحدث إلى أن الجمعية تطالب بتوزيع أراضي الجموع بطريقة عادلة بين المستفيدين، كما تدعو إلى تفادي إقامة المقابر فوق أراضٍ جماعية محل نزاع، والعمل على تخصيص أراضٍ تابعة للدولة لهذا الغرض، بما يجنب تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً.

أخيراً وُوري الثرى

وبخصوص مآل الأزمة، أكد القادري أن السلطات تدخلت عبر لجنة مختصة، وتم في نهاية المطاف السماح بدفن الفقيدة، لافتاً إلى أنه “لا يتوفر على معطيات دقيقة حول ما إذا كان ذلك قد تم بناء على توافق بين الأطراف المعنية أو بقرار ملزم من السلطات المحلية والولائية”.

بعد 24 ساعة من الترقب، والألم النفسي المضاعف لعائلة المتوفاة التي تجرعت مرارة الفقد ومرارة الانتظار، تنفست منطقة “أغبالو نكردوس” الصعداء صباح يوم الجمعة 29 ماي 2026.

وأسفرت المشاورات بين السلطات ووزارة الداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية، عن قرار أعاد الأمور إلى نصابها. وتحت إشراف أمني مكثف، وُوري جثمان السيدة الثرى أخيراً، لتُطوى بذلك صفحة يوم عصيب اهتزت له مشاعر الساكنة.

لم يقتصر الحل على تأمين دفن الجثمان فحسب، بل اتخذت الجماعة الترابية لأغبالو نكردوس قراراً يقطع الطريق أمام تكرار هذه المأساة، إذ أصبحت المقبرة بموجبه مفتوحة لاستقبال جميع موتى المنطقة مستقبلاً، دون أي تمييز قبلي أو عرقي.