story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
التعليم والجامعة |

باحثون يناقشون دور المشاركة المواطنة في ترشيد الصفقات العمومية وتفعيل دور الجامعة

ص ص

رصد باحثون وأكاديميون إشكالات المشاركة المواطنة في المغرب، من حدود تأثير المواطنين في القرارات العمومية ودور المشاركة في ترشيد المال العام، إلى التحديات المرتبطة بتحويل المواطنة داخل الجامعة من مفهوم نظري إلى ممارسة فعلية.

وناقشت هذه القضايا الجلسة الأولى من الندوة العلمية حول موضوع “المشاركة المواطنة بين النظرية والممارسة”، التي احتضنتها كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

وتناولت المداخلات في الندوة، التي تنظمها كلية علوم التربية ومركز تناظر للدراسات والأبحاث بشراكة مع مؤسسة هانس زايدل الألمانية، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، التخطيط التشاركي للحاجيات التربوية، والمرجعية الدستورية والقانونية للمشاركة، والتمثلات الثقافية لدى المواطنين، ودور الجامعة في تكوين الفاعل المواطن، إلى جانب مأسسة التطوع الطلابي والاعتراف بالكفاءات المكتسبة من خلاله.

إشراك المواطن

في هذا الصدد، ربط بدر قاسمي، الأستاذ بمركز التوجيه والتخطيط التربوي بالرباط، بين التخطيط التشاركي للحاجيات التربوية وترشيد الصفقات العمومية، معتبراً أن “إشراك المواطنين والمستفيدين في تحديد الحاجيات قبل إطلاق الصفقات يمكن أن يسهم في تحسين أثر المشاريع التربوية والحد من هدر المال العام”.

وأوضح، في مداخلته المعنونة بـ:“التخطيط التشاركي للحاجيات التربوية: دور آليات الديمقراطية التشاركية في ترشيد الصفقات العمومية”، أن دراسة الصفقات تركز غالباً على مساطر الإبرام والتنفيذ، بينما “تحظى مرحلة تحديد الحاجيات قبل الإعلان عن الصفقة، ومرحلة تقييم مدى تحقيقها للأهداف، باهتمام أقل”.

وقال إن التخطيط التشاركي هو “السيرورة العملية التي يتم من خلالها بناء القرار بالصفقة العمومية بداية من التخطيط وصولاً إلى التنفيذ، مروراً بتحديد الأولويات والأهداف والموارد اللازمة لتلك العملية أو البرنامج”.

وشدد المتدخل على ضرورة مراعاة الخصوصيات الجغرافية والمناخية والمجالية عند تحديد الحاجيات، مع إتاحة المجال أمام مختلف فئات المستفيدين للتعبير عن احتياجاتهم قبل اتخاذ القرار.

وفي هذا السياق، استحضر مبادرة “مليون محفظة” والزي الموحد، مشيراً إلى أن اعتماد مواصفات موحدة دون مراعاة الاختلاف بين المناطق الساحلية الدافئة والمناطق الجبلية والصحراوية “قد يحد من ملاءمة هذه المبادرات لاحتياجات المستفيدين”.

وسجل قاسمي أن من بين العوائق التي تحد من تفعيل المقاربة التشاركية “ضعف التمثيلية، وغلبة آراء النخب والأطر المتخصصة على حساب المواطن العادي”، فضلاً عن تأثير المصالح الفئوية للسياسيين والنافذين والأعيان في توجيه بعض القرارات.

وأشار إلى أن الصفقات العمومية “تمثل ما بين 15 و20 في المائة من الناتج الداخلي الخام”. كما استحضر تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بشأن إغلاق نحو 17 مؤسسة بعد وقت قصير من افتتاحها، مرجعاً ذلك لإشكالية تحديد الحاجيات قبل إطلاق المشاريع.

من المواطن إلى الفاعل

من جانبه، تناول عبد السلام أزغود، الطالب الباحث بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، الأسس الفلسفية للمواطنة وإمكانات مأسسة المشاركة داخل الجامعة.

واستعرض المتدخل تصورات فلسفية مختلفة للمواطنة، من المشاركة السياسية عند أرسطو، مع الإشارة إلى اقتصارها في سياقها التاريخي على فئات محددة، إلى تصور توماس مارشال للمواطنة بوصفها وضعاً قانونياً واجتماعياً “يقوم على الاعتراف بالفرد ومساواته في الحقوق والواجبات”. كما استحضر مفهوم “القدرة على الظهور” والمبادرة لدى حنا أرندت، والفعل التواصلي والحوار لدى يورغن هابرماس.

