story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

أكباش أخنوش وقرار الملك!

ص ص

قد يختلف المغاربة في أشياء كثيرة، لكنهم سيتفقون على أن هذه الولاية الحكومية ستدخل التاريخ من باب لم يخطر ببال واضعي الدساتير ولا منظّري الاقتصاد، هو باب الأكباش التي قرّر الملك بسبب تناقصها إلغاء شعيرة ذبح أضاحي العيد، بينما يصرّ أخنوش، قبل القرار وبعده، على رفع شعار “القطيع بخير” والأكباش “موجودة”!

لن يتذكر الناس كثيرا نسب النمو، ولا عجز الميزانية، ولا معدلات التضخم، ولا تلك الأرقام التي تُلقى في البرلمان كما تُلقى حفنات القمح في زريبة انتخابية كبيرة.

ما سيبقى فعلا هو أن المغاربة عاشوا، في عهد هذه الحكومة، زمنًا صار فيه السؤال العمومي هو كم سعر “البطاطا” و”المطيشة” و”البصلة”؟ وهل ما يزال في الإمكان إعداد “الطاجين” دون السقوط في سوء التغذية وفقر الدم وكثرة “التغماس” في “الدواز” بلا “ايدام”؟

في اللحظة التي وقف فيها رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان ليقدّم حصيلته، لم يكن يدري، على ما يبدو، أنه يكتب بلسانه، وبعفوية من يعتقد أنه “كيهضر مع صحابو”، الخلاصة الحقيقية لعصره.

الرجل لم يمنح المغاربة رقما عن الأمل، ولا عن الثقة، ولا عن الكرامة المعيشية، بل منحهم ما يشبه الجرد الوطني ل”الحوالا”، درجة اختلط معها الأمر لدى بعض “قلالين النية”، بين تعداد سكان المغرب وتعداد أكباشه.

قال أخنوش بجدية من يتحدث عن إنجاز حضاري، إن “القطيع الوطني” من “الحوالا” بلغ قرابة أربعين مليون رأس. وفجأة، صار هذا هو الرقم القياسي وغير المسبوق تاريخيا الذي يخرج به المغاربة من نقاش الحصيلة الحكومية.

والحق أن حضور الأكباش في السياسة المغربية ليس أمرا جديدا. الأجيال المتوسطة والمتقدمة في السن، تذكر حتما قصة الممثل الراحل حمادي عمور، الذي دفع ثمن سوء فهم ملكي في بداية الثمانينيات، حين تزامن عرض مسرحية تلفزيونية يظهر فيها وهو يحاول تقسيم “كبش واحد” على زوجاته الأربع، مع نقاش رسمي حول إمكان إلغاء شعيرة الأضحية بسبب الجفاف والأزمة.

لم يكن يومها الكبش حيوانا فقط، بل رسالة محتملة، وتأويلا سياسيا، وسوء طالع انتهى باعتقال رجل وإقالة آخرين.

في المغرب، كان الكبش دائما أكبر من مجرد أضحية. بل كان أحيانا جزءا من لغة السلطة نفسها. لكن الفارق أن الأكباش في زمن الحسن الثاني كانت تورط ممثلا في سوء فهم، أما في زمن أخنوش فهي تورّط رئيس الحكومة نفسه في فائض من الكلام.

فأهم حدث اجتماعي وسياسي طبع ولاية هذه الحكومة لم يكن ورشا استراتيجيا ولا إصلاحا هيكليا، بل كان ذلك المشهد الذي انتهى فيه المغاربة إلى الحرمان من شعيرة ذبح الأضاحي في عيد السنة الماضية، بعد أن نال “الشناقة” و”الفراقشية” المليارات من المال العام بذريعة استيراد المواشي وتجديد “القطيع الوطني”.

النتيجة كانت أن المواطن المغربي وجد نفسه أمام مثل شعبي مرير يتجسد في الواقع: “لا ديدي لا حب الملوك”. لا أضحية للمغاربة، ولا مال عام صرف في فائدة، ولا حتى احترام لعقولهم.

ثم جاء أخنوش هذه الأيام، ليقدّم تفسيره “الأنطولوجي” للطفرة “الديمغرافية” في مجتمع الأكباش. قالها، بالصوت والصورة، ومن فوق منصة البرلمان: “ما ذبحناش، وهادوك للي ما تدبحوش ولدوا، وهادوك لي تزادوا وهادوك للي ما تدبحوش، عاود ولدوا فهاد لوطون (الخريف)… ودابا يمكن كاينة أربعين مليون ديال الغنمي”.

هكذا، دفعة واحدة، انتقل النقاش من الفلاحة إلى التوالد، ومن السياسات العمومية إلى “فحولة” وخصوبة القطيع، ومن سؤال: أين ذهبت أموال الدعم؟ إلى جواب مفاده أن الغنم، لحسن الحظ، عوّضت فشل التدبير بقدرة تكاثرية استثنائية.

قد تكون الطفرة حقيقية، فقط على رئيس الحكومة أن “ينقص فيخرات”، لأن إناث الغنم وحدها تلد، ولأن الوقائع التي سبقت عيد الأضحى ما قبل الماضي كانت تقول إن إناثا كثيرة ذُبحت هي الأخرى تحت ضغط ندرة اللحوم ولهيب الأسعار.

