سكة الحجاز تعود من تحت الأنقاض.. هل تملك المنطقة إرادة حماية مشروعها الكبير؟
تستيقظ الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط اليوم على وقع هدير القاطرات والسباق المحموم فوق رقعة الشطرنج الدولية، حيث تتشابك المصالح لترسم ممرات استراتيجية جديدة تُعيد هندسة خطوط التجارة والنفوذ بين الشرق والغرب. وفي هذا السياق المتسارع الذي يعيد صياغة خريطة القوة، يبرز ممر بري يطمح إلى قلب موازين الحركة والعبور. ففي قلب هذا الحراك الصاخب، تسعى أنقرة والرياض برؤية عصرية طموحة إلى نفض غبار النسيان عن “سكة حديد الحجاز”؛ مستلهمتين في ذلك إرث الشريان التاريخي الذي شقّه العثمانيون في مطلع القرن العشرين ليربط دمشق بالمدينة المنورة، قبل أن تحيله الحروب والتحولات السياسية الصارمة إلى قضبان معزولة تحت رمال الزمن ودلائل منسية من حطام الماضي.
واليوم، يتجاوز هذا الإحياء الجديد فكرة النقل التقليدي ليتحول إلى ممر تجاري بري عابر للقارات، يمتد كجسر جيوسياسي صلب ينطلق من أراضي الحجاز نحو الهضاب الأردنية، ليعبر من قلب الشام في سوريا، قبل أن يحط رحاله في ربوع الأناضول. ولعلّ الغاية الأسمى الكامنة وراء هذا الشريان تتجلى في أن ربط هذا الخط بالشبكات الأوروبية لا يستهدف فحسب تسهيل حركة البضائع وسلاسل الإمداد، بل يهدف بالأساس إلى صياغة بديل استراتيجي متكامل يضع المنطقة في عمقها الاستراتيجي، ويمنح القوى الإقليمية سلطة التحكم بمسارات العبور الدولية بعيدا عن المشاريع المنافسة.
لذا، لم يكن تفجير تلك القضبان وتحويل خطوط الحديد إلى أشلاء متناثرة في الصحراء مجرد عمل عسكري فرضته ظروف الحرب العالمية الأولى، بل كان فصلا بريطانيا وفرنسيا محكما لإطفاء شعلة هذا الإحياء الجغرافي. فقد أدركت القوى الاستعمارية بعيون رصدها الجيوسياسي، أن بقاء هذا الشريان ممتدا يعني بقاء الجسد المشرقي متصلا وعصيا على التطويق؛ فكان لا بد من بتر الأوصال لتدخل المنطقة في “عصر العزلة البرية” حيث باتت كل دولة جزيرة معزولة تحيط بها الأسلاك، وتتحكم البحار التي تسيطر عليها الأساطيل الغربية بأنفاسها واقتصادها.
واليوم، حين تعود أصداء الهياكل الصلبة لتتردد في أروقة التخطيط الاستراتيجي بين الرياض وأنقرة، فإن الأمر يتعدى لغة الأرقام والمكاسب التجارية الجافة؛ إذ يتجاوز هذا الحراك حدود الحسابات المادية المجرّدة ليكون أشبه بمحاولة واعية لترميم ذلك “الجسد الممزق” وكسر الطوق البحري القديم. وبناءً على هذا التصور السيادي العتيد، فإن إحياء سكة حديد الحجاز وربطها بأوروبا عبر الشام والأناضول هو بمثابة إعلان تاريخي مضاد، يسعى فيه المشرق لامتلاك رأتيه البريتين مجددا، ليتنفس عبرهما بعيدا عن وصاية المضائق البحرية والخطوط التي رسمتها بنادق المستعمرين ذات يوم.