ووفق هذه المقاربة، لا يقتصر الفاعل المواطن على امتلاك الحقوق القانونية، بل تشمل مواطنته المبادرة وتحمل المسؤولية والتواصل مع المختلفين والتعاون معهم، والاستعداد لمراجعة مواقفه في ضوء النقاش.

وخصص أزغود جانباً من مداخلته لدور الجامعة في تنمية هذه القدرات، من خلال الأندية والجمعيات الطلابية والأنشطة الحوارية والتطوع المواطني. كما تناول مفهوم “التعلم عبر الخدمة المجتمعية”، الذي يربط المعارف الأكاديمية بالتطبيق الميداني والاستجابة لحاجيات المحيط الاجتماعي.

وتشمل الكفاءات التي يمكن أن يكتسبها الطلبة من هذه الممارسات التواصل والتفاوض والعمل الجماعي والتفكير النقدي والتعامل المسؤول مع المشكلات، بما يجعل الجامعة فضاءً لممارسة المواطنة، وليس فقط لتلقي المعارف المتعلقة بها.

السخرية والمشاركة

من جهتها، تناولت ابتسام الهاشمي، الباحثة بالمدرسة الأمريكية بمراكش، التمثلات الثقافية للمشاركة المواطنة، انطلاقاً من سؤال: “ما الذي يجعل المواطن يؤمن بأن مشاركته ممكنة، وذات معنى، وقادرة على إحداث الأثر؟”.

وركزت المداخلة على العلاقة بين الاعتراف القانوني بحق المشاركة وبين استعداد المواطنين لممارسته، مشيرة إلى أن “هذه العلاقة تتأثر بالتجارب الاجتماعية وبمدى شعور الأفراد بأن أصواتهم مسموعة وأن مقترحاتهم يمكن أن تؤثر في القرارات”.

وميزت الباحثة بين ثلاثة مستويات للمشاركة؛ مستوى قانوني يتعلق بالحقوق والآليات المتاحة، ومستوى مؤسساتي يرتبط بوضوح مسارات المشاركة وإمكانية تتبع المقترحات، ومستوى ثقافي ورمزي “يتصل بالصورة التي يحملها المواطن عن دوره، وما إذا كان يرى نفسه فاعلاً في المجال العام أم متلقياً سلبياً”.

واستندت المداخلة إلى مفهوم التمثلات الاجتماعية لدى عالم النفس الاجتماعي سيرج موسكوفيتشي، لتناول كيفية تشكل تصورات المواطنين عن المشاركة وتحولها مع تغير الأجيال والتعليم والتكنولوجيا.

وفي هذا الإطار، تطرقت الهاشمي إلى تفاعل الشباب مع الانتخابات التشريعية عبر النقد والسخرية الرقمية وإنتاج “الميم السياسي”، الذي يعيد تركيب الصور والوعود الانتخابية واللغة الرسمية للحملات في سياقات ساخرة.

ودعت إلى توسيع دراسة المشاركة لتشمل، إلى جانب المؤشرات الرسمية والمساطر المؤسساتية، “طرق حديث المواطنين عن الشأن العام، وتعبيراتهم عن الثقة، واستخدامهم الفكاهة والصورة والنقد في إعادة تفسير الخطاب السياسي”.

كما شددت على أهمية دراسة البيئة الجامعية والمساحات “التي تتيحها للنقاش وإدارة الاختلاف، ومدى قدرتها على تحويل مقترحات الطلبة إلى نقاش مؤسسي”.

مأسسة التطوع الطلابي

وفي مداخلتها، تناولت جميلة عباوي، الأستاذة الباحثة بكلية العلوم القانونية والاجتماعية بوجدة، مأسسة التطوع الطلابي بالجامعة المغربية والاعتراف بالكفاءات المواطنة المكتسبة من خلاله.

وطرحت الباحثة سؤال موقع التطوع داخل المشروع الجامعي؛ “هل يظل نشاطاً عابراً مرتبطاً بالمبادرات الفردية وحماسة الأندية الطلابية، أم يتحول إلى ممارسة مؤسساتية منظمة تخضع للمواكبة والتقييم وتحظى بالاعتراف؟”

وأكدت على أن المطلوب لا يقتصر على تشجيع الطلبة على التطوع، “بل يشمل جعل التجربة التطوعية قيمة تربوية ومعرفية ومجتمعية قابلة للاستمرار”. وحددت لذلك مساراً يقوم على “الانتقال من النشاط الهامشي إلى المشروع، ومن المشاركة البسيطة إلى بناء الكفاءات، ومن الأثر العابر إلى الاستدامة”.