وحين يحاول رئيس الحكومة أن يطوق القرار الملكي بعدم إقامة شعيرة الذبح في العيد الماضي، والذي بُني على معطيات عن تناقص أعداد الماشية، بأرقام مضادة تتحدث عن وفرة قياسية بعد القرار وقبله، فإنه لا يمارس فقط “حشيان الهضرة”، بل يقترب من منطقة أكثر حساسية، هي التشكيك، من حيث يقصد أو لا يقصد، في المعطيات التي بُني عليها القرار نفسه. وكأنه يقول للمغاربة إن الملك منعكم من شعيرة الذبح دون مبرر!

لكن المصيبة الحقيقية لم تكن في رقم الأربعين مليونا، بل في ما تلاه. هنا سقط القناع دفعة واحدة، وخرج رئيس الحكومة من دور المسؤول عن الجهاز التنفيذي في الدولة، ليتكلم من موقع شخص يعرف السوق من داخلها، بل يكاد يشعر أنه جزء من مزاجها النفسي.

قال أخنوش بالحرف ما يشبه النصح الحميمي لفئة محددة: “الناس للي باقيين شادين الحوالا ديالهم راهم غالطين، راه خاصهم يطلقوهم في الأسواق… راه ما بقا حتى شي دعم آخر غادي يجي، وللي بغا يدخل للسوق خاصو يدخل دابا، لأنه منين غادي تدخلوا للسوق كلكم غادي يطيح الثمن، والمواطن هادشي للي بغا”.

هذا ليس خطاب رئيس حكومة يخاطب أمة. هذا أشبه برسالة داخلية من زعيم جماعة مضاربين يعرفهم ويعرفونه جيدا. فهو لم يكن يتحدث حتى دفاعا عن “الكسّابة” صغارا كانوا أو كبارا، أولئك الذين يكدحون فعلا مع المواشي، بل كان يخاطب بالضبط الفئة التي تمسك السوق رهينة وتؤخر العرض لرفع الأسعار وتحقيق أرباح قصوى، أي “الشناقة” شخصيا.

حاول أخنوش في اليوم التالي، أن “يصلح الجرة” في مجلس المستشارين، فتحدث بنبرة أكثر حرصا، وحذر من “الشناقة”، وكأنه اكتشف فجأة أن الكاميرات لا ترحم، وأن العملية التواصلية، كما يقول الفرنسيون، irréversible.

لكن ما خرج من فمه في اللحظة الأولى كان أصدق من كل محاولات التدارك اللاحقة. لأنه حين ينسى السياسي نفسه، يقول الحقيقة التي يحاول أن يخفيها.

حتى إذا افترضنا حسن النية بلا حدود، واعتبرنا أن رئيس الحكومة كان حريصا على مصلحة المواطنين، حتى وهو يحذّر منهم ويحرّض عليهم، وإذا صدّقنا أن الملايين من رؤوس الأغنام تقبع مخبأة في أماكن سرية، فإن الحقيقة المرة التي لا يمكن إخفاؤها ب”الغربال”، هي أن هذه الحكومة حوّلت “تاشناقت” إلى ثقافة، وعقيدة، وممارسة سائدة.

حكومة بدأت بوعد “الدولة الاجتماعية”، وانتهت إلى إدارة القطيع.

دخلت لتقنع الناس بأنها ستقود الاقتصاد، فإذا بها تكتشف أن اختبارها الحقيقي صار في “الكاميلة”، وفي “البطاطا” و”مطيشة” و”البصلة”، وفي لحم لم يعد في المتناول، وفي أضحية ضاعت بين الدعم والريع وجشع “الفراقشية”.

حتى محمود عرشان، بما يمثله اسمه من بقايا زمن قديم، اضطر إلى أن يلخص المعنى كله في جملة تكاد تصلح برنامجا حكوميا بديلا: “البطاطا ومطيشة والبصلة لا ينبغي أن تتجاوز ثلاثة دراهم”.

ولأن الرموز نادرا ما تكذب، فقد شاءت الأقدار أن تلاحق هذه الحكومة بالأكباش من أول الطريق إلى آخره. أكباش استُوردت باسم الإنقاذ، فأغنت المستفيدين وأفقرت الثقة. وأكباش مُنع الناس من ذبحها، ثم قيل لهم بعد ذلك إن القطيع تضاعف وتكاثر وبلغ أرقاما “قياسية”. وأكباش تحولت من موضوع ديني واجتماعي إلى وحدة قياس للفشل السياسي.

في النهاية، بقي المغاربة وحدهم خارج الحظيرة: لا هم نالوا دعما، ولا ظفروا بلحم، ولا اقتنعوا بالأرقام، ولا وجدوا في خطاب رئيس حكومتهم ما يخفف عنهم مرارة الشعور بأن البلاد كلها تُدار بعقلية من يخلط بين السوق والدولة، وبين المرفق العمومي وميزان البيع، وبين المسؤولية الوطنية و”التقلاز من تحت الجلباب”.