story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

سميرة حدوشي.. سيدة فن العيش المغربي

ص ص

صعب أن تصدق خبر وفاة سيدة أنيقة جميلة تخرج كل يوم للحياة بابتسامة وبهاء وأناقة عالية. كم هو قاس أن تدرك مخالب الموت امرأة في ريعان العطاء والابداع والجمال. خدعتنا سميرة حدوشي حينما رحلت عنا فجأة لم تمنح لأي منا حتى أقرب الناس لها بأن يشفق عليها ويبكي ضعفها أمام الناس.

عاشت سميرة شامخة عالية الهمة بأنفة امرأة من جبال الريف وعزة نفس قل نظيرها، وهي هكذا كما عرفناها كريمة بهية السخاء راقية تهتم بتفاصيل التفاصيل، فالجمال والأناقة عنوان حياتها اليومية، في مأكلها ومشربها ومنامها. امرأة تعانق العيش الراقي الفخم لاترضى بالتوسط، كل شيء يجب أن يكون على مايرام، والجودة في العيش وفن العيش هاجسها.

سميرة التي عرفت بحكم الانتماء للريف وطنجة والقرب من عائلتها الكريمة، وكذا بحكم المهنة وانتمائي لمجلة تعتني بالأناقة والموضة، امرأة ملهمة حيوية جدا طموحة جدا شغوفة بما تعمل، اشتغلت باستمرار لتطوير ذاتها ومهاراتها المختلفة، فكانت المصممة والفنانة ومهندسة الديكور وإعلامية تنقل للمهتمين جديد الأناقة والموضة. سيدة خلقت فعلا للعيش الفخم والأبهة، وهي في الأصل تنتمي لعائلة ميسورة لم تحرمها من شيء، وبالرغم من فقدانها لوالدها وهي طفلة صغيرة لاتتجاوز 12 سنة، أغدقت عليها والدتها الريفية القوية كل أنواع الحب والرعاية، فكانت حبيبة أمها وجوهرة البيت التي لايرد لها طلب.

تربت مرفهة مدللة لاينقصها شيء، تزوجت صغيرة حرصا من والدتها على حمايتها وضمان استقرارها النفسي والعاطفي. أنجبت عثمان وصفاء هما اليوم شابان في مقتبل العمر، وفي الزواج لم تتخل عن ولعها بالفن وناضلت من أجل أن تمضي بشغفها بعيدا رغم صعوبات المحيط الأسري أحيانا. درست واجتهدت وفتحت مشروعها الخاص وهي تقص القماش وترسم ماتجود به قريحتها من أشكال وأفكار للقفطان. ولع كبير دفعها لإتمام دراستها والتخصص في تصميم الأزياء التي كانت حلمها منذ الصغر، حيث بدأت مشوارها أواخر التسعينات بالدارالبيضاء، هناك التقينا وكانت ضمن الأسماء الشابة المبدعة في القفطان التي أدخلت روح العصر عليه في زمن انطلاقة قوية ومتميزة للقفطان الذي كان له موعد مع تظاهرة سنوية في مراكش.

تصوير: زليخة

التقيت سميرة بفضل العمل أولا لنكتشف أننا قريبين وأن والدي يعرف والدها جيدا وعائلتها معروفة في حومة علي باي بطنجة، وهو الحي الذي سكنا فيه لفترة نحن أيضا. أذكر أن أول لقاء لي معها دعتني فيه إلى بيتها الأول في حي بوركون، بيت دافىء وكأن كل قطعة فيه كانت تعانقني. أعجبت جدا بلطفها و استقبالها لي وبروح الأناقة والألوان الدافئة التي أشعرتني بحرارة المشاعر وطاقة سميرة الجاذبة للفن.