ومن هذا المنطلق العميق، يُقرأ التحول الأهم في المشهد الإقليمي؛ فهذه القضبان الممتدة ليست مجرد إسمنت وفولاذ يُرصف في باطن الأرض، بل هي تجسيد حيّ لرؤية جيوسياسية واقتصادية أوسع تشترك في صياغتها أنقرة والرياض. إذ لا يقف هذا التحالف عند حدود التعاون اللوجستي، بل يُعد إشارة صريحة إلى انتقال جوهري في طبيعة التنافس الإقليمي؛ حيث غادرت الدول ساحات الصراع العسكري التقليدي ومناطق النفوذ الضيقة، لتدخل حقبة “حرب الممرات الاقتصادية واللوجستية” التي ستحدد ملامح التجارة الدولية. ومن شرفة هذا المشهد الجيوسياسي المعاد صياغته، نرى اليوم كيف يُعاد رسم خرائط النفوذ والمصالح لا على أساس الحدود السياسية المسيّجة، بل على امتداد شبكات الربط وسلاسل التوريد، تلك التي تمنح من يسيطر عليها سلطة التحكم المطلق في تدفقات البضائع، وشرايين الطاقة، ونبض المعلومات بين الشرق والغرب.
وفي هذا الفضاء المزدحم بالبدائل، يبرز هذا الممر كطوق نجاة بري استراتيجي يلتف على المضائق البحرية القلقة والمهددة كـ “مضيق هرمز”، لا سيما في ظل الاضطرابات العاصفة التي تشهدها المنطقة. وهو إذ يفعل ذلك، لا يطمح إلى إلغاء الشحن البحري بالكامل، بل إلى خلق شبكة أمان موازية وقدرة لوجستية مرنة للبضائع عالية القيمة، مما يمنح سلاسل التوريد الإقليمية حصانة ضد الصدمات. ولعل الأبعاد السياسية الكامنة خلف هذا المشروع لا تقل خطورة عن جدواه الاقتصادية؛ فهو يمثل محورا هجوميا في صراع الإرادات مع مشاريع دولية منافسة، وعلى رأسها “الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي” الذي يشترط المرور ببوابة التطبيع مع إسرائيل. في المقابل، يختار هذا الشريان الجديد الاندفاع عبر عمق سوريا والأردن متجاوزا تل أبيب، في تحول دراماتيكي للتحالفات الإقليمية، يُسهم في ربط ملف إعادة إعمار سوريا بـشبكة مصالح اقتصادية كبرى تجعل من استقرار الشام مصلحة حتمية للجميع.
أما التحول الأعمق والبعد الأكثر حسما في هذه المعادلة، فيكمن في إدماج سوريا والأردن في صلب هذا الشريان؛ وهي خطوة تتجاوز الاضطرار الجغرافي إلى إعادة صياغة كاملة لهوية المنطقة. بهذا الدمج، ينفض المشرق العربي عن كاهله غبار العقود المظلمة، ليتحول من مجرد “صندوق بريد للرسائل الدموية” وساحة لتصفية الحسابات، إلى حلقة وصل مركزية في قلب التجارة العالمية. وفي هذا المنعطف الجيوسياسي الحاد، ينبري هذا التحول البري ليضع المشروع في خط مواجهة ومنافسة مباشرة مع طموحات إسرائيل والإمارات اللتين تسعيان لربط آسيا بأوروبا عبر موانئهما وممراتهما اللوجستية، مما يهدد بسحب البساط من تحت أقدامهما كمراكز عبور حصرية، ويعيد توزيع الثقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط وفق منطق الممرات البرية العابرة للمدن، لا المنافذ البحرية القائمة على حواف الجغرافيا.
وفي إطار هذه الرؤية التركيبية المعقدة، يتسع أفق المشروع ليتجاوز حدود الماديات من بضائع وطاقة؛ إذ يمتد نفوذه الرقمي عبر كابلات ألياف بصرية برية تُمدّ على طول مسار السكة الحديد. ليرسم هذا الامتداد التكنولوجي فصلا أعمق في سيادة المنطقة باعتبارها خطوة بالغة الذكاء لتأمين وتدفق البيانات والملفات الرقمية بين القارتين، بعيدا عن اختناقات الكابلات البحرية المعرضة لتهديدات القطع والتخريب في أعماق البحر الأحمر. وبذلك، لا يعود الممر مجرد طريق للقوافل الحديدية الحديثة، بل يتحول إلى أداة نفوذ سيادي شاملة في القرن الحادي والعشرين، يمسك بكل خيوط القوة بضائع، طاقة، ومعلومات.
