story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

استقبال رئيسة الحكومة المكلّفة.. هل نحن أمام ممارسة دستورية جديدة؟

ص ص

أثار استقبال الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، لرئيسة الحكومة المكلّفة بتشكيل الحكومة الجديدة، فاطمة الزهراء المنصوري، أكثر من سؤال يتجاوز البعد السياسي المرتبط بتقدم مشاورات تشكيل الحكومة، ليطرح إشكالا دستوريا يتعلق بطبيعة هذه المحطة وموقعها ضمن المسار الدستوري لتأليف الحكومة.

فالبلاغ الصادر عقب الاستقبال أفاد بأن رئيسة الحكومة أطلعت الملك على “مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة”، قبل أن يشير إلى أن هذا الاستقبال يندرج في إطار الصلاحيات الدستورية للملك وحرصه على “ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية”. وهي صياغة تجعل من المشروع التساؤل عما إذا كنا أمام مجرد لقاء فرضته خصوصية الظرفية السياسية، أم أمام بداية تشكل ممارسة دستورية جديدة تؤطر المرحلة الفاصلة بين تعيين رئيس الحكومة والإعلان عن تشكيل الحكومة.

أولا: مرحلة بين تعيين رئيس الحكومة وتشكيلها لم يفصل الدستور في تنظيمها

يحدد الفصل 47 من الدستور المراحل الأساسية المرتبطة بتكوين السلطة التنفيذية؛ فالملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، كما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

غير أن الفصل نفسه لا ينظم بتفصيل المرحلة الواقعة بين هاتين اللحظتين. فلا يحدد أجلاً لتشكيل الحكومة، ولا يبين الكيفية التي تدبر بها المشاورات، ولا ينص على محطات مؤسساتية مرحلية بين التكليف واقتراح أعضاء الحكومة.

وهو ما يجعل هذه الفترة من أكثر مراحل تشكيل السلطة التنفيذية اعتمادا على الممارسة السياسية والدستورية.

لقد ظهر أثر هذا الصمت بوضوح خلال تجربة تشكيل حكومة 2016، حين استمرت المشاورات أكثر من خمسة أشهر قبل الوصول إلى حالة انسداد سياسي انتهت بتعيين شخصية أخرى من الحزب المتصدر للانتخابات. وذكر بلاغ الديوان الملكي الصادر في 15 مارس 2017 آنذاك أن الملك سبق أن حث رئيس الحكومة المعين «عدة مرات» على تسريع تكوين الحكومة، قبل أن يتم التدخل لتجاوز “وضعية الجمود”.

لكن ما وقع في أكتوبر 2026 يبدو مختلفا من حيث التوقيت والطبيعة.

فلا توجد، على الأقل إلى حدود صدور البلاغ، حالة انسداد معلنة، كما أن رئيسة الحكومة أعلنت قبل يومين فقط التوصل إلى توافق بشأن مكونات الأغلبية الحكومية.

ومن ثم، فإن الاستقبال لا يأتي لمعالجة فشل في تشكيل الحكومة، وإنما خلال سير المسار نفسه.

ومن هذه الزاوية، قد تكون دلالة هذا الاستقبال في كونه ينقل النقاش من لحظة معالجة التعثر، كما حصل في 2017، إلى لحظة مواكبة مسار التشكيل قبل بلوغه مرحلة الانسداد.

ثانيا: بين الفصلين 42 و47، من ضمان حسن سير المؤسسات إلى مواكبة مسار التشكيل

لفهم هذا الاستقبال، قد لا يكون الفصل 47 وحده كافيا، فالبلاغ استخدم تعبير “ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية”، وهي عبارة تحيل بوضوح إلى الوظيفة التي يسندها الفصل 42 من الدستور للملك باعتباره رئيس الدولة والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية.

وبذلك يمكن قراءة الحدث من خلال التكامل بين فصلين: الفصل 47 الذي يؤطر تعيين رئيس الحكومة وتعيين أعضائها، والفصل 42 الذي يؤطر وظيفة ضمان انتظام المؤسسات واستمراريتها.

ولا تكمن أهمية هذا الربط في منح اختصاص جديد غير منصوص عليه، وإنما في تفسير كيفية ممارسة الاختصاصات الموجودة أصلا عندما تصبح عملية تشكيل الحكومة مرتبطة بانتظام عمل المؤسسات الأخرى.

وهذا الأمر يكتسي أهمية خاصة في الظرفية الحالية، حيث انطلقت الولاية التشريعية الجديدة و انتخب مجلس النواب رئيسه وشكل هياكله، في الوقت الذي لم يتم فيه بعد تعيين الحكومة الجديدة، فضلا عن قرب الاستحقاقات المرتبطة بالقانون المالي.

وهنا تظهر إحدى الدلالات الدستورية المهمة للواقعة، ففي تجربة 2017، برز تدخل المؤسسة الملكية بعد استنفاد مدة طويلة من المشاورات ووصولها إلى وضعية جمود واضحة. أما في 2026 فإن الاستقبال يتم أثناء عملية تشكيل الحكومة، وقبل الإعلان عن وجود أي تعثر مؤسساتي.

