story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حكومة |

معادلة العيد الصعبة.. أضحية براتب شهري كامل ومطالب بتأطير قانوني للسوق

ص ص

يجد المواطن المغربي ذو الدخل المحدود نفسه في مأزق مالي حاد مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى؛ إذ يجد الأجراء الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور أنفسهم في وضعية عجز تام عن مجاراة الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي، والتي باتت تلتهم مداخيلهم بالكامل.

وتتجلى هذه الأزمة بالأرقام عند مقارنة القدرة الشرائية بقيمة الأضحية؛ ففي وقت قد يبلغ سعر خروف صغير حوالي 3000 درهم، فإن الحد الأدنى للأجر الصافي في القطاع الخاص يقدر 3192 درهما، مما يعني أن شراء الخروف يتطلب إنفاق الراتب الشهري بأكمله.

وفي هذا السياق الاجتماعي، رسمت لبنى نجيب، الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، صورة قاتمة ومأساوية عن الواقع المعيشي لفئات واسعة من الشغيلة المغربية، مؤكدة أن هؤلاء العمال باتوا يعيشون في عزلة وعلى هامش المجتمع.

وأوضحت المسؤولة النقابية، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن عمال هذه القطاعات الحيوية يرزحون تحت وطأة ظروف اجتماعية واقتصادية بالغة القسوة، حيث تفتقر بيئة عملهم إلى أبسط مقومات العدالة الأجرية والاجتماعية التي تضمن لهم الاستقرار المالي والنفسي.

ولخصت النقابية المعاناة اليومية “في وجود فجوة عميقة وغير عادلة بين مجهود بدني مضنٍ وشاق يُبذل على مدار الساعة، وبين مردود مادي هزيل وزهيد، مما يعمق الفوارق الفئوية داخل النسيج المقاولاتي”.

وفي تفاصيل المعاناة، يواجه حراس الأمن الخاص ساعات عمل طارئة وطويلة تتجاوز في كثير من الأحيان 12 ساعة يوميا من الوقوف المستمر والحركة الدائمة، “لينتهي بهم المطاف بالحصول على أجور ضعيفة تعجز تماما عن تغطية تكاليف الحياة الأساسية”.

وتضيفت النقابية أن الأزمة المعيشية تتفاقم لهؤلاء الحراس في ظل الارتفاع المهول والمستمر لأسعار المواد الغذائية الأساسية، متزامنا مع تكاليف إيجار السكن ومصاريف دراسة وتربية الأبناء، مما يجعل تدبير الميزانية الشهرية أشبه بـ”مهمة مستحيلة”.

ولا يقل وضع عاملات وعمال النظافة والطبخ مأساوية داخل المؤسسات العمومية والخاصة؛ حيث تورد المتحدثة ذاتها أن هذه الفئة “تُجبر على تحمل أعباء ومهام مضاعفة وخارجة عن نطاق التزاماتها، وسط غياب شبه تام لشروط الاحترام المهني والإنساني”.

وأشارت لبنى نجيب بكثير من الأسى إلى تحول المناسبات الدينية والاجتماعية، وعلى رأسها عيد الأضحى، “من فترات للاستقرار والفرح الأسري إلى مصادر قلق وضغط نفسي حاد، بسبب التساؤلات والهموم الخانقة حول كيفية تأمين الكلفة المالية وحفظ كرامة الأسرة”.

بينما أكد الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، يوسف كراوي الفيلالي، أن متوسط سعر الأضاحي الذي يبلغ حاليا مابين 4000 درهم و5000 درهم، بات يتجاوز بشكل صارخ القدرة الشرائية للمواطنين ذوي الدخل المحدود والمتوسط، لا سيما فئات الشغيلة والعمال، مؤكدا أن “هذه الأسعار تشكل عبئا ماليا ثقيلا على هذه الشرائح الاجتماعية”.

