story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

هكذا تصدّر الأحرار تمويل الأحزاب المغربية معركة الانتخابات عبر الشاشات

ص ص

إلى جانب التجمعات والملصقات والمنشورات والتنقلات، أصبحت المنصات الرقمية فضاء يسمح بشراء الوصول إلى الجمهور، وتكرار الظهور أمامه، واستهدافه على مدى فترات قد تسبق الحملة الانتخابية الرسمية بوقت طويل وتتجاوزها إلى ما بعدها.

وتكشف البيانات التي جُمعت انطلاقا من خزانة شركة “ميتا”، أن انتخابات 2021 لم تكن سوى محطة داخل مسار رقمي أطول. فمن 11 ماي 2021 إلى 22 غشت 2026، تجاوز إنفاق الصفحة الرسمية للتجمع الوطني للأحرار على إعلانات “ميتا” 695 ألف دولار، مقابل نحو 67 ألف دولار لحزب الاستقلال. أي أن إنفاق هذا الأخير لم يمثل سوى أقل من 10 في المئة من إنفاق الأحرار خلال الفترة نفسها.

وبالنسبة إلى انتخابات 2021، تبيّن أن إنفاق حزب “الأحرار” خلال الفترة السابقة للاقتراع تجاوز 211 ألف دولار، وفق البيانات التي تقدّمها “ميتا”، قبل أن ينفق أكثر من 485 ألف دولار إضافية خلال ولايته الحكومية.

لا يتعلق الأمر بارتفاع القيمة المالية فقط، بل أيضا بكثافة الحضور. فقد أطلقت الصفحة الرسمية للتجمع الوطني للأحرار ما مجموعه 3,755 إعلانا سنة 2021، ثم 1,952 في 2022، قبل تراجع النشاط إلى 360 إعلانا في 2023 و189 في 2024، ثم ارتفاعه مجددا إلى 2,850 إعلانا في 2025 و1,270 في 2026.

يوضح هذا المسار أن الإعلان الرقمي لم يعد أداة موسمية مرتبطة حصرا بفترة الحملة، بل أصبح بنية تواصل سياسية مستمرة.

ويقدم حزب الاستقلال نمطا مختلفا. فقد بلغ إنفاقه في الفترة السابقة لانتخابات 2021 نحو 22 ألف دولار، ثم ارتفع إلى حوالي 45.5 ألف دولار خلال الولاية الحكومية التالية. أما الأصالة والمعاصرة، فرغم حلوله ثالثا بين أحزاب الأغلبية من حيث إجمالي الإنفاق، فإنه سجل التحول الأكبر، ولم يتجاوز إنفاقه قبل انتخابات 2021 نحو 630 دولارا، قبل أن يتجاوز 52 ألف دولار في الفترة اللاحقة، أي أن الإنفاق السابق للانتخابات لم يكن يمثل سوى نحو 1.2 في المئة من إنفاقه اللاحق.

وتبدو الفجوة أكثر اتساعا مستوى المعارضة. فقد تصدر حزب التقدم والاشتراكية أحزاب المعارضة التي شملها الرصد بإنفاق إجمالي ناهز 10 آلاف دولار، أنفق أكثر من 82 في المئة منه خلال الولاية الحكومية المنقضية. ولم يتجاوز إنفاق الاتحاد الدستوري 4 آلاف دولار، والاتحاد الاشتراكي نحو 3.5 آلاف دولار، والعدالة والتنمية حوالي 2.8 ألف دولار عبر صفحته الرسمية.

ولا تعكس البيانات بذلك مجرد اختلاف في أساليب التواصل، بل اختلالا كبيرا في القدرة على شراء الحضور الرقمي بين الأحزاب.