وهو ما يسمح بطرح فرضية انتقال وظيفة ضمان حسن سير المؤسسات، في هذا المجال، من معالجة أزمة بعد وقوعها إلى نوع من المواكبة المؤسساتية الاستباقية لمسار تشكيل الحكومة.

غير أن هذه المواكبة لا ينبغي أن تفهم باعتبارها انتقالا لسلطة تشكيل الأغلبية من رئيس الحكومة إلى المؤسسة الملكية. فالبلاغ نفسه يحافظ على هذا التمييز: رئيسة الحكومة هي التي تدبر مسار التشكيل، وهي التي أطلعت الملك على مراحله.

ومن ثم يظل التحدي الدستوري قائما في الحفاظ على التمييز بين المتابعة المؤسساتية لمسار التأليف وبين التدخل في مضمون المشاورات الحزبية أو هندسة الأغلبية.

والبلاغ الصادر في 14 أكتوبر يحافظ، من حيث صياغته على الأقل، على هذا الحد؛ فهو لا يتحدث عن توجيه بشأن تركيبة الأغلبية ولا عن أسماء الوزراء، وإنما عن إطلاع الملك على “المراحل” التي قطعها مسار التشكيل.

ثالثا: هل نحن أمام ممارسة ظرفية أم بداية تقليد دستوري جديد؟

قد يكون من السابق لأوانه وصف ما وقع بأنه “عرف دستوري”.

فالعرف الدستوري لا ينشأ عادة من واقعة واحدة، وإنما يفترض تكرار ممارسة معينة واستقرارها، واقتران ذلك بقبولها باعتبارها قاعدة منظمة للسلوك المؤسساتي.

لذلك فإن الوصف الأدق حاليا هو الحديث عن سابقة أو ممارسة دستورية قد تكتسب مستقبلا أهمية أكبر إذا تكررت في تجارب تشكيل الحكومات اللاحقة.

فإذا أصبح من المعتاد أن يعرض رئيس الحكومة المكلّف، في مرحلة معينة من المشاورات، تقدم عملية تشكيل الحكومة على الملك، فقد نكون أمام ظهور محطة دستورية غير مكتوبة بين التكليف والتشكيل النهائي.

وبعبارة أخرى، قد يصبح المسار عمليا على الشكل التالي:

تعيين رئيس الحكومة، ثم إجراء المشاورات، ثم محطة لإطلاع الملك على تقدم عملية التأليف، قبل الانتقال إلى اقتراح أعضاء الحكومة وتعيينهم.

ومثل هذه الممارسات لا تعدل النص الدستوري، لكنها قد تسهم في تفسيره وسد المساحات التي تركها مفتوحة.

كما أن هذه الممارسة، إذا استقرت، قد تؤدي إلى ظهور نوع من الضبط غير المكتوب لزمن تشكيل الحكومة. فالدستور لا يحدد أجلا صريحا لتشكيل الحكومة، وقد بينت تجربة 2016-2017 أن غياب هذا الأجل يمكن أن يجعل المرحلة مفتوحة زمنيا إلى حد يؤثر على السير العادي للمؤسسات.

ومن هذه الزاوية، قد تكرس محطة إطلاع الملك رسميا على تقدم المشاورات، فكرة أن مدة تشكيل الحكومة ليست زمنا سياسيا مفتوحا بشكل مطلق، وأن رئيس الحكومة المكلّف يتحمل مسؤولية مؤسساتية عن تقدم هذا المسار في أجل معقول.

ومع ذلك، لا تسمح واقعة 14 أكتوبر وحدها بالحديث عن تحول في قواعد تشكيل الحكومة، كما سيكون من المتسرع اعتبارها عرفا دستوريا مكتمل العناصر.

لكن أهميتها تكمن في أنها تطرح لأول مرة بهذه الصيغة العلنية سؤال المرحلة الواقعة بين التكليف والتشكيل، وهي مرحلة تعتبر من البياضات في ظل دستور 2011 .

وقد تكون التجربة المغربية بصدد الانتقال من معالجة هذا الفراغ فقط عندما يؤدي إلى أزمة، كما حدث سنة 2017، إلى بناء ممارسة مؤسساتية تواكب مسار التأليف قبل وصوله إلى مرحلة التعثر.

وهنا ربما تكمن الدلالة الأبعد للاستقبال: هل نحن أمام مجرد واقعة مرتبطة بخصوصية تشكيل حكومة 2026، أم أمام بداية تشكل تقليد دستوري جديد يجعل إطلاع الملك على تقدم مسار التأليف محطة ضمن الممارسة الدستورية المغربية؟

الجواب لا يمكن حسمه اليوم، لأن الأعراف والممارسات الدستورية لا تولد بقرار، وإنما تصنعها السوابق وتكرسها الممارسة.

لكن ما وقع اليوم، قد يكون سابقة تستحق أن تحفظ في ذاكرة الممارسة الدستورية المغربية، وأن يعود إليها الباحثون عند تشكيل الحكومات المقبلة.

  • ياسين بويركل
  • باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية