story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

لجان تقصي الحقائق في التجربة البرلمانية المغربية

ص ص

تعتبر الوظيفة الرقابية للبرلمانات من أهم الآليات التي تضبط أداء السلطة التنفيذية، خاصة في ظل تنامي هيمنة الحكومة على الوظيفة التشريعية نتيجة لسياسات عقلنة العمل البرلماني. وتتنوع أدوات هذه الرقابة بين الأسئلة الشفوية والكتابية، والمهام الاستطلاعية، وصولا إلى لجان تقصي الحقائق التي تمثل الأداة الأكثر تأثيرا في كشف الاختلالات ومساءلة المسؤولين.

وقد أثارت محاولة المعارضة في مجلس النواب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم العمومي لمستوردي الأغنام نقاشا سياسيا مهما يحتاج إلى تأطير دستوري وقانوني.

في هذه المقالة نناقش هذه الآلية الرقابية بخلفية أكاديمية تستحضر السياق التاريخي لنشأة هذه الآلية وتطبيقاتها في التجارب المقارنة، مع النبش في ذاكرة البرلمان المغربي وكيف تعامل معها، قبل الوصول إلى مجموعة من الاستنتاجات.

النشأة التاريخية للجان تقصي الحقائق والتجربة المغربية

تعود جذور لجان تقصي الحقائق إلى بريطانيا، مهد التجربة البرلمانية الحديثة، في القرن السابع عشر، ثم انتقلت إلى فرنسا في مطلع القرن الثامن عشر. وقد باتت هذه الآلية اليوم من أهم آليات الرقابة في معظم البرلمانات العالمية، نظرا لما تتيحه من إمكانية الوقوف على وقائع محددة تتصل بمجالات متعددة، سياسية، اقتصادية، واجتماعية.

أما في المغرب، فقد شهد أول برلمان سنة 1963 محاولة لإدراج لجان تقصي الحقائق في النظام الداخلي تحت مسمى “اللجان الخاصة”، إلا أن الغرفة الدستورية آنذاك اعتبرت ذلك غير دستوري لعدم النص عليه في الدستور. وتوالت المحاولات في البرلمانات اللاحقة بتسميات مختلفة: لجنة البحث والمراقبة، لجنة مؤقتة للبحث وتجميع المعلومات، لكنها قوبلت بالرفض نظرا لغياب الأساس الدستوري لها.

ورغم هذا الفراغ الدستوري، فقد لجأ البرلمان المغربي فعليا إلى هذه الآلية قبل دسترتها، حيث تشكلت سنة 1979 لجنة تقصي حول الإشاعات المتعلقة بسير امتحانات الباكالوريا لدورة ماي 1979، إذ تقدم بالملتمس فريقين أحدهما من المعارضة (الفريق الاشتراكي) والآخر من الأغلبية (الفريق الاستقلالي) آنذاك.

وفي سنة 1990، أعقب ذلك تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث إضراب فاس وما رافقه من اضطرابات، بعد مشاورات برلمانية موسعة، وموافقة ملكية عبر رسالة من الملك الحسن الثاني.

فرغم الفراغ الدستوري نجح مجلس النواب في تشكيل لجنتين للبحث والتقصي.

من الإقرار الدستوري إلى التفعيل المؤسسي..

مع التعديلات الدستورية لسنة 1992، تم إقرار اللجان النيابية لتقصي الحقائق دستوريا، ثم صدر القانون التنظيمي المنظم لها سنة 1995، وشهدت السنة ذاتها تشكيل أول لجنة حول موضوع المخدرات بطلب من الأغلبية والمعارضة، تلتها لجان أخرى: حول القرض العقاري والسياحي (2000)، وأحداث سيدي إيفني (2008)، وأحداث اكديم إيزيك (2010)، بمبادرات متنوعة من الأغلبية والمعارضة.

أما في مجلس المستشارين، فبعد التعديلات الدستورية ل 1996 وتكريس الثنائية البرلمانية، فقد أحدث لجنتين لتقصي الحقائق: الأولى حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سنة2000 بطلب من فرق الأغلبية وساندته المعارضة، والثانية حول مكتب التسويق والتصدير سنة 2010 تقدمت به كل من فرق الأغلبية والمعارضة.

ومع اعتماد دستور 2011 تم خفض نصاب تشكيل اللجان من أغلبية أعضاء مجلس النواب إلى الثلث، لتسهيل المبادرة بها وتعزيز الوظيفة الرقابية، كما تم أيضا توسيع مجال اختصاصها ليشمل، علاوة على جمع المعلومات، متابعة تدبير المؤسسات والمقاولات العمومية.

لكن المفارقة أن تفعيل هذه اللجان في مجلس النواب بعد 2011 ظل ضعيفا، إذ فشلت المحاولة الفريدة لتشكيل لجنة التقصي حول فيضانات الأقاليم الجنوبية سنة 2015، وعجزت عن تقديم تقريرها بعدما استقال رئيسها آنذاك(عبد اللطيف وهبي).

في المقابل، كان مجلس المستشارين أكثر تفعيلا لهذه الآلية، حيث شكل أربع لجان بين 2016 و2017،

ويتعلق الأمر بلجنة تقصي الحقائق حول الصندوق المغربي للتقاعد سنة 2016، ولجنة تقصي الحقائق حول المكتب الوطني المغربي للسياحة سنة 2017، ثم لجنة تقصي الحقائق حول ترخيص الحكومة باستيراد النفايات سنة 2017، ثم لجنة تقصي الحقائق حول مآل الاتفاقية الاجتماعية لفبراير 1998 المعروفة إعلاميا بلجنة التقصي حول أحداث جرادة، والتي لم تتمكن من استكمال أشغالها من تقديم تقريرها في الأجل المحدد فتم حلها.

وتجدر الإشارة أن النصاب المطلوب لتشكيل لجان التقصي بمجلس المستشارين هو توقيع 40 عضوا من أعضاء المجلس ( ثلث الأعضاء).

وهي مناسبة لتسليط الضوء على مسطرة تشكيل لجان التقصي رفعا للكثير من الالتباس والغموض الذي أحاط بهذه القضية..

مسطرة التكوين وآليات الاشتغال..

تبدأ مسطرة تشكيل لجان تقصي الحقائق بجمع التوقيعات من أصحاب المبادرة بغرض الوصول إلى النصاب الدستوري وهو ثلث أعضاء مجلس النواب، ليتم بعد ذلك إيداع الطلب لدى رئاسة المجلس، التي تقوم بإشعار رئيس الحكومة خلال 3 أيام. ويمنح رئيس الحكومة 15 يوما للرد حول ما إذا كانت الوقائع موضوع متابعات قضائية. وإذا لم يجب رئيس الحكومة خلال 15 يوما فإن المجلس يقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة لتشكيل اللجنة، ويتم تأليف اللجنة من ممثل عن كل فريق ومجموعة نيابية، وتوزع باقي مقاعد اللجنة استنادا لقاعدة التمثيل النسبي.

وبعد التشكيل، تعمل اللجنة لمدة 6 أشهر على الأكثر، وتودع تقريرها لدى مكتب المجلس داخل هذا الأجل، وتخصص جلسة عامة لمناقشة التقرير داخل أجل لا يتعدى أسبوعين من إيداعه لدى مكتب المجلس، ويمكن لمكتب المجلس أن يقرر نشر التقرير برمته أو جزء منه في الجريدة الرسمية للبرلمان، كما يمكنه إحالة التقرير على القضاء من طرف رئيس المجلس.

ومن المهم في هذا السياق، التمييز بين لجان التقصي والمهام الاستطلاعية، بحيث تتمتع لجان تقصي الحقائق بصلاحيات أوسع من المهام الاستطلاعية، وهناك فروق جوهرية بينهما سواء من حيث طريقة الاشتغال أو من حيث طبيعة المخرجات، فمثلا لجان تقصي الحقائق يمكنها الاستماع إلى كل شخص تبين لها فائدة للاستماع إليه، ويقدم شهادته بعد أدائه لليمين، وإذا رفض المثول أمام اللجنة يمكن إحضاره بالقوة العمومية، كما أن هناك عقوبة حبسية وغرامات يمكن أن يعاقب بها من لم يحضر أمام اللجنة أو رفض أداء اليمين دون عذر مقبول، أو امتنع عن مد اللجنة بالوثائق المطلوبة، بينما تراهن المهام الاستطلاعية على تفهم المسؤولين وليست لها أي وسيلة قانونية لإلزامهم بالتعاون معها.

