story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

من سبتة إلى البرازيل.. حقوقي يرصد اتساع ثقافة الهجرة بين المغاربة

ص ص

بينما تنشغل السلطات المغربية بتشديد المراقبة في مدن الشمال واحتواء محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، يتجدد سؤال قديم يرتبط بالسياسات التي أبقت شريحة من الشباب خارج دائرة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والشعور بالكرامة في بلدهم؛ إذ حين تصبح الهجرة غير النظامية، رغم مخاطرها، خيارا جذابا، فإن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني يعني التعامل مع النتائج بدل الأسباب.

وتعيد التطورات التي توثقها الكاميرات، اليوم السبت 15 غشت 2026، في مدن الشمال، الحاجة إلى فتح نقاش وطني جدي حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية كلما تجددت موجات الهجرة.

في هذا الإطار، اعتبر رئيس الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة، الحسن عماري، أن تعزيز حدود مدينة سبتة المحتلة، التي يعتبرها المهاجرون بوابة نحو أوروبا، قد يوقف العبور مؤقتا، لكنه لا يعالج الإحباط أو البطالة أو التهميش، منبها إلى أن الاستمرار في النهج نفسه قد يجعل البلاد تقترب من الهاوية بدل معالجة جذور الأزمة.

وأوضح عماري، في حديث مع صحيفة «صوت المغرب»، أن الجمعية كانت «تدق ناقوس الخطر، وتنبه إلى أسباب ظاهرة الهجرة غير النظامية منذ سنوات، وعلى الأقل منذ سنة 2017»، معتبرا أن أسبابها في المغرب والدول المجاورة متجذرة في «السياسات العمومية المتعبة التي تقصي الشباب اقتصاديا واجتماعيا».

ودعا عماري إلى العمل على استعادة ثقة الشباب، من خلال تحسين جودة التعليم والصحة ومختلف الخدمات الاجتماعية، فضلا عن احترام كرامة المواطنين، مبرزا أهمية فتح نقاش وطني حول الهجرة غير النظامية، تشارك فيه القطاعات الحكومية المعنية بالشباب ومكونات المجتمع المدني الجاد.

الفقر المدقع والغنى الفاحش

وفيما أكد الناشط الحقوقي أن «المغرب يعرف إقلاعا كبيرا من ناحية تحديث البنيات التحتية»، تساءل في الآن ذاته عن «انعكاسات ذلك على الحياة الاجتماعية، وبالأخص على حياة الشباب؟».

وقال عماري إن «الهجرة غير النظامية لا يجب التعامل معها بالمقاربة الأمنية المحضة، لأنها قصيرة الأفق»، مضيفا أنه «لا بد من فتح نقاش عمومي، واتخاذ إجراءات لإصلاح بوصلة السياسات العمومية بما ينعكس إيجابيا على حياة المواطنين، وإلا فإننا نذهب إلى الهاوية».

وأورد أنه «لا ينبغي الانبهار أو الشعور بالغرور بسبب تطور البنية التحتية، وتنظيم كأس إفريقيا وكأس العالم، والقطار السريع، و”الترامواي” في بعض المدن»، مذكرا في هذا الصدد إلى أن «الملك محمد السادس، رئيس الدولة، نبه إلى أن المغرب يسير بسرعتين».

ويرى المسؤول الحقوقي أن «المغرب يسير بسرعة الفقر المدقع، وبسرعة الغنى الفاحش»، معتبرا أن «الحكومة بقيادة عزيز أخنوش دقت آخر مسمار في نعش القضية الاجتماعية للمواطنين والشباب»، قبل أن يستدرك بالقول: «هذه الحكومة زادت الطين بلة، أما ما يجري فهو نتيجة لسنوات متتالية، ولحكومات متعاقبة».

يُذكر أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو مؤسسة دستورية، سبق أن نبه، في رأي صادر عنه سنة 2023 بعنوان «شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين (NEET): أي آفاق للإدماج الاقتصادي والاجتماعي؟»، إلى ما قد تشكله هذه الفئة من تحديات داخل المجتمع.

وبلغ عدد أفراد هذه الفئة، آنذاك، أكثر من مليون ونصف المليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، فيما تجاوز عددهم أربعة ملايين و300 ألف شاب عند اعتماد الفئة العمرية الممتدة من 15 إلى 34 سنة.

ثقافة الهجرة داخل المجتمع

وبينما تساءل الحسن عماري: «إلى متى ستستمر المقاربة الأمنية، ولعب دور الدركي لأوروبا؟»، لفت الانتباه إلى أن ثقافة الهجرة باتت منتشرة بقوة داخل المجتمع.

وقال في هذا الصدد: «أشتغل على ملف الهجرة منذ 30 سنة تقريبا، وفي السابق لم نكن نتحدث عن الهجرة خلال مرحلة الدراسة في السلك الإعدادي والثانوي، ولم نثر الموضوع إلا في المرحلة الجامعية»، مضيفا: «اليوم، من خلال الاشتغال في ورشات التخييم أو ورشات حقوق الإنسان في المدارس، بدأنا نُلاحظ أن أطفال الابتدائي يتحدثون عن الهجرة؛ أطفال في سن 8 و9 سنوات».

واعتبر المتحدث أن «الوضع أصبح كارثيا، ويستدعي استراتيجية وطنية لإدماج الشباب»، مبرزا أن «قضية الهجرة غير النظامية لا يمكن حصرها في أحداث سبتة ومليلية».

وأوضح الناشط الحقوقي أن «هناك شبانا يموتون في دول البلقان بسبب الهجرة غير النظامية؛ وشبانا في سجون الجزائر وتركيا وليبيا وبلغاريا وغيرها».

وما نتابعه في سبتة ومليلية المحتلتين، ما هو، حسب عماري، إلا تعبير واضح عن ظاهرة موجودة في المجتمع المغربي، مبرزا أن «لدينا شبانا يتجهون إلى البرازيل من أجل الذهاب وطلب اللجوء الاجتماعي في “جزر غويانا” التابعة لفرنسا»، مؤكدا: «لدينا عدة حالات معلقة في البرازيل».

هجرة الكفاءات وسؤال الكرامة

وفي السياق ذاته، استحضر الناشط الحقوقي، في حديثه مع صحيفة «صوت المغرب»، أن «الهجرة أصبحت تغري حتى الكفاءات المتوسطة، مثل الممرضين والتقنيين والعمال في مجال البناء»، مؤكدا أن المسألة ترتبط أيضا بالشعور بالكرامة داخل البلد.

وأشار إلى ظاهرة أخرى تتمثل في لجوء بعض الأزواج إلى الإنجاب خارج الوطن، إذ قال: «لقد رأيت ظاهرة غريبة.. رأيت موظفين يطلبون الحصول على تأشيرة السفر إلى الخارج مع اقتراب زوجاتهم من الولادة، قصد الإنجاب في الخارج. وهناك من يترك أبناءه هناك لدى أفراد من أسرهم أو في مراكز رعاية الطفولة»، مبرزا أنه «يعرف 13 حالة».

وخلص الناشط الحقوقي إلى التأكيد على ضرورة فتح نقاش وطني حول الموضوع، وإشراك المجتمع المدني والأنثروبولوجيين والسوسيولوجيين والجالية المغربية المقيمة بالخارج وكل المعنيين، من أجل تصحيح الوضع، داعيا إلى تجاوز الاعتماد على المقاربة الأمنية.

  • المحفوظ طالبي