story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

بين التسامح و”غير المألوف”.. لماذا أثارت طقوس “الحريديم” في باب دكالة غضب المغاربة؟

ص ص

شهدت مدينة مراكش، وتحديداً منطقة “باب دكالة” التاريخية، جدلاً واسعاً وحالة من الاستياء الشعبي عقب ظهور مجموعة من اليهود المتشددين (الحريديم) وهم يؤدون طقوساً دينية جماعية أمام أسوار المدينة.

هذا الحدث لم يمر كفعل عابر، بل فجر غضباً شعبياً ونقاشاً عميقاً حول الفرق بين التعايش الثقافي التاريخي وبين ما وُصف بـ “الاستفزاز” لمشاعر المغاربة.

وفي هذا الصدد، تطاهر مئات المواطنين في وقفة احتجاجية حاشدة، يوم الأربعاء 23 أبريل 2026، أمام أسوار “باب دكالة” احتجاجاً على الممارسات التي شهدها المكان في الليلة السابقة.

وهتف المحتجون بشعارات تندد بما وصفوه بـ”تهويد الفضاء العام” ومحاولة استنساخ “طقوس غريبة” عن الهوية المغربية في قلب المدينة العتيقة.

سياق الحضور اليهودي

تربط حفيظة فرشاشي، رئيسة الجمعية المغربية “مكارم القيم والأخلاق”، بين السياق التاريخي لليهود المغاربة، وطبيعة حضورهم الاجتماعي والديني، وبين التحولات التي تعرفها علاقة الذاكرة بالفضاء العام اليوم والرمزية الجيوسياسية.

وترى فرشاشي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الوجود اليهودي في المغرب معطى تاريخي، مشيرة إلى حضوره في مدن مثل مراكش وفاس والصويرة، لكنها توضح أن هذا الوجود كان يتم “بنمط اجتماعي مختلف عن اليوم”، إذ كان داخل أحياء خاصة تُعرف بـ“الملاح”، ومؤسسات دينية محددة مثل الكنس والمقابر.

ولم يكن لليهود حضور ديني مكثف في الفضاء العام اليومي، بحسب تعبيرها، بمعنى أن حضورهم كان داخلياً في بنية المجتمع “ولم يكن لهم ظهور علني في الشارع”.

وتضيف أن ما يُرى اليوم هو “إعادة لتواجدهم تحت مسمى إحياء الذاكرة أو زيارات دياسبورا”، أي عودة أفراد أو عائلات إلى أماكن أصولهم، وزيارة القبور والأحياء القديمة أو الرموز العائلية، مع أداء طقوس قصيرة عند الحاجة مثل الصلاة أو الدعاء.

كما تشير إلى أن هذا التواجد يتعزز، بحسبها، بخطاب رسمي “يدعو إلى التعايش ويتبنى التطبيع تحت مسمى سياسة اعتراف ثقافي/تراثي باليهودية المغربية”، من خلال ترميم مواقع، وإحداث متاحف، وحماية التراث، “ومعه ظهور وإبراز إعلامي أكبر”، معتبرة أن “المسألة في حقيقتها ليست حضوراً ثقافياً طبيعياً بل إبراز مقصود ومكثف”.

طقوس خارج المألوف

وبخصوص واقعة باب دكالة، تقول فرشاشي إن ما حدث هو “تحويل الفضاء العام إلى مجال ممارسة دينية مفتوحة وغير مألوفة”، ما يخلق “حالة من اللا-اعتياد الاجتماعي”، لأن “المجتمع غير متعود على رؤية هذه الطقوس في الفضاء العام”، مضيفة أن “أي مشهد يهودي علني لا يمكن أن يُقرأ في سياقه المحلي ودون تأويله باستحضار الرمزية الجيوسياسية”.

وتؤكد أن “الفضاء العام (الشارع، الساحات، المعالم…) ليس محايداً دينياً في أي مجتمع”، بل يحمل “ذاكرة دينية وثقافية مهيمنة”، مشيرة إلى أن الغالب تاريخياً في المغرب هو “حضور إسلامي علني كثيف”، بينما حضور الديانات الأخرى يكون غالباً “منظماً داخل مؤسسات خاصة”.

