أمين السعيد يفكك دوافع إصرار “الأحرار” على المشاركة في الحكومة
بينما اتسمت الحملة الانتخابية بحدة التنافس وتبادل الاتهامات بين الأحزاب، تبدو ملامح التحالف الحكومي المقبل متجهة، وفق المؤشرات السياسية الراهنة، نحو غياب حزب التجمع الوطني للأحرار عن الأغلبية الحكومية الجديدة.
ويبرز هذا الاحتمال بقوة في خضم المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة، التي أعادت ترتيب حسابات التحالفات ووضعت مستقبل مشاركة “الأحرار” في الحكومة المقبلة أمام علامات استفهام متزايدة.
إن حزب “الأحرار”، الذي خاض الانتخابات في مواجهة سياسية حادة مع الأصالة والمعاصرة، يجد نفسه اليوم أمام نتائج غيرت موقعه في مجلس النواب، ومخاوف تنظيمية مرتبطة بـ”شبح المعارضة”، ما دفعه إلى إعلان استعداده السريع للمشاركة في الأغلبية المقبلة، وهو ما يطرح أسئلة حول دوافع إصراره على البقاء في السلطة التنفيذية.
في هذا الإطار، أشار أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إلى أن مخرجات الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار وافقت على دخول الحزب إلى الحكومة، مع تفويض لرئاسته بتدبير المشاورات، مبرزا أن هذا الأمر يطرح، من الناحية الديمقراطية، إشكالية قراءة الرسالة الانتخابية.
التقاط رسالة صناديق الاقتراع
وقال السعيد، في تصريح لصحيفة «صوت المغرب»، إن حزب “الأحرار”، الذي قاد الحكومة خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، وخاض الانتخابات بهدف الحفاظ على صدارته، وضعه التصويت العقابي في المرتبة الثانية.
وأضاف أنه “كان ينبغي على قيادة الحزب التقاط رسالة صناديق الاقتراع واحترام الإرادة الانتخابية من خلال التوجه نحو المعارضة”، منبها إلى المسألة المتعلقة بـ”صورة الأحزاب السياسية”، داعيا إلى “أخذها بجدية”.
وأوضح السعيد أن “الأدبيات الحديثة تقدم نقطة بالغة الأهمية، مفادها أن بعض الناخبين ووسائل الإعلام يتابعون حسابات المفاوضات والمشاورات الحكومية، ويتذكرون التقاطب الحاد والسجال القوي الذي طبع العلاقة بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة خلال الحملة الانتخابية”.
وخلص الأستاذ الباحث في العلوم السياسية، في هذا الصدد، إلى أن “تحالف الحزبين بعد إعلان النتائج يحتاج إلى جهد كبير على مستوى تبرير هذا التحالف”.
ولفت أمين السعيد، في السياق ذاته، إلى أن “استمرار التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة داخل الحكومة قد يقرأ، سواء من قبل الشارع المغربي أو حتى من الخارج، باعتباره مؤشرا على أن الانتخابات ليس لها معنى ولم تنقل المغرب إلى دورة سياسية جديدة”.
سر الخوف من المعارضة
وبخصوص سرعة إعلان الحزب استعداده للمشاركة في الأغلبية الحكومية المقبلة، أشار أمين السعيد إلى أن المسألة مرتبطة بـ”الربح والخسارة”، موضحا أن “تموقع حزب التجمع الوطني للأحرار في المعارضة قد يزيد من تآكل الحزب انتخابيا، بالنظر إلى أن بنيته التنظيمية تضم نخب رجال الأعمال التي اعتادت القرب من السلطة ولا تألف العمل في المعارضة”.
وتابع شارحا: “كما أن عددا غير قليل من رؤساء الجماعات ورؤساء مجالس العمالات والأقاليم قد لا يكون من مصلحتهم التموقع في المعارضة”.
ويعود ذلك، حسب السعيد، إلى خوفهم من تعثر تنفيذ البرامج والمشاريع، وهو ما قد يسرع وتيرة تغيير الحزب والالتحاق بأحزاب أخرى، خاصة الأصالة والمعاصرة أو الاستقلال، في حال استمرار التجمع الوطني للأحرار في المعارضة.
معارضة مرنة وغير شرسة
وفي السياق ذاته، استحضر المحلل الأكاديمي ربح وخسارة حزب “البام”، معتبرا أن من مصلحته “تموقع حزب التجمع الوطني للأحرار في المعارضة، ما دام نوابه سيمارسون معارضة مرنة وغير شرسة”.
وأضاف أن القوة العددية لحزب الأحرار ستمنحه حضورا مؤثرا داخل المؤسسة التشريعية والاستفادة من عضوية لجان مهمة، من بينها لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان.
وتابع أنه “في المقابل، تترتب عن إدخال التجمع الوطني للأحرار إلى الحكومة بعض المخاطر التي يستشعرها حزب الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها الكتلة العددية التي يتوفر عليها الحزب، والتي ستمنح التحالف أغلبية مريحة جدا من الناحية العددية، فضلا عن الوزن الذي يتوفر عليه التجمع الوطني للأحرار في مجلس المستشارين”.
وذكر أن “اصطفاف حزب التجمع الوطني للأحرار في المعارضة قد يدفعه إلى بناء تحالفات جديدة في الانتخابات الجماعية والجهوية مع حزب العدالة والتنمية، وهو تحالف يمكن أن تتعزز فرصه خلال انتخابات 2027″.
يذكر أن نتائج الانتخابات البرلمانية، التي أجريت يوم 23 شتنبر 2026، منحت حزب الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى بـ97 مقعدا، متبوعا بحزب التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية بـ66 مقعدا، فيما حل حزب الاستقلال في المركز الثالث بـ65 مقعدا، ثم حزب العدالة والتنمية بـ54 مقعدا، والحركة الشعبية بـ29 مقعدا.
وكان حزب التجمع الوطني للأحرار، قد سارع إلى إعلان، يوم الخميس فاتح أكتوبر الجاري، تمسكه بخيار المشاركة في الحكومة المقبلة، بما يتيح له ما أسماه بـ”مواصلة الإسهام من موقع المسؤولية في استكمال الأوراش والإصلاحات المفتوحة، وتثمين المكتسبات المحققة والبناء عليها، والمساهمة الفاعلة في رفع تحديات المرحلة المقبلة”.
ويوم السبت 3 أكتوبر 2026، عاد الحزب وجدد التأكيد على الاستعداد للمشاركة؛ إذ عبر المجلس الوطني في ختام أشغاله عن ذلك، مفوضا رئيس الحزب، محمد شوكي، تدبير هذه المشاركة “وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية”.
لكن، ومع تقدم مسلسل المشاورات الحكومية واتضاح ملامح الأغلبية المقبلة، يبدو أن سيناريو اصطفاف حزب التجمع الوطني للأحرار في المعارضة بات الأقرب إلى التحقق، رغم تمسك الحزب، في بداية المشاورات، بخيار المشاركة في الحكومة. فالمعطيات السياسية التي أفرزتها المفاوضات، إلى جانب مواقف عدد من مكونات الأغلبية المرتقبة، تجعل مشاركة “الأحرار” في التحالف الحكومي الجديد أكثر صعوبة، مقابل تنامي المؤشرات التي تدفع نحو انتقاله إلى صفوف المعارضة.