غير أن المال المدفوع لا يعمل في فراغ؛ فهو يشتغل فوق قواعد جماهيرية متفاوتة أصلا. ففي تاريخ الرصد، كان التجمع الوطني للأحرار يتصدر صفحات الأحزاب على فيسبوك بنحو 1.4 مليون متابع، يليه العدالة والتنمية بحوالي 1.2 مليون، ثم الأصالة والمعاصرة بـ565 ألفا، والتقدم والاشتراكية بنحو 394 ألفا، والاستقلال بـ169 ألفا، والاتحاد الاشتراكي بـ156 ألفا، والاتحاد الدستوري بنحو 73 ألفا.

ويلاحظ أن نمو الجمهور العضوي لا يعني بالضرورة كثافة الإنفاق المدفوع. فالعدالة والتنمية، مثلا، يمتلك ثاني أكبر جمهور بين الصفحات التي شملها الرصد، لكنه يوجد في ذيل ترتيب الإنفاق الإعلاني. وعلى العكس، جمع التجمع الوطني للأحرار بين أكبر قاعدة متابعة وأكبر قدرة مالية على مضاعفة الوصول إليها وإلى جماهير جديدة. ولذلك لا تقيس أرقام “ميتا” الشعبية وحدها، بل تقيس القدرة على تحويل الموارد المالية إلى حضور متكرر وموجّه في الشاشة.

وتكشف المعطيات امتداد الإنفاق إلى الوجوه الحكومية نفسها، إذ تصدّر عزيز أخنوش، من خلال صفحتي “عزيز أخنوش” و”رئيس الحكومة المغربية”، بإنفاق إجمالي تجاوز 59 ألف دولار، تليه وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور بنحو 54 ألف دولار، ثم فاطمة الزهراء المنصوري بـأزيد من 42 ألف دولار، والمهدي بنسعيد بنحو 30 ألف دولار، وعبد اللطيف وهبي بما يقارب 7 آلاف دولار.

وعند تجميع هذه الشخصيات بحسب انتمائها الحزبي، بلغ إنفاق المنتمين إلى التجمع الوطني للأحرار نحو 113 ألف دولار، مقابل نحو 76 ألف دولار لأعضاء الأصالة والمعاصرة.

أما بالنسبة للإنفاق المؤسساتي للقطاعات الحكومية، فقد تصدرت وزارة الصناعة والتجارة بنحو 84 ألف دولار، تلتها وزارة التجهيز والماء بحوالي 82 ألف دولار، ثم وزارة الشباب والثقافة والتواصل بنحو 63 ألف دولار، مقابل نحو 6 آلاف دولار لوزارة الفلاحة و3.4 آلاف دولار لوزارة الصحة.

ويعود الرقم الأكثر أهمية إلى صفحة “الحكومة المغربية” نفسها. فمن 25 يناير 2022 إلى 17 غشت 2026 سجلت الصفحة إنفاقا بلغ 576,713 دولارا، موزعا على 3,163 إعلانا. وتركز العدد أساسا في 2022 بـ1,455 إعلانا، ثم 724 في 2023، و349 في 2024، و517 في 2025، و118 خلال الجزء المرصود من 2026.

لا يقلّ مضمون هذه الإعلانات أهمية عن قيمتها. فقد خُصصت 16.9 في المئة منها للصحة والحماية الاجتماعية، و12 في المئة للاقتصاد والاستثمار والتشغيل، و10 في المئة للحصيلة والتواصل الحكومي، و8 في المئة للفلاحة والماء، و8 في المئة للتعليم والتكوين، و7.2 في المئة للدعم الاجتماعي والقدرة الشرائية، إضافة إلى نسب أقل للسياحة والثقافة والبنية التحتية.

وتكشف قاعدة الإعلانات كذلك عن شخصنة قوية للتواصل الحكومي. فقد ورد اسم عزيز أخنوش في 450 إعلانا، بفارق هائل عن يونس السكوري، الذي ورد في 28 إعلانا، ثم رياض مزور في 20 إعلانا، وفوزي لقجع في 19 إعلانا. ثم تأتي بعدهم أسماء محمد صديقي في 17 إعلانا، وعبد اللطيف ميراوي في 13 إعلانا، ثم أمين التهراوي، وخالد آيت الطالب وعواطف حيار وليلى بنعلي، ثم نادية فتاح وشكيب بنموسى وغيثة مزور، ومصطفى بايتاس وفاطمة الزهراء عمور.

