ماذا يريد أخنوش؟
ماذا يريد حزب مثل التجمع الوطني للأحرار، بعدما عقد مؤتمره بشكل استثنائي، وقرر أن يخرج قائده ورئيس الحكومة، عزيز أخنوش، من واجهة القيادة الحزبية، وعيّن بدلا منه رئيسا جديدا، حين يعود في نهاية الأسبوع الماضي إلى أكادير، ليسخر فعالية شبابية كبيرة، هي الجامعة الصيفية لشبيبته، لرسالة واحدة: أخنوش هنا، في الواجهة، في الصورة، وهو الصوت، وهو محور الحكاية كلها؟
كان يفترض أن تكون الجامعة الصيفية فضاء للشباب، وللتأطير، وللنقاش، ولإظهار الرئيس الجديد، ولتقديم ملامح مرحلة سياسية جديدة بعد ما سمي “تداولا على القيادة”. لكن ما ظهر في الصورة والفيديو والملخص هو شيء آخر تماما. كانت هناك ورشات، وكان هناك مؤطرون، وكان هناك وزراء وبرلمانيون ومسؤولون حزبيون، وكان هناك رئيس جديد اسمه محمد شوكي. لكن اللغة البصرية والتواصلية التي خرج بها الحزب تقول شيئا آخر أبسط وأقسى: أخنوش بوحدو للي كاين.
في السياسة، كما في المسرح، لا شيء يكون بريئا تماما عندما يتعلق الأمر بالإخراج. من يقرر من يظهر في الصورة، يقرر أيضا من ينبغي أن يبقى في ذاكرة المتلقي. ومن يحوّل نشاطا شبابيا إلى منصة لإعادة تقديم رجل قيل لنا إنه انسحب، فإنه لا ينتج خبرا تنظيميا، بل يرسل إشارة سياسية.
الانسحاب شكلي، أما الحضور ففعلي. التداول تنظيمي، أما السلطة فباقية حيث كانت. الرئيس الجديد (محمد شوكي) موجود في الوثائق، وفي البلاغات، في لائحة المسؤوليات، وربما في بعض الجلسات الختامية؛ لكن مركز الجاذبية، ومصدر الشرعية، ومخزن الرسائل، كل ذلك بقي عند الرجل نفسه. أخنوش لم يغادر الحزب. وربما لم يغادر القيادة أيضا.
راسلني صديق افتراضي، وهو يتابع صور الجامعة ومقاطعها، قائلا بما معناه: كيف يعقل أن يترك شخص رئاسة حزب، ثم يخوض حملة حضور أكبر مما كان يفعل حين كان رئيسا؟ وهنا يوجد السؤال الحقيقي. ماذا يريد أخنوش؟ ومم يخاف؟ ولماذا يحتاج رجل يقول حزبه إنه أنجز، ووفى، وفتح أوراشا اجتماعية كبرى، إلى هذا النوع من العودة الثقيلة إلى الواجهة؟
ألم يغن مع ماجد المهندس: “أعلن انسحابي، حبك يظلم هواي، ضيعلي شبابي”؟ فلماذا هذا الحضور كله؟ وإذا كان الأمر تداولا، فلماذا يبدو الرئيس الجديد كأنه تفصيل هامشي في موكب رئيس قديم؟
السؤال ليس شخصيا، رغم أن كل شيء في هذا المشهد يريد أن يجعله شخصيا. السؤال سياسي. بل هو، في العمق، سؤال عن طبيعة حزب، حين يتحول من مؤسسة وساطة إلى مركّب مصالح، ومن تنظيم سياسي إلى جهاز حماية، ومن فضاء للتداول إلى مسرح لإعادة إنتاج الزعيم.
كيف نتحدث عن التداول حين يكون المتداول عليه حاضرا بقوة أكبر من المتداول إليه؟ وكيف نتحدث عن الشباب حين تتحول الجامعة الشبابية إلى منصة لتثبيت رجل الدولة-الحزب؟ وكيف نتحدث عن تجديد النخب حين يكون الجديد كله يدور حول القديم؟
إذا كان أخنوش قد نجح فعلا في إنجاز ما وعد به المغاربة سنة 2021، فلماذا لا يتقدم بهذه الحصيلة إلى الناس كما هي؟ لماذا لا يربط بين الموقع والمسؤولية والنتيجة؟ لماذا ينسحب سياسي ناجح من موقع حزبي وهو ما يزال يرأس الحكومة، ثم يعود إلى تسييد نفسه تواصليا في فعالية حزبية كبرى؟
أخنوش يريد أن يكون في الخلفية والواجهة معا. يريد أن يقول إنه احترم التداول، لكنه لا يريد أن يترك للحزب فرصة اكتشاف ذاته بدونه. يريد أن يظهر كمن سلّم المشعل، لكنه يحرص على أن تبقى النار في يده. يريد أن يترك الرئاسة، دون أن يترك القيادة.
