هل تشرق شمس أوروبا بعيداً عن المظلة الأمريكية؟
لطالما اعتُبرت العلاقة العابرة للأطلسي حجر الزاوية في النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن تصدعات عميقة لم تعد مجرد سحابة صيف عابرة. فما كان يُنظر إليه في واشنطن على أنه “نوبات غضب” سياسية أو تكتيكات تفاوضية من قبل الرئيس ترامب، تُرجم في العواصم الأوروبية على أنه إهانات بنيوية وتراكم للإساءات دفع القارة العجوز إلى إعادة النظر في مفهوم “التبعية” الأمنية والاقتصادية.
من الأقوال إلى الأفعال.. عسكرة السيادة
لم يعد الحديث عن “الاستقلال الاستراتيجي” مجرد تنظير في أروقة بروكسل، بل تحول إلى خطة عملية بمليارات اليورو. يبرز برنامج الاتحاد الأوروبي “إعادة تسليح أوروبا/الاستعداد 2030” كأكبر تحول في العقيدة الدفاعية منذ عقود، باستثمارات مرصودة تصل إلى نحو 800 مليار يورو.
هذا التوجه يعكس رغبة أوروبية في كسر النموذج التقليدي الذي كانت تتولى فيه الولايات المتحدة الحماية مقابل إنفاق أوروبي سخي على السلاح الأمريكي.
اليوم، هناك إصرار على توطين صناعة السلاح وبناء سلاسل إمداد أوروبية خالصة. وكما صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطاباته المتكررة:
“لا يمكن لأوروبا أن تكون مجرد تابع للولايات المتحدة.. علينا أن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا بأنفسنا”.
التمرد المالي وكسر هيمنة الدولار
يتجاوز الشقاق حدود الثكنات العسكرية ليصل إلى المحافظ المالية. تسعى المؤسسات الأوروبية جاهدة لإيجاد بدائل لمنظومات “سويفت” و”باي بال” وشركتي “فيزا” و”ماستركارد”، وذلك عبر “مبادرة المدفوعات الأوروبية”. والهدف واضح: حماية الاقتصاد الأوروبي من أي سلاح “عقوبات” قد تشهره واشنطن مستقبلاً ضد حلفائها.
وفي خطوة رمزية وعملية بالغة الدلالة، قامت فرنسا بنقل احتياطاتها من الذهب من نيويورك إلى باريس، في حين تشهد ألمانيا وإيطاليا نقاشات سياسية محتدمة للسير على الخطى نفسها. هذا التوجه نحو “توطين الذهب” يعكس أزمة ثقة عميقة في الموثوقية الأمريكية على المدى الطويل.
الشقاق التكنولوجي والرقمي
لا يتوقف الشقاق الأوروبي الأمريكي عند الأموال والمدافع، بل يمتد إلى “السيادة الرقمية”. تبحث الحكومات الأوروبية اليوم عن بدائل للبرمجيات وأنظمة التشغيل الأمريكية، مدفوعة بمخاوف جدية من إمكانية قطع الخدمات الحيوية أو استخدام البيانات كأداة ضغط سياسي.
وبوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وصاحبة ثاني أكثر العملات الاحتياطية استخداماً، تدرك أوروبا أن وزنها الاقتصادي يمنحها القدرة على المناورة لخلق بيئة تكنولوجية مستقلة.
عدوى الانفصال.. كندا نموذجاً
لم تكن أوروبا وحدها من شعرت بوطأة “أمريكا غير الموثوقة”. ففي كندا، الجار الأقرب لواشنطن، اتخذت أوتاوا خطوات صريحة لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية. عبر توقيع أكثر من 20 اتفاقية اقتصادية وأمنية مع قوى دولية أخرى تشمل الصين، تسعى كندا من خلالها لتنويع وارداتها وحماية رفاهيتها من تقلبات المزاج السياسي في واشنطن.
معطيات تعزز فكرة الشقاق
ثمة معطيات ميدانية تؤكد أن الفجوة تتسع:
-التناقض في ملف الطاقة: تشتري أوروبا الآن الغاز الأمريكي بأسعار مضاعفة عما كان عليه الغاز الروسي، مما يولد شعوراً شعبياً وسياسياً بأن واشنطن تستفيد اقتصادياً من الأزمات الأمنية الأوروبية.
-قانون خفض التضخم الأمريكي (IRA): اعتبره القادة الأوروبيون طعنة في الظهر، كونه يحفز الشركات الأوروبية على الهجرة نحو الولايات المتحدة عبر دعم حكومي ضخم، مما دفع “جوزيب بوريل”، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي سابقا، للقول إن هذا القانون “لا يحترم قواعد منظمة التجارة العالمية ويضر بالصناعة الأوروبية”.
وخلاصة القول: لقد أدركت القوى الدولية التي كانت تعتمد كلياً على المظلة الأمريكية أن الاستمرار في هذا النهج هو مقامرة بمستقبلها. والتحول من “التحالف التبعي” إلى “الاستقلال الندّي” بات ضرورة وجودية، حيث قررت هذه الدول اتخاذ تدابير وقائية لحماية نفسها من حليف باتت تقلباته السياسية تشكل خطراً يفوق أحياناً تهديدات خصومها.
ولا شك أن هذا التوجه الأوروبي نحو “الاستقلال” سيسهم في إعادة تشكيل خارطة التحالفات الدولية في العقد القادم.