وأوضح الفيلالي في تصريح لـ”صوت المغرب” أن الخيارات الأقل سعراً، كخروف بقيمة 3000 درهم، تتميز بحجمها الصغير جداً الذي لا يمكنه تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرة مكونة من أربعة أفراد.

وأشار في هذا السياق إلى “المفارقة الكبيرة” بين هذه الأثمان المرتفعة وبين مستوى الحد الأدنى للأجور، مما يعكس “فجوة عميقة” تصعب معها موازنة القوة الشرائية للمواطنين.

في غضون ذلك، انتقد الخبير الاقتصادي غياب الإجراءات الحكومية الفعلية والميدانية المواكبة للوضعية الحالية، مشيرا إلى نقص الدعم الموجه للكسابة ومربي الماشية، فضلا عن غياب آليات صارمة لمراقبة تركيبة الأسعار في الأسواق الوطنية، وهي الخطوات التي اعتبرها ضرورية لضمان استقرار الأسعار وتلاؤمها مع الإمكانيات المادية للمغاربة.

من جانبه، قارب الخبير الاقتصادي ياسين اعليا الأزمة من زاوية بنيوية، مبرزا أن سوق الأضاحي والمواشي في المغرب يعاني من فراغ قانوني وتنظيمي حاد، ويتجلى ذلك في الارتفاع الصارخ للأسعار، “الذي لا يعكس بتاتا وجود علاقة تجارية مباشرة وطبيعية بين الكساب (المنتج الحقيقي) والمواطن (المستهلك النهائي)”.

وأضاف الخبير، في تصريح لـ”صوت المغرب” أن هذا “الوضع الشاذ” يسقط القوانين الاقتصادية المتعارف عليها؛ “فبينما يفترض المنطق الاقتصادي انخفاض الأسعار تلقائياً مع وفرة العرض، يحدث العكس تماماً في السوق المغربية، مما يثبت عدم خضوعها لآليات السوق الطبيعية”.

ويعزو اعليا هذا الاختلال إلى “سيطرة وتواطؤ” شبكات من الوسطاء والمضاربين المعروفين بـ “الشناقة”؛ مؤكدا أن “هذه الفئة غير المنتجة هي التي تتحكم في مفاصل السوق وتفرض أسعارا مرتفعة تفوق القدرة الشرائية للمواطنين، مستغلة غياب القنوات المباشرة للتسويق”.

وفي تحليله لبنية الاقتصاد المغربي، يوضح الخبير أن “القيمة المضافة للمنتجات تتضاعف بشكل غير عادل بين المنتج والمستهلك”، مرجعا ذلك إلى “منظومة ريعية تحميها الأعراف والتشريعات الحالية، أو بسبب الطريقة التي تختار بها الدولة تنظيم الأسواق وتدبيرها”.

كما أكد الخبير الاقتصادي أن “هذه الأزمة تتفاقم نتيجة عجز المشرع وضعف آليات المراقبة الرسمية في ضبط الأسواق وزجر المخالفين”، مما جعل السوق المغربية تتسم بـ “الحرية الاقتصادية في أبشع صورها”، وهي حرية تفتقر للتأطير الحقيقي الذي يضمن تكافؤ الفرص للجميع.

ونتيجة لهذا الوضع، يضيف اعليا، “يستفيد المضاربون من وضعية ريعية تتيح لهم جني أرباح طائلة دون تقديم أي مساهمة حقيقية في خلق الثروة الوطنية، بينما يظل المواطن البسيط والكساب هما الطرفان الوحيدان اللذان يدفعان ثمن هذا الجشع وغياب العدالة التجارية”.

وخلص ياسين اعليا إلى أن قيم التضامن الراسخة بين الطبقات الاجتماعية المغربية هي الصمام الذي يمنع حدوث احتقان اجتماعي كبير خلال فترة عيد الأضحى؛ إذ تعوض العلاقات الإنسانية هذا الخلل، وذلك “في وقت تكتفي فيه الحكومة بلعب دور المتفرج دون التدخل الفعلي لتنظيم السوق وهيكلتها”.