مونديال 1962.. الشيلي تستضيف سابع نسخة وسط مخلفات زلزال دمر البلاد
خطفت دولة الشيلي أنظار العالم عام 1962، ليس فقط بتنظيم المونديال رغم الدمار الذي خلفه أقوى زلزال في القرن العشرين، بل أيضا ببطولة تحولت إلى مسرح للمعارك الكروية واللحظات الاستثنائية في سابع نسخة من كأس العالم و أكثر النسخ غرابة وإثارة في تاريخ المونديال، إذ امتزجت فيها الكوارث الطبيعية بالعنف داخل الملاعب، والقصص الإنسانية أيضا وسط هيمنة برازيلية كبيرة أكدت ميلاد إمبراطورية كروية جديدة.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم، حريصا على منح شرف التنظيم لدولة من أمريكا الجنوبية، بعد إقامة نسختي أعوام 1954 و1958 في أوروبا، تفاديا لغضب منتخبات القارة اللاتينية ومقاطعتها المحتملة، كما حدث في مونديال العام 1938.
وبينما كانت الأرجنتين تبدو المرشح الأقوى لاستضافة البطولة، ظهرت الشيلي بملف متواضع لكنه مليء بالإصرار والعزيمة، إذ يقف وراء هذا الإنجاز رئيس الاتحاد الشيلي، كارلوس ديتبورن، الذي ألقى خطابا تاريخيا أمام مسؤولي “الفيفا”، قال فيه عبارته الشهيرة “ليس لدينا شيء، ولذلك يجب أن يكون لدينا كأس العالم”،ونجحت الشيلي في التفوق على الأرجنتين برصيد 32 صوتا مقابل 11 ، رغم أنها كانت دولة فقيرة بإمكانات محدودة.
لكن الكارثة الكبرى وقعت قبل عامين فقط من انطلاق البطولة، عندما ضرب تشيلي زلزال مدمر بلغت قوته 9.5 درجات، اعتبر من أعنف الزلازل في القرن العشرين، وأسفر عن مقتل نحو 3 آلاف شخص وتشريد قرابة مليوني مواطن، كما دمر عدة مدن كانت مرشحة لاستضافة المباريات، مثل فالديفيا وكونسيبسيون وتالكا.
وأمام حجم الدمار، هدد الاتحاد الدولي بسحب التنظيم من الشيلي، غير أن ديتبورن عاد ليخاطب العالم بنداء مؤثر قال فيه “لم نعد نملك شيئا، لذلك نريد استضافة كأس العالم”، وتعاطفت عدة دول مع الشيلي وقدمت مساعدات ضخمة لإنقاذ المشروع، لكن القدر خطف ديتبورن نفسه قبل شهر واحد فقط من انطلاق البطولة، بعدما توفي بأزمة قلبية عن عمر ناهز 38 عاما.
وانطلقت المنافسات يوم 30 من ماي عام 1962، على أربعة ملاعب فقط، موزعة بين سانتياغو وفينيا ديل مار ورانكاجوا وأريكا، وكان أبرزها ملعب “إستاديو ناسيونال” الذي ظهر بحلة جديدة رائعة، لكنه احتضن لاحقا واحدة من أعنف المباريات في تاريخ كأس العالم.
وشهدت مواجهة الشيلي وإيطاليا، في الدور الأول، ما عرف باسم “معركة سانتياغو”، بعدما تحولت المباراة إلى ساحة حرب حقيقية بسبب التوتر الكبير بين البلدين.
وكانت الصحافة الإيطالية قد شنت قبل البطولة حملة هجومية ضد الشيلي، ووصفتها بالدولة “المتخلفة والفقيرة”، كما سخرت من شعبها ومن قدرتها على تنظيم الحدث العالمي الأكبر على الإطلاق، وهو ما أثار غضب الشيليين بشكل هائل.
وأمام أكثر من 66 ألف متفرج، بدأت الاشتباكات بعد دقائق قليلة فقط من صافرة البداية، فتم طرد الإيطالي جورجيو فيريني، لكنه رفض مغادرة الملعب، لتتدخل الشرطة وتسحبه بالقوة بعد توقف المباراة نحو عشر دقائق، وبعدها كسر ليونيل سانشيز أنف الإيطالي أومبرتو ماسكيو، قبل أن يرد ماريو ديفيد بركلة عنيفة على رقبة اللاعب الشيلي، لينال البطاقة الحمراء بدوره.
ولم تتوقف الفوضى عند هذا الحد، إذ شهدت المباراة لكمات وركلات وبصقا في صور غير أخلاقية وبعيدة كل البعد عن الروح الرياضية ما أدى لتدخل الشرطة أكثر من ثلاث مرات خلال تلك المواجهة، وسط اتهامات للحكم بالتغاضي عن عنف لاعبي الشيلي، لتنتهي المواجهة بفوز أصحاب الأرض بهدفين دون رد، في واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارة للجدل.
ولم تكن الخشونة مقتصرة على تلك المباراة فقط، إذ تعرض اللاعب السوفياتي إدوارد دوبينسكي لكسر خطير في ساقه خلال مواجهة يوغوسلافيا، وهي الإصابة التي تسببت لاحقا في وفاته بعد سنوات نتيجة المضاعفات التي لحقت به.
وعلى المستوى الفني، عرفت البطولة تراجعا تهديفيا واضحا، بعدما انتهت أربع مباريات في الدور الأول بالتعادل السلبي، واكتفى المونديال برصيد 89 هدفا فقط، مقارنة بـ 126 هدفا في نسخة 1958 و140 هدفا في العام 1954،كما اتجهت المنتخبات الأوروبية إلى الأسلوب الدفاعي المعروف بـ “الكاتيناتشو”، بينما غيرت البرازيل خطتها التكتيكية من 4-2-4 إلى 4-3-3.
