story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

التغطية الأمنية للمونديال.. استراتيجية الوقاية وإدارة الحشود

ص ص
اختير المغرب كشريك استراتيجي للمشاركة في فريق العمل التابع للبيت الأبيض بالولايات المتحدة الأمريكية، والمكلف بتنسيق الترتيبات الأمنية والتنظيمية لدورة كأس العالم 2026، بعد أن أجرى وفد من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) زيارة رسمية للمغرب في يناير الماضي، عاين خلالها عن كثب البروتوكول الأمني الذي وضعته المديرية العامة للأمن الوطني لتأمين “كان 2025”.
واطلع الخبراء الـأمريكيون في ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط على أنظمة الانتشار الأمني المتطورة، وشبكات المراقبة عبر الطائرات بدون طيار (الدرونز)، والكاميرات عالية الدقة، وهي التغطية الأمنية التي جعلت دورة المغرب لكأس إفريقيا للأمم، تصنف من أكثر الدورات أمانا ودقة تنظيمية في تاريخ البطولة.
كما أن المغرب سبق له أن شارك في تأمين عدد من التظاهرات الرياضية الكبرى، مثل كأس العالم قطر 2022، حيث استعانت قطر آنذاك بآلاف من عناصر الأمن المغربي الخبراء لتأمين الملاعب والمشجعين، إضافة إلى تأمين كأس العالم للأندية 2024، وهو ما وفر خبرة ميدانية مهمة للأجهزة الأمنية. وقد تم تسخير آلاف العناصر الأمنية ووسائل لوجستيكية متطورة لضمان سلامة الجماهير والفرق المشاركة .
التغطية الأمنية للمنافسات الرياضية الكبرى، كالألعاب الأولمبية ونهائيات كأس العالم، والبطولات القارية لكرة القدم، أصبحت تحظى باهتمام أكاديمي كبير في السنوات الأخيرة، بالنظر للأهمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تصاحبها. كما أن جملة من الباحثين، تخصصوا في قضايا “الإرث الأمني” الذي تخلفه هذه الأحداث الجماهيرية الكبرى، والبنى التحتية والتقنيات المستخدمة لتأمينها، والعقليات التخطيطية التي تقوم عليها “المنظومة الأمنية” الضخمة.
 
هندسة الأمن في المونديال
بالنسبة للأمنيين فدورة كأس العالم لكرة القدم، هي أشياء أخرى بعيدة عما يحدث في رقعة الملعب، ويمكن اختصار تعريفها في أضخم عملية “ضبط اجتماعي” تشهدها البشرية في زمن السلم. فتأمين المونديال يمثل ذروة التخطيط الاستراتيجي للدول، حيث تتحول الدولة المضيفة إلى مسرح لاستعراض عقلها الأمني وتفوق حسها الإستباقي، وفعالية قدرتها التنظيمية.
ويبدأ الإشتغال على التغطية الأمنية لحدث المونديال، قبل قرابة عقد من موعده، إذ بمجرد إعلان فوز دولة ما بحق الاستضافة، تبدأ دورة زمنية تتراوح بين 6 إلى 10 سنوات من التخطيط الأمني المكثف. هذا المدى الزمني وإن بدا طويلا، فهو في حقيقته مناسبا للدقة وللتفاصيل الإحترافية، والآليات التي تقوم عليها الإستعدادات الأمنية.
ويشمل الأمر صياغة سيناريوهات معقدة تتنبأ بالأسوأ؛ من الهجمات الإرهابية المنسقة، إلى الكوارث الطبيعية، وصولا إلى الأوبئة أو الانهيارات في الأنظمة المعلوماتية. حيث يتم تصميم “نماذج محاكاة” تعتمد على التكتولوجيا وتقنيات الفيديو المتطورة.
هذا التخطيط يحول “الأمن” من رد فعل إلى “حالة استباقية” دائمة، حيث تُصمم الشوارع والملاعب والمحطات بناءً على اعتبارات التدفق البشري والقدرة على الإخلاء السريع، مما يجعل مدنا بكاملها تكتسب “عقلا أمنيا” قبل سنوات من وصول أول مشجع.
 
