story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

سياسيون: المال وتراجع الوسائط التقليدية عمّقا أزمة الثقة في الأحزاب والسياسة بالمغرب

ص ص

أكد عدد من السياسيين أن أزمة الثقة التي تطبع علاقة المواطنين بالأحزاب السياسية لا يمكن اختزالها في ضعف المشاركة الانتخابية أو تراجع الاهتمام بالشأن العام، بل تعكس مسارا طويلا من التحولات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي مست بنية العمل الحزبي وآليات الوساطة بين الدولة والمجتمع.

جاء ذلك خلال ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، اليوم الخميس 2 يوليوز 2026، حول موضوع “السياسة على إيقاع التحولات المجتمعية”، بمشاركة عدد من الفاعلين السياسيين والأكاديميين، حيث ناقش المتدخلون أسباب تراجع الثقة في الأحزاب، وتأثير التحولات الرقمية والاجتماعية على الممارسة السياسية.

وشدد المتدخلون على أن استعادة الثقة تقتضي معالجة الأعطاب البنيوية التي راكمها الحقل السياسي، وإعادة الاعتبار للمشروع الحزبي، وتقوية مؤسسات الوساطة، مع التمييز بين الأحزاب التي تقوم على التأطير السياسي وتلك التي تحولت إلى أدوات انتخابية أو تجمعات للمصالح.

مساءلة البنية التي أفرزت النتائج

في هذا السياق اعتبر عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، عبد الله البقالي، أن “النقاش العمومي ينشغل غالبا بنتائج الأزمة السياسية، بينما المطلوب هو مساءلة البنية التي أفرزت هذه النتائج”، مؤكدا أن “فهم ما يجري يقتضي العودة إلى التحولات العميقة التي مست العمل السياسي خلال العقود الأخيرة.”

وقال إن العمل السياسي انتقل من نموذج تقليدي يقوم على الأحزاب والنقابات والجامعات والبرلمان كوسائط أساسية، إلى واقع جديد أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي فضاء رئيسيا للتعبير والترافع، بفعل التطور التكنولوجي، “وهو ما أضعف أدوار الوسائط التقليدية، في وقت ما تزال فيه الممارسة السياسية تعتمد أدوات قديمة لا تستوعب هذا التحول”.

وأضاف أن حرية التعبير “لم تعد مرتبطة بالانتماء إلى حزب أو إلى الدولة كما كان في السابق، بل أصبحت متاحة للجميع، غير أن هذا التحول صاحبه غياب الضوابط المهنية والأخلاقية التي كانت تؤطر المؤسسات الإعلامية”، مما يطرح، بحسبه، أسئلة تتعلق بالمصداقية والأخبار الزائفة وكيفية مساءلة المحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية.

وحذر البقالي من أن القلق لم يعد يقتصر على الأحزاب والنقابات والجمعيات، “بل امتد إلى الدولة نفسها”، معتبرا أن “أخطر ما يمكن أن يواجهه أي مجتمع هو الانتقال من العزوف عن العمل السياسي إلى النفور من الانتماء إلى الدولة”، مستشهدا بما قال إنها مؤشرات تعكس رغبة نسبة كبيرة من الشباب في الهجرة.

كما اعتبر أن تدخل الدولة في الحياة السياسية خلال محطات تاريخية، أشار منها إلى سنتي 1981 و2011، أحدث اختلالات في بنية الممارسة السياسية، مضيفا أن الاعتقاد بأن الانتخابات وحدها ستنتج تغييرا جذريا يبقى، في نظره، غير دقيق، لأن الخلل يكمن في البنية الانتخابية نفسها.

وربط المتحدث بين تداخل المال والأعمال مع السياسة وبين تراجع نضج الممارسة السياسية، معتبرا أن الناخب أصبح يصوت في حالات كثيرة بناء على الخدمات الشخصية التي يحصل عليها أكثر من تصويته على أساس البرامج أو المنجزات، وهو ما يجعل المال وتضارب المصالح عاملين مؤثرين في العملية السياسية.

وختم البقالي بالتأكيد أن ما يعيشه المغرب اليوم “هو نتيجة مسار طويل من الأعطاب، ساهمت فيه السلطة والمال والجاه، إلى جانب تراجع مؤسسات التنشئة والتربية وضعف منظومة القيم داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع”، معتبرا أن معالجة الأزمة تستوجب الانطلاق من هذه الأسباب البنيوية بدل الاكتفاء برصد مظاهرها.

الثقة تراجعت بفعل محطات سياسية متراكمة

من جانبه، اعتبر عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، عبد العلي حامي الدين، أن الثقة في الأحزاب السياسية لم تكن ثابتة، بل عرفت صعودا وتراجعا عبر محطات تاريخية متعاقبة، مبرزا أن مرحلة الاستقلال شكلت أول لحظة ارتفع فيها منسوب الثقة، بفضل الحماس الوطني والانخراط الواسع للشباب في العمل السياسي، قبل أن يدخل المغرب مرحلة من الصراع أثرت في العلاقة بين المواطنين والسياسة.

وأضاف أن حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي مثلت محطة ثانية لاستعادة جزء من هذه الثقة، في سياق اتسم بالانفتاح السياسي والحقوقي وعودة المعارضين والمنفيين واعتماد منطق المصالحة، غير أن تعيين وزير أول من خارج نتائج انتخابات 2002، بحسب قوله، وجه ضربة قوية للحياة السياسية انعكست على نسبة المشاركة في انتخابات 2007.

واعتبر أن مرحلة ما بعد ذلك شهدت محاولة مواجهة صعود حزب العدالة والتنمية عبر تأسيس حزب جديد مدعوم بوسائل قريبة من الدولة، وهو ما رأى أنه ساهم في الوصول إلى احتجاجات 20 فبراير، قبل أن يشكل خطاب 9 مارس والاستجابة للإصلاحات الدستورية لحظة امتصت جزءا كبيرا من الاحتقان.

وأشار حامي الدين إلى أن تعيين عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة بعد انتخابات 2011 “أعاد جزءا من الاهتمام الشعبي بالسياسة”، وبلغ ذروته في انتخابات 2016 التي وصفها بأنها الأكثر تنافسية، غير أن تعثر تشكيل الحكومة بعد تلك الانتخابات فوت، بحسب تعبيره، فرصة جديدة لتعزيز الثقة في المؤسسات.

وانتقد المتحدث ما وصفه بتحول بعض الأحزاب من أدوات للتأطير السياسي إلى “تجمعات للمصالح”، مستحضرا مفهوم “حزب الكارتيل” في العلوم السياسية، معتبرا أن تداخل المصالح الاقتصادية مع المسؤوليات السياسية أدى إلى ترسيخ الانطباع بأن العمل الحزبي أصبح وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

وأضاف أن هذا الواقع ساهم في انتشار ما سماها “ثقافة الهمزة”، حيث أصبح بعض المواطنين يربطون الانتماء الحزبي بتحقيق المنافع الشخصية، وهو ما زاد من تعميم صورة سلبية عن جميع الأحزاب، رغم وجود أحزاب، بحسب قوله، ما تزال تعتمد مساطر داخلية صارمة في اختيار مرشحيها وتراهن على التأطير والتصويت السياسي.

وخلص حامي الدين إلى التأكيد على أن إعادة الثقة في العمل السياسي تمر عبر إعادة الاعتبار للمشاريع الحزبية المؤسسة على المرجعيات والأفكار، والتمييز بين الأحزاب التي تمارس التأطير السياسي وتلك التي تحولت إلى أدوات انتخابية، مع الاعتراف بأن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات سياسية يتحمل مسؤوليتها أكثر من طرف.