“النينيو” يربك حركة الملاحة في بنما.. ما هي تداعيات الأزمة على المغرب؟
أعلنت الحكومة البنمية حالة الطوارئ الوطنية على خلفية التداعيات المتزايدة لظاهرة “النينيو”، التي أدت إلى اضطرابات مناخية ومائية في البلاد، وسط مخاوف من استمرار الجفاف وتأثيراته على الزراعة والموارد المائية وحركة الملاحة في قناة بنما.
وجاء القرار، الذي اتخذه مجلس الوزراء البنمي، في وقت تواجه فيه القناة الاستراتيجية ضغوطاً متزايدة بسبب انخفاض التساقطات وتراجع تدفقات المياه إلى حوضها، ما دفع هيئة قناة بنما إلى اتخاذ إجراءات للحد من عدد السفن العابرة يومياً.
وأعلنت هيئة قناة بنما أن عدد السفن المسموح لها بالعبور سينخفض من 36 سفينة يومياً إلى 34 ابتداءً من 4 شتنبر، على أن يتراجع العدد إلى 32 سفينة ابتداءً من 15 شتنبر. ويأتي ذلك بعدما سجلت التساقطات في حوض القناة، خلال الفترة الممتدة بين ماي وغشت 2026، انخفاضاً بنسبة 34 في المائة عن المعدل التاريخي، فيما تراجعت تدفقات المياه إلى الحوض بنسبة 44 في المائة.
وتكتسي هذه التطورات أهمية تتجاوز حدود بنما، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه القناة في حركة التجارة العالمية، إذ تربط بين المحيطين الأطلسي والهادي، وتتعامل مع نحو 5 في المائة من التجارة العالمية، وفق هيئة قناة بنما.
وفي ظل هذه التطورات، يطرح السؤال حول تداعيات النينيو على المغرب، خصوصاً في ظل اضطرابات أخرى تعرفها ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق هرمز، وما يمكن أن تسببه هذه الأوضاع من ضغوط إضافية على تكاليف النقل وسلاسل الإمداد العالمية.
التداعيات على المغرب
وفي هذا الصدد، يرى الخبير والمحلل الاقتصادي رشيد الساري أن تداعيات أزمة قناة بنما ستصل إلى المغرب، وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة، بالنظر إلى ارتباط الاقتصاد المغربي بحركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقال الساري، في حدبث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن “تداعيات أزمة قناة بنما سوف تصل بشكل غير مباشر إلى المغرب؛ لأنها أولاً تضغط على سلاسل الإمداد العالمية بالتزامن مع أزمات أخرى في البحر الأحمر ومضيق هرمز. هذا يعني أن هناك ارتفاعاً في تكاليف النقل البحري وزيادة أسعار السلع المستوردة خاصة الحبوب والطاقة والمنتجات الصناعية”.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن أهمية قناة بنما تكمن أساساً في موقعها ودورها في الربط بين المحيطين الأطلسي والهادي، مشيراً إلى أنها تمرر جزءاً مهماً من التجارة البحرية العالمية.
وأشار إلى أنه “تمر بها أكثر من 5% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك جزء من شحنات الطاقة والسلع الأساسية”، فضلاً عن “ربطها بين المحيطين، واستخدامها بكثرة لنقل البضائع من آسيا إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا”.
وتشير هيئة قناة بنما إلى أن القناة تخدم أكثر من 144 طريقاً بحرياً، وتربط 160 دولة ونحو 1700 ميناء حول العالم، فيما تمر عبرها قرابة 5 في المائة من التجارة العالمية.
تهديد بزيادة التأخيرات والتكاليف
ويرى الساري أن قرار تقليص عدد السفن العابرة يومياً ستكون له انعكاسات على حركة الملاحة، خصوصاً في حال استمرار انخفاض منسوب المياه وفرض قيود إضافية مستقبلاً.
وقال في هذا الصدد: “خفض عدد السفن اليومية من 36 إلى 32 سفينة ابتداءًمن منتصف شهر شتنبر سيؤدي حتماً إلى ازدحام وتأخيرات، مع ارتفاع رسوم العبور إلى مستويات قياسية وصلت سابقاً إلى أكثر من 4 ملايين دولار للمرور الواحد”.
وكانت هيئة قناة بنما قد قررت خفض عدد العبور اليومي على مرحلتين، من 36 إلى 34 سفينة ابتداءً من 4 شتنبر، ثم إلى 32 سفينة ابتداءً من 15 شتنبر، في إطار إجراءات احترازية مرتبطة بالوضع المائي والتوقعات المتعلقة بالنينيو.