ما هي الرسالة التي تمنحها صورة أخنوش محمولا سياسيا في “العمارية” التواصلية؟ هذه الرسالة ليست موجهة إلى الشباب ولا إلى الناخبين فقط. إنها موجهة أيضا إلى المركب المصلحي الذي تشكل حول الرجل والحزب والحكومة: لا تقلقوا، الرجل باق. قد يتغير الاسم على رأس الحزب، وقد تصدر بلاغات عن التداول وتجديد النخب، وقد يظهر رئيس جديد في الندوات، لكن العمود الفقري لم يتغير. منطق السنوات الماضية سيستمر. شبكة المصالح التي اطمأنت إلى وجود رجل أعمال كبير في قلب السلطة السياسية، لن تجد نفسها فجأة أمام حزب مؤسساتي مستقل عنها.
في كتابات ماكس فيبر عن السلطة، هناك تمييز معروف بين الشرعية التقليدية، والشرعية القانونية-العقلانية، والشرعية الكاريزمية. ما يقدمه الأحرار اليوم خليط غريب من كل ذلك. يريدون أن يظهروا كحزب حديث، مؤسساتي، رقمي، يستعمل الأرقام والمؤشرات، ويتحدث عن البرامج والنتائج؛ لكنهم في لحظة الصورة يعودون إلى شكل من الشرعية الشخصية: الزعيم الذي يمنح المعنى، وتتجه إليه الكاميرا، وتحيط به الوجوه، ويصبح هو نفسه اختصارا للحكومة والحزب والحصيلة.
كلما أكثر حزب “الحمامة” من الحديث عن المؤسسة، فضحته الشخصنة. وكلما تحدث عن الشبيبة، ظهرت أبوية الصورة. وكلما تحدث عن المستقبل، عاد الماضي إلى وسط المنصة. وكلما تحدث عن شوكي، حضرت ظلال أخنوش أثقل من الاسم الجديد.
قد يقال إن هذا طبيعي. أخنوش رئيس الحكومة، ومن الطبيعي أن يحظى باهتمام إعلامي وحزبي. هذا صحيح إلى حد ما. لكن السياسة لا تُقرأ بالوقائع المعزولة، بل بالتراكم والإخراج والسياق. لو كان الأمر حضورا عابرا لرئيس حكومة في نشاط حزبي، لما استحق كل هذا الكلام. لكن حين يتحول حضور الرجل إلى محور المحتوى، وحين تكاد الفعاليات التي يفترض أن يكون مؤطروها وأفكارها هي الحدث، تختزل في عبور أخنوش بها، وحين يصبح الرئيس الجديد شاحبا في لحظة يفترض أن تكون لحظته، فإننا لا نكون أمام بروتوكول حزبي، بل أمام رسالة سلطة.
السياسة في النهاية ليست صورة فقط. وما تحاول الصورة إخفاءه يعود دائما من شقوق الواقع، ومن أسعار السوق، ومن فاتورة حياة المواطن، وفي سؤال الدعم، وفي تضارب المصالح، وفي الإحساس بأن السلطة التنفيذية تحولت، خلال هذه الولاية، إلى منطقة رمادية بين تدبير الشأن العام وتحصين المصالح الخاصة.
وفي جميع الأحوال، لم تعد المسألة في ما يقوله الحزب عن نفسه. فالأحزاب لا تكشفها خطبها، بل لحظات الارتباك بين ما تريد قوله وما يظهر منها. والتجمع الوطني للأحرار، في جامعة أكادير، أراد أن يقول إنه حزب مؤسسات، وشباب، وتداول، ومستقبل. لكنه أظهر، من حيث أراد أو لم يرد، حزبا لا يزال يبحث عن طمأنينته في رجل واحد.