تحالف أمني عالمي
في بطولات كأس العالم، يتجه التعاون الأمني بين أجهزة الدولة إلى تجاوز الإطار التقليدي الذي كان يحصر مسؤولية الأمن في جهاز الشرطة وحده. ويظهر هذا التحول من خلال اعتماد نموذج هجين يُعرف بـ”المثلث الأمني”، يجمع بين المؤسسة العسكرية بما تمتلكها من إمكانيات لوجيستيكية وتقنية، وأجهزة الاستخبارات بشبكاتها المعلوماتية العابرة للحدود، إلى جانب شركات الأمن الخاص التي تتولى إدارة الكثير من الجوانب التنظيمية المباشرة خصوصا المتعلقة بالتدفق الجماهيري.
ويمتد هذا التنوع في الفاعلين ليأخذ طابعا دوليا، إذ يعد المونديال حدثا استثنائيا يجمع أجهزة أمنية من دول مختلفة، قد تكون بينها خلافات سياسية، لكنها تنخرط في تعاون استخباراتي وثيق لمتابعة العناصر المصنفة في لائحة الخطر على البطولة، مثل جماعات الشغب المعروفة بـ”الهوليغانز”.
وفي هذا السياق، يتم إنشاء مراكز قيادة وتحكم مشتركة، تضم ممثلين عن المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) وخبراء أمنيين من الدول المشاركة.
هذا التنسيق متعدد الأطراف يحول البطولة إلى ما يشبه “تحالفا أمنيا عالميا” مؤقتا، يعاد فيه تحديد أدوار الفاعلين الأمنيين حسب مجريات الدورة وأحداثها. كما أن هذا النموذج التعاوني الأمني يطرح بعض الإشكاليات حول حدود إشراك القطاع الخاص في وظائف تُعد تقليديا من صميم سيادة الدولة، خاصة في ظل تنامي دور الشركات الأمنية كشريك أساسي إنجاح الكثير من الجوانب التنظيمية المعقدة في الأحداث الرياضية الكبرى.
 
الأمن الرقمي وقدرات التكتولوجيا
تمثل التكنولوجيا العصب الحسي للنموذج الأمني الحديث. ولم تعد الكاميرات فيه مجرد أجهزة تسجيل، بل تحولت إلى “أدوات تحليلية” بفضل الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعرف على الوجوه. بحيث أنه في المونديالات الحديثة، يتم مسح آلاف الوجوه في الثانية الواحدة ومطابقتها بقواعد بيانات المبحوث عنهم قضائيا، والممنوعين من دخول الملاعب، مما يخلق “سياجاً رقمياً” غير مرئي يحيط بكل زائر.
إلى جانب الرقابة البصرية، يبرز “الأمن السيبراني” كأولوية قصوى. في عالم مترابط، يمكن لهجوم إلكتروني واحد أن يشل حركة المترو، أو يقطع البث التلفزيوني عن المليارات، أو يعطل أنظمة التذاكر الرقمية. لذا، تُبنى “دروع سيبرانية” لحماية الفضاء الرقمي للبطولة، مما يجعل المونديال ميدانا لحرب إلكترونية صامتة تهدف إلى حماية البيانات وضمان استمرارية الخدمات، وتحويل المدن المضيفة إلى ما يشبه “المدن الذكية المحصنة”.
 
هندسة السلوك الجماهيري
تعتبر إدارة الحشود العلم الأكثر دقة في التغطية الأمنية للمونديال. إذ التحدي يكمن في تأمين ملايين البشر دون إشعارهم بأنهم في تحت الرقابة المشددة. وقد توصلت التنظيمات الأمنية في الأحداث الكروية الكبيرة إلى فكرة تخصيص “مناطق المشجعين”، والغرض منها ليس فقط بناء أماكن للترفيه خاصة بالجمهور، بل هي أدوات أمنية ذكية تهدف إلى تجميع الكتل البشرية في نقاط محددة يسهل مراقبتها والسيطرة عليها وتوجيهها.
وتعتمد الأجهزة الأمنية على تقنيات “التوجيه الناعم” وعلم النفس الجماعي لمنع نشوب أحداث الشغب. بحيث يتم مراقبة كثافة الحشود عبر الطائرات المسيرة لتحليل الضغط البشري ومنع التدافع قبل وقوعه.
ويبقى الهدف من ذلك هو خلق بيئة احتفالية تحت رقابة صارمة، حيث يتم عزل العناصر المثيرة للشغب استباقياً، وضمان انسيابية الحركة بين الملاعب ومراكز المدن، فيما يمكن تسميته “بهندسة السعادة الآمنة”.
 
الإرث الأمني بعد نهاية المنافسة
يذهب الكثير من الباحثين في السياسات الأمنية، أن أخطر وأهم محاور التغطية للأحداث الرياضية الكبرى، هي ما يُعرف بـ “الإرث الأمني” فالمعدات التقنية، وكاميرات المراقبة المتطورة، والتشريعات والقوانين الاستثنائية التي تدرج في لتأمين الحدث، لا ترحل برحيل المشجعين. وغالبا ما تدمج هذه الأدوات في صلب النظام الأمني الدائم للدولة، مما يؤدي إلى تحديث شامل للمنظومة الأمنية الوطنية.
لكن هذا الإرث يحمل وجها آخر؛ فهو يثير قلقا حقوقيا بشأن خصوصية الأفراد واتساع رقعة المراقبة الدائمة. فالتكنولوجيا التي استُخدمت لملاحقة شغب الملاعب قد تُستخدم لاحقاً لمراقبة الحراك المدني.
كما أن القوانين التي قيدت الحركة خلال البطولة قد تصبح عرفا قانونياً جديدا ينتهي به المونديال من استضافة رياضية مبهرة، إلى نقطة تحول في تاريخ الدولة المضيفة، تعيد صياغة العلاقة بين الأمن والحرية، وتترك خلفها مدنا أكثر “ذكاء” ولكنها مدن أيضاً أكثر خضوعا للرقابة، وأكثر تضييقا على هوامش الحرية.