خبير: اختلالات السياسات العمومية وراء استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي
مع اقتراب عيد الأضحى، يطرح استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي رغم برامج الدعم الحكومية والأرقام الرسمية التي تفيد بوفرة القطيع، نقاشاً متواصلاً حول الأسباب وراء هذا الغلاء، وحدود تأثير التدخلات العمومية في ضبط السوق.
وفي هذا الصدد، يرى الخبير الاقتصادي عمر الكتاني أن تفسير استمرار ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بعوامل العرض والطلب أو الكلفة المباشرة للإنتاج، بل يتجاوز ذلك إلى ما اعتبره “عاملاً نفسياً” يتشكل لدى المواطنين والفاعلين الاقتصاديين على حد سواء نتيجة اختلالات متراكمة في السياسات العمومية.
وأوضح الكتاني أن “انعدام الثقة والخوف من استمرار الغلاء والركود الاقتصادي، والخوف من استمرار البطالة” أصبح ظاهرة تتكرّس في الواقع، نتيجة سياسات حكومية “إما تتباطأ أو لا تركز على الأولويات، خصوصاً في القطاع الاجتماعي”، وهو ما يخلق، بحسبه، “عاملاً نفسياً قبل أن يكون اقتصادياً أو اجتماعياً”.
وأضاف الكتاني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن هذا العامل النفسي يجعل المواطنين يعيشون حالة من عدم الثقة، سواء في الخطاب الرسمي أو في المعطيات اليومية، رغم ما قد تعلنه الحكومة من إجراءات وتدابير تعتبر إيجابية في ظاهرها.
ويرى المتحدث أن تراكم الاختلالات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية على مدى سنوات يساهم في تغذية هذا الشعور العام، وهو ما ينعكس مباشرة على سلوك الأفراد داخل السوق، بما في ذلك قرارات الاستهلاك والشراء.
وفي هذا الإطار، يشير الكتاني إلى أن حتى التاجر يصبح متأثراً بهذا المناخ النفسي، ما ينعكس على الأسعار التي يحددها، حتى في الحالات التي قد تكون فيها كلفة الإنتاج أو مستويات الدعم قد تغيرت، مضيفاً أن ذلك يساهم في تشكيل “دائرة من التوقعات السلبية” تؤثر على دينامية السوق.
واستحضر الخبير الاقتصادي معطيات تفيد بأن “نحو 75% من الناس لا يعتمدون على الادخار، بل على القروض الاستهلاكية”، بحسب المندوبية السامية للتخطيط، معتبراً أن هذا السلوك يعكس مؤشراً على ضغط اقتصادي يدفع الأسر إلى الاستهلاك تحت التوقع الدائم باستمرار الأزمة وارتفاع الأسعار.
وبخصوص فعالية الدعم العمومي، أشار الكتاني إلى أن تجربة دعم استيراد اللحوم في المغرب أظهرت أن هذا النوع من التدخلات “لم ينعكس بشكل واضح على أسعار البيع في السوق”، لافتاً إلى أن “المستفيد من هذا الدعم كان هم المستوردون وليس المستهلكين”، وفق تعبيره.
ويخلص المتحدث إلى أن هذه الاختلالات الاقتصادية والسياسية تنعكس بدورها على الحالة النفسية والاجتماعية للمواطنين، ما يطرح سؤالاً حول مدى كفاية التدابير الحكومية لإحداث تغيير ملموس في سلوك السوق وتحسين القدرة الشرائية.
وفي السياق نفسه، يلفت الكتاني إلى أن مؤشرات الاقتصاد الكلي، مثل التضخم، قد لا تعكس دائماً الإحساس الفعلي لدى المواطن، إذ قد يكون “الإحساس بالغلاء” أعلى بكثير من الأرقام الرسمية.
أما بخصوص عيد الأضحى، فيشير إلى أن بعض المواطنين يعلّقون آمالاً على فترة ما قبل العيد، باعتبارها مرحلة قد تعرف تزايداً في العرض وانخفاضاً في الأسعار، غير أن هذا الاحتمال يظل غير مضمون في ظل تداخل عوامل السوق.
وفي ما يتعلق بتصريحات رئيس الحكومة حول ضرورة توزيع عرض الأغنام على مدار السنة بدل تركيزه في فترة العيد، أوضح الكتاني أن هذا الطرح “منطقي من الناحية الاقتصادية”، لكنه قد لا يكون قابلاً للتطبيق بشكل سلس لدى جميع الفاعلين، خاصة صغار المربين، الذين لا يتوفرون دائماً على أدوات التخطيط الاقتصادي الطويل الأمد، حسب تعبيره.
وأضاف أن بعض سلوكيات الكسابة ترتبط بالظروف المباشرة للسوق، أكثر من ارتباطها بحسابات استراتيجية بعيدة المدى، وهو ما يعكس، بحسبه، محدودية التكوين الاقتصادي في بعض حلقات الإنتاج.
وأشار إلى أن غياب تواصل حكومي إعلامي فعّال وواضح مع الفئات الشعبية يفتح المجال أمام تأويلات مختلفة، ويضعف منسوب الثقة، في وقت تصبح فيه وسائل التواصل الاجتماعي أكثر تأثيراً من الخطاب الرسمي، رغم أنها لا تكون دائماً دقيقة أو علمية.
وبين الدعم الحكومي، وتوقعات السوق، والعامل النفسي، والتواصل العمومي، يظهر أن استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي لا يرتبط بعامل واحد، بل بمنظومة معقدة تتداخل فيها السياسات العمومية مع سلوك الفاعلين الاقتصاديين وإدراك المواطنين للواقع الاقتصادي.