ومع ذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الأكثر إلحاحا وضراوة لا يتعلق بالقدرات الهندسية الفائقة ولا بالترسانات التمويلية الضخمة، بل بمدى استعداد القوى الدولية والإقليمية الكبرى، التي ارتكزت مصالحها وإمبراطورياتها تاريخيا على تفتيت المشرق وإبقائه ممزقا، للسماح لهذا الجسر القاري بإعادة لحمة الجغرافيا ورأب الصدع التاريخي. فالتاريخ، في أنصع دروسه وأكثرها مرارة، يعلمنا أن مشاريع الربط الكبرى في هذه البقعة من العالم لم تُحارب قط بسبب عيوب تقنية أو حسابات مالية، بل لأنها تحمل في أحشائها بذور الانعتاق، وتهدد بإنهاء حقبة طويلة من التبعية، والتفكك، والارتهان لإرادات العواصم البعيدة.
لذلك، فإن العبور الآمن لهذا الممر من غرف التخطيط إلى أرض الواقع لن يتوقف على آلات حفر عملاقة أو توقيع عقود استثمارية بالمليارات، بل يرتكز بالدرجة الأولى على قدرة العواصم الأربع المعنية — الرياض وعمان ودمشق وأنقرة — على تحصين إرادتها السياسية المشتركة، والوقوف ككتلة صلبة واحدة في وجه الضغوط الخارجية العاتية، والاضطرابات المصطنعة التي تتربص بهذا المشروع منذ أن كان مجرد فكرة في مطلع القرن الماضي. ففي الميزان الاستراتيجي للامتداد الجغرافي يعكس مجرد طرح هذا الإحياء الجغرافي اليوم بهذه الجدية والزخم تحولا فلسفيا عميقا في الوعي الجمعي للمنطقة؛ إذ لم تعد الجغرافيا العربية عبئا سياسيا ثقيلا أو مسرحا مجانيا للتدخلات ومطامع الآخرين، بل تحولت إلى أصل استراتيجي ثمين وقوة جيوسياسية كاسحة تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية برمتها.
إننا إذ نقف اليوم على أعتاب هذه الملحمة اللوجستية وأمام الملامح الأولى لعودة المشرق، لا يُرى في هذا المشروع مجرد جسر نابض بين القارات وعابر للصحاري، بل يُلمح فيه لاعبا فاعلا وعنيدا يمسك بزمام المبادرة التاريخية، ويعيد كتابة فصول المستقبل بيديه بعد عقود طويلة من الغياب القسري والإقصاء الممنهج. ليغدو هذا الربط بمثابة قوة دافعة، تبرهن على أن هذا الشريان الحديدي يبعث في عروق المنطقة روحا جديدة من الكبرياء والسيادة، تتحول معها العواصم العربية من “مفعول به” في أجندات القوى العظمى ومشاريعها العابرة، إلى “فاعل محوري” يصوغ مصيره الاستراتيجي بملء إرادته، ويحدد بنفسه مسار التحولات الكبرى وصراعات النفوذ في القرن الحادي والعشرين. ليبقى السؤال المصيري مشرعا على كل الاحتمالات: إذا كانت سكة الحجاز تنفض عنها ركام العقود وتعود اليوم من تحت الأنقاض، فهل تملك عواصم المشرق الإرادة التاريخية والصلابة الجيوسياسية لحماية شريانها الأكبر، أم أن رياح الضغوط الخارجية ستعيد صياغة الجغرافيا وفق مآرب أخرى؟