وكانت أزمة الجفاف السابقة التي ضربت القناة خلال 2023 و2024 قد أظهرت مدى قدرة نقص المياه على التأثير في حركة التجارة العالمية، بعدما اضطرت السلطات حينها إلى تقليص عدد السفن العابرة وفرض قيود مرتبطة بالغاطس.
الحبوب والمنتجات الصناعية
وبالنسبة إلى المغرب، يعتقد الساري أن التأثير الأبرز سيظهر من خلال ارتفاع تكاليف الشحن البحري، بالنظر إلى اعتماد المملكة على واردات من مناطق مختلفة من العالم.
وأشار إلى أن المغرب يعتمد على واردات الحبوب من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، والمنتجات الصناعية القادمة من آسيا، أي أن تحويل لمسارات السفن عبر رأس الرجاء الصالح أو عبر طرق أطول “يزيد من زمن الرحلة وكلفة النقل، وهذا يولد كذلك ضغطاً إضافياً على الأسواق العالمية”.
ولا يعزل الساري أزمة قناة بنما عن الاضطرابات التي تعرفها ممرات بحرية أخرى، معتبراً أن تزامن هذه التطورات يزيد من الضغوط التي تواجه التجارة الدولية.
وقال: “لا ننسى بأن اضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز سوف تجعل المغرب أمام شبكة طرق بحرية مضطربة من جهتين: أولاً من الشرق؛ حيث الطاقة والسلع القادمة من الخليج وآسيا. وكذلك من جهة الغرب؛ حيث الحبوب والمنتجات القادمة عبر المحيط الأطلسي”.
ويرى الخبير الاقتصادي أن تعدد المخاطر في الممرات البحرية من شأنه أيضاً أن يرفع كلفة التأمين على الشحنات، موضحاً: “هذا الوضع سيزيد أيضاً من تكاليف التأمين والشحن، لأن شركات التأمين ستعمد حتماً إلى رفع أقساطها مع تعدد المخاطر هناك”. ويضيف أن انعكاسات الجفاف الذي يضرب بنما قد تمتد إلى الأسعار في السوق المغربية،
صادرات الفوسفاط والأسمدة
ولا يقتصر التأثير المحتمل، بحسب الساري، على الواردات، بل يمكن أن يمتد أيضاً إلى حركة الصادرات المغربية، ومن بينها صادرات الأسمدة.
وقال: “كذلك يمكن أن نؤكد بأن هناك تأثيراً على المكتب الشريف للفوسفاط؛ لأن صادرات الأسمدة المغربية نحو أمريكا وآسيا قد تواجه تكاليف إضافية إذا اضطرت السفن لتغيير مساراتها أو تحمل رسوم عبور أعلى في القناة”.
ويرى الساري أن أي ارتفاع في تكاليف العبور أو تغيير في المسارات البحرية يمكن أن ينعكس على حركة السلع في الاتجاهين، سواء تعلق الأمر بالواردات التي يحتاجها المغرب أو بالصادرات المغربية الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
ويخلص الخبير والمحلل الاقتصادي إلى أن تأثير الأزمة على المغرب سيكون واضحاً، وإن كان من خلال قنوات غير مباشرة، قائلاً إنه: “ستكون هناك تداعيات على المغرب؛ لن أقول بحدة أقل أو أكبر، ولكن سيكون هناك تأثير واضح على مسارات الصادرات وكذلك الواردات”.
النينيو.. تأثير عالمي
وتأتي أزمة قناة بنما في سياق عودة قوية لظاهرة النينيو، التي تتسبب عادة في اضطرابات مختلفة في أنماط الحرارة والتساقطات حول العالم. وكانت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية قد أشارت في يونيو الماضي إلى احتمال استمرار ظروف النينيو إلى غاية نونبر 2026، مع توقعات بتأثيرات على درجات الحرارة وأنماط الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.
أما في المغرب، فالتأثير المناخي المباشر للظاهرة لا يبدو بالحدة نفسها التي تظهر بها في بنما. وكانت المديرية العامة للأرصاد الجوية قد وصفت تأثير النينيو على المغرب بأنه “غير مباشر ومحدود”، مشيرة إلى أن أثر الظاهرة على المناخ المغربي يتداخل مع عوامل إقليمية أخرى.
ومع تزامن أزمة قناة بنما مع اضطرابات في ممرات بحرية أخرى، يبدو أن انعكاسات الظاهرة المناخية قد تصل إلى المغرب أساساً عبر سلاسل التجارة العالمية وتكاليف الشحن والتأمين ومسارات الصادرات والواردات، أكثر مما تصل إليه عبر تأثير مناخي مباشر على المملكة.