وتطرقت عباوي إلى المرجعيات الدستورية والقانونية ذات الصلة، ومن بينها دستور 2011، والقانون الإطار رقم 51.17، والقانون رقم 59.21، والقانون رقم 06.18 المتعلق بالتطوع التعاقدي. وشددت على ضرورة “التمييز بين التطوع التعاقدي الحر والأنشطة التعليمية والتداريب الميدانية التي تدخل ضمن التكوين الأكاديمي، مع بناء جسور بين التجربتين دون الخلط بين نظاميهما القانونيين”.

وأبرزت أهمية التطوع المؤطر في تكوين الطلبة، خصوصاً في المسالك المرتبطة بمهن العمل الاجتماعي، “حيث لا يكفي التكوين النظري في علم الاجتماع وعلم النفس والقانون للتعامل مع الأشخاص في وضعيات هشاشة”، بل يتطلب الأمر كفاءات مهنية وإنسانية “تشمل فهم الحاجيات الاجتماعية، والإنصات والعمل الجماعي، واحترام الكرامة الإنسانية والخصوصية وعدم التمييز”.

كما تناولت مفهوم “الكفاءة الانعكاسية”، الذي يقوم لحسبهاًعلى قدرة الطالب على “مراجعة تجربته الميدانية وتحليلها نقدياً”، مشيرة إلى أن العمل الاجتماعي “لا يقوم على حسن النية أو التعاطف وحدهما، بل يتطلب معرفة مهنية وتشخيصاً دقيقاً للوضعيات الاجتماعية”.

وفي ما يتعلق بالاعتراف بالكفاءات المكتسبة، اعتبرت أن شهادات الحضور والتنويه “لا تعكس بالضرورة طبيعة الأدوار الفعلية التي يؤديها الطلبة”. واقترحت، في المقابل، إحداث محفظة جامعية للكفاءات المواطنة وشهادات للكفاءات المكتسبة، إلى جانب “إرساء حكامة جامعية مخصصة للتطوع، وبناء شراكات ترابية تستجيب للحاجيات الاجتماعية، واعتماد ميثاق أخلاقي يضمن العدالة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الأنشطة التطوعية”.

واختتمت مداخلتها بطرح سؤال حول الجامعة التي يراد بناؤها في المغرب، وما إذا كان دورها ينتهي عند حدود القاعة الدراسية أم يمتد إلى المجتمع وقراءة تحولاته والاستماع إلى حاجياته والمساهمة في مواجهة تحدياته.

وترى عباوي أن “الجامعة لا تحقق رسالتها كاملة حين تكتفي بتعليم الطالب كيف ينجح في حياته، بل حين تساعده أيضاً على اكتشاف كيف يمكن لنجاحه أن يكون نافعاً ومفيداً للآخرين”.

المرجعية الدستورية

من جانبه، تناول سي محمد الحيان، الأستاذ الباحث بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، المرجعية الملكية والدستورية للمقاربة التشاركية في المغرب، متوقفاً عند حضورها في الخطابات الملكية، بدءاً من مفهوم السلطة، وصولاً إلى خطاب 9 مارس 2011 الذي سبق إقرار الدستور الجديد.

واستعرض الحيان عدداً من المقتضيات الدستورية المؤطرة للمشاركة المواطنة، من بينها الفصل 12 المتعلق بدور جمعيات المجتمع المدني، والفصل 14 بشأن الملتمسات في مجال التشريع، والفصل 15 المتعلق بالعرائض المقدمة إلى السلطات العمومية، والفصل 27 الخاص بالحق في الحصول على المعلومات، والفصل 139 المتعلق بآليات الحوار والتشاور على المستوى الترابي.

كما تناول الإطار القانوني المنظم لهذه الآليات، بما يشمل القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتقديم العرائض إلى السلطات العمومية، والقانون التنظيمي رقم 64.14 المتعلق بتقديم الملتمسات في مجال التشريع، إلى جانب القوانين التنظيمية المتعلقة بالجهات والعمالات والأقاليم والجماعات.

وتطرق المتدخل إلى آليات المشاركة الحديثة، من قبيل الميزانية المواطنة والاستشارات العمومية والرقمنة والتشاور الترابي، باعتبارها “وسائل لتوسيع مشاركة المواطنين في النقاش حول القضايا العمومية”.