الإسم عدد الإعلانات مرات ورود الاسم
عزيز أخنوش 444 451
رياض مزور 20 25
فوزي لقجع 19 20
محمد صديقي 17 20
عبد اللطيف ميراوي 13 14
يونس السكوري 11 12
أمين التهراوي 10 10
خالد آيت الطالب 9 9
عواطف حيار 9 12
ليلى بنعلي 9 13
نادية فتاح 8 10
شكيب بنموسى 8 8
غيثة مزور 8 13
مصطفى بايتاس 7 7
فاطمة الزهراء عمور 7 8

لا تسمح لنا هذه الأرقام بخلط الدعاية الحزبية بـالتواصل الحكومي، ولا باعتبار الإنفاق المؤسساتي إنفاقا انتخابيا. كما أنها لا تثبت أن الإعلان الرقمي هو الذي صنع نتائج انتخابات 2021. لكنها تكشف بيئة سياسية جديدة تتداخل فيها ثلاث دوائر مختلفة من الحضور المدفوع: الحزب، والشخصية السياسية، والمؤسسة الحكومية. ويعتبر الفصل القانوني والمحاسبي بينها ضروري، لكن وجودها المتزامن على شاشة المواطن مهم لفهم ميزان القوة الاتصالية الذي تدخل به الأحزاب إلى المنافسة.

بهذا لم يعد سؤال “مردودية المال” محصورا في عدد الأصوات التي يمكن أن تنتجها نفقات حملة موثقة لدى المجلس الأعلى للحسابات. فالحزب القادر على الإنفاق رقميا يستطيع أن يشتري الوصول والتكرار والاستهداف والزمن؛ أي أن يظل حاضرا أمام الناخب قبل بدء الحملة الرسمية بمدة طويلة، وأن يبني رصيدا من الظهور لا يبدأ عداده يوم افتتاح الحملة.

ويبدو أن المشرع نفسه أصبح يرى هذه الطبقة بوضوح أكبر. ففي 22 أبريل 2026 صدر المرسوم رقم 2.26.279، وارتفع سقف المصاريف الانتخابية الخاصة بكل مترشح لمجلس النواب من 500 ألف إلى 600 ألف درهم.

ولم يقتصر التعديل على رفع السقف، بل أدخل صراحة إنجاز وبث الوصلات والنداءات والمداخلات والحوارات عبر الوسائل الرقمية ضمن المصاريف الانتخابية، ووسع مفهوم هذه الوسائل ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات والتطبيقات المعتمدة على الإنترنت أو الأنظمة المعلوماتية.

كما حُدد إنفاق المترشح عبر الوسائل الرقمية في حدود ثلث مصاريف حملته، مع سقف إجمالي يبلغ 800 ألف درهم للائحة المحلية و1.5 مليون درهم للائحة الجهوية، فيما حدد نص مواز سقف المصاريف الرقمية للحزب في خمسة ملايين درهم.

وهكذا يعود السؤال الذي بدأناه من انتخابات 2021 بصورة أكثر إلحاحا: إذا كان المرشحون قد مولوا بالفعل قرابة ثلثي موارد حملاتهم من أموالهم الخاصة عندما كان سقف الإنفاق أدنى، وكان الفارق في القدرة على شراء الوصول الرقمي بين الأحزاب يبلغ أحيانا عشرات المرات، فماذا يحدث عندما تتسع في الوقت نفسه الحدود القانونية للإنفاق، ومساحة التمويل الخاص، والأدوات الرقمية التي يمكن توظيف المال داخلها؟

*هذا المقال جزء من العدد 122 من مجلة “لسان المغرب” حول الإنتخابات التشريعية 2026. لقراءة العدد كاملا، يرجى الضغط على الرابط