سياسيون يؤكدون أن الخوارزميات والتحولات المجتمعية تعيدان تشكيل علاقة المغاربة بالأحزاب
أكد عدد من السياسيين أن التحولات الرقمية والمجتمعية التي يشهدها المغرب أعادت رسم العلاقة بين المواطنين والأحزاب السياسية، وقلصت من أدوار الوساطة التقليدية التي كانت تضطلع بها في التأطير وصناعة الرأي العام، مقابل صعود الفضاء الرقمي كفاعل مؤثر في تشكيل النقاش العمومي وتوجيه الرأي العام.
وجاء ذلك خلال ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، اليوم الخميس 2 يوليوز 2026، حول موضوع “السياسة على إيقاع التحولات”، بمشاركة عدد من الفاعلين السياسيين والأكاديميين، حيث ناقش المتدخلون أثر التحولات الرقمية والديمغرافية والاجتماعية على الممارسة السياسية ومكانة الأحزاب داخل المجتمع.
وشدد المشاركون على أن أزمة الثقة التي تطال الأحزاب السياسية لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، معتبرين أن استعادة دور الأحزاب رهينة بقدرتها على تجديد أدواتها ومواكبة التحولات الجديدة، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الوساطة بين الدولة والمجتمع.
الفضاء الرقمي ينافس الأحزاب في صناعة الرأي العام
في هذا الصدد قال رشيد روكبان، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، إن الأحزاب السياسية كانت تاريخيا الفاعل الأساسي في تشكيل الرأي العام، عبر صحافتها وتنظيماتها ومواردها البشرية، غير أن هذا الدور تراجع بشكل واضح مع صعود الفضاء الرقمي وما يتيحه من أدوات جديدة للتأثير.
وأوضح أن الخوارزميات لم تعد تقتصر على رصد اهتمامات المواطنين، بل أصبحت توجه اختياراتهم وتساهم في تشكيل آرائهم، مشيرا إلى أن التأثير السياسي لم يعد حكرا على الأحزاب، بعدما أصبح بإمكان مؤثر واحد عبر مقطع فيديو أو بث مباشر الوصول إلى ملايين الأشخاص في وقت وجيز، بينما يحتاج الحزب السياسي إلى إمكانيات بشرية ومالية ولوجستية كبيرة لتنظيم تجمع جماهيري.
واعتبر أن هذا التحول لا يعني أن كل ما ينتجه الفضاء الرقمي إيجابي، محذرا من وجود محتوى رديء يشكل خطرا ليس فقط على الأحزاب والسياسة، وإنما أيضا على منظومة القيم داخل المجتمع.
وأضاف أن أشكال التعبير المجتمعي تغيرت بدورها، بعدما أصبحت الاحتجاجات وحملات المقاطعة، إلى جانب التعبيرات التي برزت داخل مدرجات كرة القدم أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، تنطلق خارج الأطر التقليدية التي كانت تؤطرها الأحزاب والنقابات والجمعيات.
وأشار إلى أن الأحزاب لم تعد حاضرة بالقوة نفسها داخل هذه الفضاءات الجديدة، بل إن الفاعل الحزبي غالبا ما يجد نفسه داخل المنصات الرقمية في موقع المتهم أكثر من كونه محاوراً، وهو ما يعكس حجم أزمة الثقة التي أصبحت تحيط بالفعل السياسي.
ورأى روكبان أن هذه الأزمة تظهر أيضا خلال الاستحقاقات الانتخابية، إذ إن أحزابا تشتغل طيلة الولاية عبر تنظيم الندوات واللقاءات وتأطير المواطنين لا ينعكس حضورها السياسي دائما على نتائجها الانتخابية، رغم استمرارها في العمل الميداني.
وفي المقابل، انتقد المتحدث ما وصفه بـ”الدكاكين الانتخابية”، معتبرا أن بعض الأحزاب لا تنشط إلا مع اقتراب الانتخابات، وتركز على استقطاب المرشحين القادرين على الفوز بالمقاعد، دون أن يكون لها حضور سياسي أو تنظيمي فعلي طيلة السنوات الفاصلة بين الاستحقاقات.
التحولات المجتمعية ترفع كلفة تراجع الوساطة السياسية
من جانبه، اعتبر سمير بلفقيه، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن فهم وضعية الأحزاب السياسية اليوم يقتضي الانطلاق أولا من التحولات المجتمعية الكبرى التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، سواء على المستوى الديمغرافي أو الاجتماعي أو الرقمي.
وأوضح أن الأسرة المغربية شهدت تغيرات عميقة، مع تراجع معدل الخصوبة، وارتفاع نسبة التمدن، وتعميم التمدرس، إلى جانب التحول الرقمي الذي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، حيث أصبح يؤثر في نمط الحياة اليومية، كما أتاح فرصا جديدة للوصول إلى المعرفة وإنتاج الأفكار.
وأضاف أن المجتمع المغربي عرف أيضا انتقالا متزايدا نحو مجتمع استهلاكي، ما عزز حضور المال داخل العلاقات الاجتماعية، وأثر في طبيعة القيم والعلاقات التي كانت تؤطر المجتمع، إلى جانب التحولات التي مست مكانة الأسرة وأدوارها.
وسجل أن هذه التحولات انعكست كذلك على منظومة القيم، وعلى مؤسسات التنشئة والوساطة، مشيرا إلى أن الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات لم تعد تحظى بالمكانة نفسها التي كانت تتمتع بها في السابق لدى المواطنين.
واعتبر المتحدث أن جزءا من هذا التراجع يرتبط بعوامل موضوعية، في حين يرتبط جزء آخر بما وصفه بدينامية تبخيس المبادرات، حيث أصبحت مختلف المبادرات العمومية أو السياسية عرضة للتشكيك والتقليل من قيمتها.
وشدد بلفقيه على أن اهتزاز الثقة في مؤسسات الوساطة لا يمثل مشكلة سياسية فقط، و إنما يترتب عنه أيضا ثمن تنموي، لأن التنمية، بحسب تعبيره، لا تقوم فقط على الإمكانيات الاقتصادية أو الأرقام، وإنما تحتاج كذلك إلى مواطن يشعر بالثقة وينخرط في المشروع الجماعي.
وخلص بلفقيه إلى التأكيد على أن معالجة أزمة الثقة تستوجب فهما عميقا للتحولات المجتمعية التي يعرفها المغرب، معتبرا أن جودة التنمية ترتبط أيضا بقوة مؤسسات الوساطة، ومنظومة القيم، والثقة في الفاعلين السياسيين، وليس فقط بالمؤشرات الاقتصادية والمالية.