كانت ألوان صالونها صاخبة بالحياة أظهرت لها إعجابي انذاك فأجابتني ضاحكة: “هذه هي الألوان التي أعشقها تشبهني أنا ريفية حارة كانغلي لا أحب الألوان الباهتة الباردة ليست أنا”. أتذكر آنذاك أنني قضيت معها وقتا ماتعا جدا وسط أجواء راقية من فن العيش المغربي الأصيل، كل تفاصيل الضيافة بجلسة الشاي المغربي وطقوس الحفاوة كانت استثنائية فعلا.

عشت معها تطورها وعملها الدؤوب على القفطان المغربي وابتكاراتها مع القصات الجديدة من استعمال الجينز في القفطان إلى ابتكار القفطان بتصميمات متنوعة، واستلهام اللباس الاسكتلندي في الجلابة، والتراث الإفريقي الزاخر بالألوان الحارة، والجلابيب الصيفية الجذابة بأقمشة قطنية، وزخرفة بالعقيق اللامع واستثمار الطرز الرباطي العريق في السلاهيم والكيمونو الياباني وتقنية الباشوورك وووو… كانت تشتغل بذكاء وحرفية وحرية صنعت اسما عالميا واستطاعت أن تستقطب كبار الشخصيات لتكون علامتهم.

تصوير: زليخة

حضرت لها حفلا تاريخيا بقصر التازي بحضور وازن وتنظيم متميز ولا أنسى تلك الليلة الساحرة التي كنا نستمتع آنذاك بغناء نجاة رجوي في بداياتها ليحل علينا خبر وفاة الصحافي المختار الزياني بعدما همست به لنا في أذننا الزميلة الصديقة زليخة.. تأثرنا لهنيهات لكننا استمعنا بنفس صوفي جميل وسط أجواء ساحرة وغنينا بل وصرخنا مع رجوي “ياحبيبي كل شيء بقضاء ما بأيدينا خلقنا تعساء”.

تكررت لقاءاتنا وزياراتنا ووقفت على مدى عشق سميرة لعملها واتقانها وقدرتها على ملامسة الأذواق الرفيعة. امرأة ألهمتني واعتبرها من الشخصيات التي أثرت في مساري، رغم اختلافنا شعرت بحبها وطاقتها وتحفيزها الدائم. شجاعتها جعلتها تغير مسار حياتها الشخصية أيضا بحثا عن السعادة.

وأذكر جيدا كيف دعتني ومعي الصحافية حنان بكور صديقتها القريبة جدا إلى حفل زواجها الثاني، كان حفلا راقيا رائعا وجب تدريسه في فن الايتيكت المغربي وفن العيش الأصيل بطقوس عريقة وبيدي حملت زجاجات الكريستال الرفيعة معبأة بالحليب وماء الزهر.. كانت سميرة يومها عروس ملكة متوجة بفخامة التقاليد المغربية الأصيلة هي العروس وهي المايسترو المصمم لكل التفاصيل الصغيرة في بيت أهلها في طنجة، كانت قوية حد البهاء.

خدعتني سميرة حينما طمأنتي على نفسها من المرض الخبيث، بعدما حكت لي حكايتها مع المرض وكيف أنها حاربته وتصدت له بكل الوسائل والاحتياطات اللازمة وأنها بخير. تواعدنا منذ 11 أبريل الماضي على اللقاء قريبا، كانت كعادتها مليئة بالمحبة والحيوية ولم نلتق بعد، لكن لاشيء عادي عند سميرة حدوشي الباحثة عن الكمال في الجمال، لم تكن تهدأ ولعلها حملت نفسها أكثر مما تحتمل واستنزفت كل طاقاتها لتموت كالأشجار واقفة.

لقد أراد لها الله أن ترتاح إلى جواره وأن تنصت لحكمته “إن لنفسك عليك حق”.. لعل الله همس لها بينه وبينها آن لك أن ترتاحي

ارقدي بسلام سميرة العزيزة فقد تركت الأثر والعبرة.. وداعا.

*سميرة مغداد