وتتابع: “أي طقس ديني غير مألوف وغير مسبوق في الشارع يُنتج صدمة لاختلال التوقعات الرمزية للفضاء”، معتبرة أن “صلاة جماعية قرب جدار في مراكش (باب دكالة) يتحول إلى رمز يحيل مباشرة على صورة حائط المبكى والسردية الصهيونية بكل تفاصيلها”.

ولا تتعامل المجتمعات، بحسب فرشاشي، مع الأحداث كصفحة فارغة، بل عبر “ذاكرة تاريخية دينية وتصورات عن المألوف وغير المألوف تعززها سرديات سياسية إقليمية”، معتبرة أن ما وقع “ليس فقط استفزازاً بل ناقوس خطر”.

حدث صادم

من جانبه، اعتبر الحسن بن علي الكتاني، رئيس رابطة علماء المغرب العربي، أن ما حدث كان “صادماً بالنسبة للمغاربة”، بالنظر إلى أنهم “لم يتعودوا على رؤية جمع كبير من اليهود يتوجهون إلى حائط ويؤدون فيه طقوس الذكر والصلاة بطريقتهم المعروفة”، وهي الصورة التي قال إنها لم تكن تُشاهد سابقاً إلا عند حائط البراق في المسجد الأقصى، والذي يُعرف لديهم بحائط المبكى.

وأضاف الكتاني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن هذه المشاهد “استنكرها الناس”، خاصة مع ظهور أفراد “يرتدون اللباس اليهودي الأوروبي”، معتبراً أنهم “ليسوا يهوداً مغاربة، وليسوا داخل بيئة يهودية مغربية”، موضحاً أنه “لو كانوا داخل كنيس يهودي وكانوا مغاربة، لكان الأمر عادياً وطبيعياً، باعتبار أن لكل دين شعائره”.

وتابع أن حضور “أعداد متكاثرة” بهذا اللباس المعروف لدى الحريديم والحسيديم، وأداؤهم طقوساً دينية في “شارع عام عند حائط معين”، وليس داخل فضاء مخصص، هو أمر “ليس طبيعياً”، مضيفاً أنه “لا يمكن القول إنه ليس وراءه خلفية”.

وأشار الكتاني إلى أنه سبق أن شاهد مشهداً مشابهاً في مدينة الدار البيضاء قبل حوالي ثلاث سنوات، قرب حي الأحباس، حيث لاحظ تجمعاً ليهود يؤدون طقوساً مماثلة قرب حائط، مضيفاً أنه ظن في البداية أنهم من اليهود المغاربة، قبل أن يتبين له غير ذلك.

مخاوف من عودة المستعمرين

كما تحدث عن ما وصفه بعودة بعض اليهود إلى المغرب، قائلاً إن هناك من “بدأ يقرر الرجوع”، مشيراً إلى أن الأمر لا يقتصر، بحسب تعبيره، على الذين هم من أصول مغربية فقط، بل يشمل أيضاً آخرين يأتون للسياحة، مضيفاً أنه لاحظ وجودهم كذلك في مدن مثل الرباط.

وأعرب عن قلقه مما يتم تداوله حول “الرجوع إلى الملاح” أو الحديث عن استرجاع بيوت، معتبراً أن من غادروا المغرب “لم يُطردوا، بل غادروا بإرادتهم”، في إشارته إلى اليهود المغاربة الذين غادروا إلى فلسطين لاستعمارها.

لا إشكال في التدين

وفي سياق متصل، شدد الكتاني على أن الاعتراض “ليس على ممارسة الشعائر الدينية داخل أماكنها الخاصة”، مؤكداً أنه “لا إشكال في أن يتدين أي شخص بدينه ما دام لا يؤذي الآخرين”، لكنه اعتبر أن الإشكال، من وجهة نظره، يتعلق بسياقات أخرى تحيط بهذه الممارسات.

كما ربط المتحدث هذه الأحداث بسياقات تاريخية وسياسية أوسع، مستحضراً ما جرى في فلسطين، ومشيراً إلى أن بعض الممارسات، في نظره، قد تُفهم ضمن “تدرج تاريخي” يبدأ بأشكال حضور معينة قبل أن يتطور.

وختم تصريحه بالتأكيد على رفض ما اعتبره “تكرار مثل هذه السيناريوهات”، معتبراً أن الأمر يطرح، في نظره، تساؤلات عميقة حول دلالات هذه المشاهد وسياقاتها.