ودخل المنتخب البرازيلي البطولة محافظا على معظم عناصره التي توجت بمونديال السويد عام 1958، إذ ضمت تشكيلته عشرة لاعبين سبق لهم الفوز باللقب قبل أربع سنوات، كما حافظ حتى على الجهاز الفني والطائرة نفسها وطاقمها، واستخدم 12 لاعبا فقط طوال البطولة، في مشهد عكس الاستقرار الكبير داخل منتخب “السيليساو”.
وبدأ الأسطورة بيليه البطولة بشكل رائع وسجل هدفا في مرمى المكسيك، لكنه تعرض لإصابة قوية في الفخذ خلال مواجهة تشيكوسلوفاكيا الثانية، ليغيب عن بقية المباريات، في ضربة بدت قاسية لحامل اللقب.
غير أن النجم غارينشا تكفل بحمل المنتخب البرازيلي على كتفيه، وقدم واحدة من أعظم النسخ الفردية في تاريخ كأس العالم، بعدما سجل ثنائية أمام إنجلترا في ربع النهائي، وثنائية أخرى أمام الشيلي في نصف النهائي، ليقود البرازيل إلى النهائي بأسلوبه الاستثنائي ومهاراته الخارقة.
وقال عنه اللاعب الإنجليزي جون هاينز حينها “كيف توقف لاعبا لا يمكن إيقافه؟”، بينما أكد الشيلي ماورو بعد نصف النهائي أن الجماهير وقفت كلها خلف منتخب بلاده “لكن لحسن الحظ بالنسبة للبرازيل، لم يتمكن أحد من إيقاف غارينشا”.
ورغم طرده أمام الشيلي، سمحت لجنة خاصة في “الفيفا” لغارينشا بالمشاركة في النهائي بعد التماس رسمي من رئيس الوزراء البرازيلي تانكريدو نيفيس، ليواصل رحلته نحو المجد العالمي المنتظر.
وفي المباراة النهائية، واجهت البرازيل منتخب تشيكوسلوفاكيا، الذي صنع مفاجأة كبيرة بوصوله إلى المشهد الختامي بفضل تألق حارسه فيليام شرويف، غير أن أخطاءه في النهائي ساهمت في خسارة فريقه.
وافتتح يوزف ماسوبوست التسجيل لتشيكوسلوفاكيا، لكن أماريلدو، بديل بيليه، رد سريعا بهدف رائع من زاوية صعبة، قبل أن يضيف زيتو وفافا هدفين آخرين، لتنتهي المباراة بفوز البرازيل بنتيجة 3-1 واحتفاظها بالكأس العالمية للمرة الثانية تواليا.
وكان المهاجم فافا، الملقب بـ”الصدر الفولاذي” لقوته البدنية، من أبرز نجوم النهائي، بعدما أصبح أول لاعب يسجل في نهائيين متتاليين، قبل أن يعادل إنجازه لاحقا كل من بيليه وبول برايتنر وزين الدين زيدان، أما أماريلدو، فقد دخل النهائي تحت ضغط هائل بعد كلمات بيليه له”الله منحك مكاني، يجب أن تكون على قدر هذه الثقة”.
وعقب التتويج، أعلن الرئيس البرازيلي جواو غولارت اليوم التالي عيدا وطنيا في بلاد السامبا، معتبرا أن الإنجاز يمثل “انتصارا للدولة”، بينما أكد ماريو زاغالو أن منتخب البرازيل كان ناضجا وخبيرا إلى درجة أن غياب بيليه لم يؤثر عليه.
وشهدت البطولة أيضا ظهور نجوم بقمصان منتخبات جديدة، أبرزهم الأسطورة المجرية فيرينتس بوشكاش الذي لعب مع إسبانيا بعد قيادته المجر إلى نهائي 1954، ليصبح أول لاعب أوروبي يدافع عن منتخبين مختلفين في كأس العالم، كما كان ألفريدو دي ستيفانو قريبا من تمثيل إسبانيا أيضا لولا الإصابة.
وحققت الشيلي المضيفة إنجازا تاريخيا ببلوغ نصف النهائي، بعدما أقصت الاتحاد السوفياتي بقيادة الحارس الأسطوري ليف ياشين، قبل أن تخسر أمام البرازيل، فيما ودعت ألمانيا الغربية (ألمانيا الحالية ) أمام يوغوسلافيا.
ومن بين أغرب القصص التي ارتبطت بالبطولة، حادثة الكلب الشارد خلال مباراة البرازيل وإنجلترا، عندما اقتحم كلب أرضية الملعب وتسبب في إيقاف اللعب، وفشل الجميع في الإمساك به، بمن فيهم غارينشا، قبل أن ينجح المهاجم الإنجليزي جيمي غريفز في استدراجه والتقاطه وسط تصفيق الجماهير.
وروى غريفز الواقعة لاحقا بطريقة ساخرة، قائلا “إن الكلب تبول على قميصه، ولم يكن يملك قميصا احتياطيا، ما جعله يكمل المباراة برائحة كريهة “أبعدت مدافعي البرازيل عنه”، أما غارينشا، فأخذ الكلب معه إلى البرازيل وأطلق عليه اسم “بي”، في إشارة واضحة إلى اللقب العالمي الثاني تواليا.
وهكذا، بقي مونديال تشيلي عام 1962 نسخة استثنائية بكل المقاييس، في بطولة نجت من زلزال مدمر، وامتلأت بالعنف والمعارك والقصص الطريفة، لكنها شهدت أيضا استمرار للهيمنة البرازيلية على منتخبات العالم وولادة أساطير من ذهب في تاريخ كرة القدم.
*خديجة اسويس.. صحافية متدربة