story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

ترامب يسلم ألمانيا لبوتين

ص ص

أكثر المستشار الألماني فريدريش ميرتز مؤخرا من الخرجات الإعلامية المتهورة في نظري، والمتعلقة بانتقاد الولايات المتحدة على المستوى السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي، في علاقة كل ذلك بالحرب الأمريكية الإيرانية، وصلت تلك الانتقادات إلى حد القول بأن إيران تذل أمريكا .

بالطبع، أمريكا التي تعتبر الدرع الواقي لألمانيا من التهديد الروسي، لم تستسغ تلك الانتقادات واعتبرتها، من وجهة نظر ترامب وفريق عمله، تطاولا وجحودا في حق ما تقوم به واشنطن تجاه دولة ممنوعة بقرارات دولية من التسلح على إثر هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.

وتدرك أمريكا أن نقطة ضعف ألمانيا هي عدم استعدادها للدفاع عن نفسها ضد أي تهديد عسكري جدي، سواء جاء من غربها أو على الخصوص من شرقها، كما تدرك ألمانيا أنها لن تصمد في أية مواجهة مع بولونيا التي ما تزال تطالب بتعويضات عن خسائرها في حرب 39-45 فما بالك بروسيا.

ويمكن اعتبار أي حرب ضد روسيا بمثابة ضمان لانهيار الاقتصاد الألماني، بل وإعداما للاتحاد الاقتصادي الأوروبي بكامله، والذي يرتكز على ألمانيا أكثر من أي عضو آخر .

بالإضافة لكل ذلك، لا زالت ألمانيا مهددة بأداء مبالغ مالية فلكية كتعويضات عن الحرب العالمية الثانية، ليس فقط لبولندا بل لدول عديدة أخرى .

باختصار يمكن القول إن حياة وموت ألمانيا بيد واشنطن وليس بيد أحد غيرها، بمن فيهم الألمان .

لذلك اعتبرت الإدارة الأمريكية، التي أعادت بناء ألمانيا المدمرة كليا بعد الحرب، سلوكات وتصريحات المستشار ميرتز وقاحة وغباء ونكرانا للجميل، وأن أسوأ عقاب يمكن أن تنزله بألمانيا حاليا هو أن تتركها لمصيرها وتضعها بين مخالب “المتربصين بها “.

اتخذت الولايات المتحدة إجراءات أولية، وأدلت بتصريحات عالية الرمزية والخطورة بالنسبة لبرلين، حيث صرح ترامب أمس جوابا على تصريحات ميرتز قائلا: “على ألمانيا أن تهتم أكثر بحل النزاع في أوكرانيا عوض إيران”. وهذا تصريح يرمي لإثارة انتباه ميرتز إلى التهديد الروسي. إشارة يهدف منها ترامب إلى القول بأن النزاع في أوكرانيا هو تهديد لألمانيا، وأن على برلين أن تأخذ العبرة مما يقع لكييڤ، وأن الحرب ليست بعيدة عن أبوابها، وإذا ما حدثت تلك الحرب فإن ألمانيا ستجد نفسها وحيدة وسط محيط معاد لها بشدة شرقاً .

الخطوة العقابية الثانية المنسجمة مع تصريح ترامب، والتي اتخذتها واشنطن لتأكيد غضبها وتخليها عن برلين هي سحب أكثر من 5000 جندي أميركي من ألمانيا، وهذا العدد يبين مدى الثقل الذي كانت تنزل به أمريكا للحفاظ على استقلال وأمن ألمانيا.

هذه إشارة خطيرة أيضا مفادها أن أمريكا لن تقاتل مستقبلا من أجل برلين، وأن على ألمانيا أن تتحمل مسؤولية الدفاع عن سيادتها واستقلالها. والخبر السيء الآخر في كل هذا هو أن ألمانيا تحتاج، للدفاع عن نفسها، إلى إعادة هيكلة اقتصادها بما يرفع بشكل كبير جدا من ميزانية الدفاع، وبالتالي التخفيض الاضطراري من ميزانيات الاستثمار وإعادة توجيه الصناعة والاقتطاع من ميزانية الدولة في القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم، مما تصبح معه ألمانيا معرضة لمعضلتين: أولاهما فقدان ريادتها الاقتصادية في أوروبا والرجوع إلى الصفوف الخلفية وراء دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وثانيتهما هروب اليد العاملة الأجنبية التي كانت تتوافد على أراضيها من أجل الامتيازات الاجتماعية ومستوى الدخل والعيش، في وقت تعاني منه البلاد من أزمة ديموغرافية خانقة على غرار دول أوروبية أخرى.

ستكون لتصريحات ميرتز، في جميع الأحوال، تداعيات هائلة على ألمانيا، أقلها سقوط هذه الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة تأتي بحكومة جديدة حليفة للولايات المتحدة وتعيد التفاوض مع واشنطن على استمرار التواجد العسكري الأمريكي على أراضيها، وفق شروط سياسية محددة تعيد رسم حدود الاستقلال الاستراتيجي لألمانيا.

وإذا لم يحدث ذلك، ستسير واشنطن في اتجاه التخلي الفعلي عن دعم برلين، وبالتالي ستجد هذه الأخيرة نفسها مضطرة لفتح قنوات الحوار مع موسكو وفق شروط بوتين السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، حتى لا تضطر لدفع التعويضات المالية والأراضي التي تطالب بها وارسو .

ومن دروس التاريخ، التذكير بأن ألمانيا عاشت مثل هذا الأمر في السابق، حين عارض الرأي العام الألماني مشاركة بلاده في الحرب على العراق، وخرجت المظاهرات إلى الشارع من أجل ذلك، وانطلقت القنوات التلفزيونية تحذر من المشاركة في تلك الحرب، فخرج وزير الخارجية الألماني آنذاك، فيشر المنتمي لحزب الخضر، بتعليق صادم قال فيه إنه شخصيا ضد المشاركة الألمانية، وأنه إذا كان الشعب الألماني على استعداد للتخلي عن الرفاهية الاقتصادية ومستوى المعيشة والاستقرار السياسي في ألمانيا، فليس لديه أي مانع كوزير للخارجيّة لحجب دعم برلين للحرب الأمريكية على العراق، فأدرك الألمان خطورة الوضع وعادوا إلى منازلهم وعملهم وأصيبت الصحافة الألمانية بالخرس والعمى.

لذلك، أتوقع أن تحدث قريبا جدا أزمة سياسية في ألمانيا تنتهي بسقوط ميرتز واختفائه، وصعود تركيبة حكوميّة جديدة، كحل للأزمة يحفظ للولايات المتحدة هيبتها ولألمانيا استقرارها.