“يوعري” حامل أمتعة الرجاء وحارس أمجاد القلعة الخضراء
يقال إن التاريخ يروى على لسان من عاشه، ومحمد رحيمي الملقب بـ«يوعري» لم يكن مجرد راو لتاريخ الرجاء الرياضي، بل كان جزءا منه. عاش الرجل ستة عقود داخل القلعة الخضراء يحمل أمتعة اللاعبين ويختزن في ذاكرته قصصا وتفاصيل وأسرارا رافقت النادي في أفراحه وأزماته.
من “الوازيس” كانت البداية
ولد محمد رحيمي سنة 1944 بدرب السلطان، معقل نادي الرجاء الرياضي بمدينة الدار البيضاء. وفي سنة 1962، التحق بالنادي بعدما اكتشف موهبته الكروية الراحل أحمد المرواخي، أحد الأطر التقنية للرجاء آنذاك.
بدأ محمد رحيمي مسيرته حارسا لمرمى فتيان النادي، غير أن مشواره فوق المستطيل الأخضر لم يدم طويلا، بسبب تداعيات حادثة سير كان قد تعرض لها منعته من مواصلة مسيرته الكروية بالرجاء.
وفي الوقت الذي لم يسمح له القدر بمواصلة مسيرته في حراسة مرمى الفريق، إلا أن هذا القدر نفسه فتح له بابا آخر مكنه من حراسة النادي وأمجاده في رحلة تجاوزت ستين سنة.
تولى الحاج محمد رحيمي مسؤولية أمتعة الفريق الأول، ليصبح مع مرور السنوات قريبا من أجيال متعاقبة من اللاعبين والمسؤولين، ومطلعا على تفاصيل كثيرة من حياة النادي.
ومنذ ذلك الحين، صار اسم «يوعري» ملازما له، بعدما أطلق عليه أحد مسؤولي الرجاء هذا اللقب بعد ما أصبح يعاني من عرج بسبب الحادث المروري الذي تعرض له.
عاش يوعري في بيت داخل ملعب “الوازيس”، حيث كان الفريق يجري تداريبه، وظل منزله مفتوحا أمام لاعبي الرجاء صغارا وكبارا، ما جعله شخصا محبوبا و قريبا من مختلف الأجيال التي تعاقبت على النادي.
ألقاب وسام وذكريات
رغم تقدمه في السن، ظل حب يوعري للرجاء حبا طفوليا يحمل الكثير من العفوية والشغف خاصة أنه عاصر محطات مختلفة من تاريخ النادي، من فترات الأزمات إلى لحظات التتويج والإنجاز.
ولعل أبرز الذكريات التي ظلت راسخة في ذاكرته، كانت تتويج الرجاء بكأس إفريقيا للأندية البطلة سنة 1989، كأول لقب قاري في تاريخ النادي، ثم الإنجاز التاريخي سنة 2013 ببلوغ نهائي كأس العالم للأندية.
وبفضل هذا الإنجاز العالمي، حظيت بعثة الرجاء باستقبال ملكي عقب الإنجاز العالمي، وكانت المناسبة لحظة استثنائية في مسار يوعري، بعدما حظي بوسام ملكي، و دار بينه وبين الملك محمد السادس حديث حول علاقته الطويلة بالنادي، وهي لحظة ظل يستحضر تفاصيلها باعتزاز حتى سنواته الأخيرة.
انتقال حب الرجاء للأبناء
محمد رحيمي قبل أن يكون الأب الروحي لجميع لاعبي الرجاء، هو أب لستة أبناء، من بينهم سفيان والحسين رحيمي، وكان حلم رحيمي الأب أن يرى أحد أبنائه لاعبا في الرجاء، وهو ما تحقق مع سفيان رحيمي الذي التحق بالفريق الأول سنة 2018، وساهم بشكل مباشر في تحقيق مجموعة من الألقاب مع الخضر قبل أن يواصل مسيرته الاحترافية خارج المغرب، بنادي العين الإماراتي ، إلى جانب شقيقه الحسين الذي حمل بدوره قميص الفريق الأخضر، قبل أن يلتحق هو أيضا بالنادي الإماراتي نفسه.
الأجل يطوي عقودا من الوفاء
بعد أكثر من ستة عقود من الوفاء، جاء الأجل ليضع حدا لرحلة رجل جعل من الرجاء أكثر من مجرد ناد، ومن “الوازيس” أكثر من مجرد مركب رياضي. رحل محمد رحيمي، لكن رحيله لم ينه فقط حياة رجل عاش للقلعة الخضراء، بل طوى صفحة علاقة نادرة بين إنسان وناديه الأم، علاقة امتدت عبر أجيال وظلت وفية حتى اللحظة الأخيرة.
وكأن الرجل أراد أن تكون كلمته الأخيرة للرجاء من المكان الذي احتضن جزءا كبيرا من حياته، أوصى بأن يمر موكب جنازته من مركب “الوازيس”، ليغادره كما عاش فيه: واحدا من أبنائه الأوفياء. وفي ذلك المشهد الأخير، بدا واضحا أن ارتباط رحيمي بالرجاء لم يكن عابرا، بل كان حكاية عمر اختار أن يكتب فصلها الأخير بين جدران القلعة التي أحبها.
رحل محمد رحيمي عن عمر ناهز 82 سنة، تاركا وراءه حزنا كبيرا في أوساط الرجاء والوسط الرياضي المغربي، ومر موكب جنازته من مركب “الوازيس” تنفيذا لوصيته، في مشهد يعكس حجم ارتباطه بالمكان الذي شكل جزءا كبيرا من حياته.
كما وقف لاعبو الرجاء الرياضي ونهضة بركان دقيقة صمت ترحما على روحه، فيما توالت رسائل النعي والتعازي من طرف عدد من الرياضيين ومكونات كرة القدم المغربية.
لم يسجل يوعري أهدافا بقميص الرجاء في مرمى الخصوم، ولم يرفع ألقابا فوق منصة التتويج كلاعب، لكنه قدم للنادي ما هو أبقى من ذلك، فكان واحدا من رجال الرجاء الذين اشتغلوا بعيدا عن الأضواء وكرسوا عمرهم للوفاء والعطاء وحملوا في ذاكرتهم أكثر من ستة عقود من تاريخ القلعة الخضراء.
*شيماء الحياني.. صحافية متدربة