ومن المستجدات التي أتى بها دستور 2011 بخصوص لجان التقصي ماورد في الفصل 67 حيث تقوم اللجنة بإيداع تقريرها لدى مكتب المجلس المعني، وعند الاقتضاء، بإحالته على القضاء من قبل رئيس هذا المجلس.

وتثير العلاقة مع القضاء نقاشا مهما على ضوء الفصل 67 من الدستور الذي ينص على أنه: “لا يجوز تكوين لجان تقصي الحقائق في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية، ما دامت هذه المتابعات جارية، وتنتهي مهمة كل لجنة لتقصي الحقائق، سبق تكوينها، فور فتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها”

هذا مع العلم أن المقصود بالمتابعة القضائية هو تحريك الدعوى العمومية في حق المتهمين استنادا على الوسائل التي حددتها المادة 384 من قانون المسطرة الجنائية، وأن البحث التمهيدي لا يعتبر في حد ذاته متابعة لأن النيابة العامة خولها القانون بعد نهاية البحث التمهيدي اتخاذ القرار المناسب بشأن الوقائع المعروضة أمامها سواء بالحفظ أو المتابعة.

استنتاجات على ضوء ما سبق:

انطلاقا من التحليل أعلاه، يمكن أن نستنتج أربع ملاحظات أساسية:

أولا؛ أسبقية الممارسة البرلمانية على النص الدستوري، إذ لجأ البرلمان إلى هذه الآلية قبل إقرارها رسميا سنة 1992، متحدياً بذلك مواقف الغرفة الدستورية، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الذي كان يبديه البرلمان المغربي بهذه الآلية الرقابية، وحجم التفاعل الذي كانت تبديه باقي المؤسسات بما فيها المؤسسة الملكية (التفاعل الإيجابي للملك الحسن الثاني مع رغبة مجلس النواب تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول اضطرابات 1990).

ثانيا؛ رغم ارتفاع النصاب المطلوب قبل 2011، فقد شهد التاريخ البرلماني تشكيل 8 لجان على الأقل، وهو ما يعكس وجود إرادة سياسية لدى الأحزاب السياسية آنذاك (أغلبية ومعارضة) من أجل تجاوز العوائق الإجرائية، الشيء الذي لا نلمسه حاليا مع إصرار فرق الأغلبية الحكومية على معارضة مبادرة تشكيل لجان تقصي الحقائق.

ثالثا؛ غالبية المبادرات لتشكيل لجان تقصي الحقائق، سواء قبل الإقرار الدستوري بها أو بعده، كانت تتم بالتوافق بين المعارضة والأغلبية، وهو ما يبرز حجم الإحساس بأهمية هذه الآلية في مراحل سياسية معينة من التاريخ المغربي، ويعكس حجم المسؤولية السياسية التي كان يستشعرها نواب الأمة في تلك المراحل.

رابعا؛ لقد ظل اللجوء إلى هذه الآلية محدودا جدا بالمقارنة مع برلمانات عدد من الدول الأخرى. ومن المفارقة أن التقدم الملحوظ على دستور 2011 لم ينعكس إيجابا على الممارسة، وهو ما يعني أنه هناك تراجعا في ثقافة المساءلة لدى الفاعل الحزبي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية الإرادة السياسية في تفعيل الرقابة، خصوصا بالنسبة لأحزاب الحكومة.

في المحصلة، تبقى لجان تقصي الحقائق أداة رقابية فعالة، لكن نجاحها مرهون بإرادة سياسية حقيقية، واستقلالية في الاشتغال، واحترام للرأي العام الذي يحتاج لمثل هذه المبادرات لاسترجاع جزء من الثقة المطلوبة في المؤسسات.