story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

هل يشكل قرار المحكمة العليا الإسبانية حافزا إضافيا للهجرة غير النظامية عبر سبتة؟

ص ص

أدى قرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، رقم 814/2026، في يوليوز 2026 القاضي بعدم إرجاع الفوري للمهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في البحر، إلى إحداث تحول في أسلوب تدبير محاولات الهجرة غير النظامية، لا سيما نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.

هذا القرار، اعتبره بعض الباحثين في قضايا الهجرة تشجيعا على الهجرة غير النظامية بينما استبعد آخرون أن يكون هذا الأمر عاملا مباشرا خلف موجة الهجرة الحالية، التي تعرفها مدينة سبتة المحتلة منذ ليلة الثلاثاء 28 يوليوز 2026، مستحضرين في نفس الوقت تعقيد الظاهرة وتداخل العوامل البنيوية والظرفية كالضغوط الاقتصادية والاجتماعية في بلدان المنشأ ونشاط شبكات التهريب.

وبحسب وسائل إعلام إسبانية، تلقى عناصر الحرس المدني الإسباني بعد الحكم القضائي، تعليمات صارمة تقضي بعدم إرجاع المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر فورا، تنفيذا للحكم القضائي الأخير الذي ينص على أن إجراء الرفض عند الحدود لا يطبق إلا على الأشخاص الذين يحاولون دخول سبتة أو مليلية عبر تجاوز وسائل الحماية المادية، مثل السياج الحدودي.

وأوضحت أنه إذا تم اعتراض شخص في البحر أثناء محاولته الوصول سباحة، فإن السلطات ملزمة باتباع إجراءات الإرجاع العادية، التي تشمل تحديد الهوية، وتوفير المساعدة القانونية، والاستعانة بمترجم، وإتاحة إمكانية طلب الحماية الدولية.

وبموجب هذه التوجيهات، ينقل أي مهاجر يتم إنقاذه بحرا إلى القاعدة البحرية بميناء سبتة المحتلة لإخضاعه للإجراءات القانونية، ما لم تتدخل الوحدات البحرية المغربية لاستعادته في عرض البحر قبل وصوله إلى السواحل الإسبانية.

“تشجيعا على الهجرة”

في هذا السياق، يرى عبد الحميد البجوقي خبير في العلاقات المغربية الإسبانية، أن القانون الجديد يشكل بالفعل حافزا إضافيا للراغبين في الهجرة غير النظامية، مؤكدا أن إسبانيا تقف “بين نارين؛ نار حقوق الإنسان ونار التشجيع على تدفقات إضافية”.

وأشار الخبير، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إلى انقسام المحللين الإسبان بين منتقدي التسهيلات الممنوحة للمهاجرين، ما يؤدي إلى المزيد من الهجرة غير النظامية، ومن يدافعون عن الطابع الحقوقي البحت للملف.

وأوضح فيهذا الصدد، أن القانون الإسباني للهجرة خضع لأربع تعديلات، آخرها حكما قضائيا يفرض فتح ملف إداري فردي لكل مهاجر، وعرض قضيته على القضاء بصفة فردية لا جماعية، وهو ما أيدته المحكمة العليا بإلغائها لقرارات الترحيل الجماعي السابقة.

كما أن القاصرين غير المصحوبين يُتكفل بهم من طرف الحكومات الجهوية في غياب العائلة، مع إمكانية استفادة المهاجر غير النظامي من حق طلب اللجوء.

وشدد البجوقي على أن الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تكون جريمة فهي لا تتعدى أن تكون مخالفة إدارية لا تبرر المساس بحقوق الفردية للاشخاص.

تعقيد الظاهرة

غير أن أستاذة القانون بجامعة القاضي عياض والمتخصصة في قضايا الهجرة، حنان السرغيني، استبعدت أن يكون الحكم القضائي المتعلق بالإرجاع الفوري، العامل المباشر الوحيد خلف موجة الهجرة الحالية، مشددة على تعقيد الظاهرة وتداخل العوامل المحيطة بها، وهو ما يدفع، بحسبها، إلى إعادة توجيه محاولات العبور نحو البحر، رغم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة.

وأكدت السرغيني في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن اقتصار الإرجاع الفوري على حالات اجتياز السياج الحدودي دون حالات الوصول عبر البحر قد غير أنماط العبور، لكن الوصول بحرا لا يمنح حقا تلقائيا في البقاء بل يستوجب الخضوع للإجراءات القانونية.

وترى الباحثة بالمركز المغربي لتحليل السياسات (MIPA)، أن المشاهد الحالية متوقعة ومرشحة للتكرار مادامت الأسباب العميقة قائمة، محذرة من أن تشديد الرقابة الأمنية بمعزل عن معالجة الأسباب الجذرية، “التي يمكن أن تحول المسارات نحو طرق أكثر خطورة”.

وفي مقابل ذلك، ثمنت السرغيني ما يكرسه الميثاق الأوروبي الجديد بشأن الهجرة واللجوء من مسؤولية تضامنية مشتركة وحماية خاصة للفئات الهشة كالأطفال، داعية إلى مقاربة شاملة ومتوازنة تجمع بين حماية الحدود واحترام حقوق الإنسان.

هيمنة المقاربة الأمنية

وترى المتحدثة أنه بالرغم من التطور الذي شهدته المنظومة الأوروبية باعتماد الميثاق الأوروبي الجديد بشأن الهجرة واللجوء، فإن المقاربة الأمنية لا تزال تهيمن على إدارة الهجرة، في حين أن نجاح أي سياسة يقتضي معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع الأفراد إلى الهجرة

وشددت على أن “الحد من المسارات القانونية والآمنة لا يلغي الرغبة في الهجرة، بل يدفع المهاجرين إلى اللجوء لطرق غير نظامية أكثر خطورة، وهو ما يفسر استمرار هذه المآسي الإنسانية”.

واختتمت الأستاذة بجامعة القاضي عياض بمراكش تصريحها، بالتأكيد على أن ما نشهده اليوم من هجرة جماعية نحو سبتة المحتلة ليس حدثا استثنائيا، بل هو امتداد لدينامية ستظل تتكرر ما لم تُبنَ سياسات أكثر توازنًا، تجمع بين حماية الحدود واحترام حقوق الإنسان، بالإضافة إلى توسيع المسارات القانونية والمنظمة للهجرة، وتعزيز التعاون الحقيقي مع دول المنشأ والعبور.

ويضع القانون الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية، نظاما خاصا لسبتة ومليلية المحتلتين بحيث يحصر “الرفض على الحدود” في حالات تجاوز عنصر، احتواء حدودي (كالسياج أو الحاجز البحري)، وهو ما لا ينطبق على من يعبرون سباحة متفادين تلك الحواجز.

وتطالب حكومة سبتة المحتلة، بدعم من مبادرة لحزب الشعب في البرلمان الإسباني، بتعديل القاعدة لتشمل إمكانية “الرفض على الحدود” لكل من يحاول الدخول بشكل غير نظامي من أي نقطة غير مخصصة، سواء براً أو بحراً.

وتعود جذور هذه التحولات إلى شكوى قدمتها جمعيات مدنية نيابة عن مهاجر غير نظامي كان قد تعرض للطرد الفوري عند دخوله مدينة سبتة المحتلة سباحة، دون فتح إجراء إداري وفق قانون الأجانب وميثاق الهجرة الأوروبي.

وبتاريخ 4 شتنبر 2024، أصدرت المحكمة الإدارية رقم 2 في سبتة – وأيدتها لاحقاً المحكمة العليا لعدل الأندلس – حكماً تاريخياً اعتبر أن الواصلين سباحة لا يجتازون عنصر احتواء وبالتالي يتمتعون بالحق في مساعدة قانونية وإجراء إداري نظامي قبل اتخاذ أي قرار بشأنهم، وهو التوجه الذي أكدته المحكمة العليا الإسبانية مؤخراً وكرس الواقع القانوني الجديد.