story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

نيجيريا.. بلاد بين الثروة والفقر وكرة القدم

ص ص

المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم في مباراة نصف نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025، لن يكون فقط في مواجهة منتخب كرة قدم يمثل بلادا في القارة السمراء، بل هو في امتحان حقيقي أمام قوة كروية عتيدة تراكم تاريخا كبيرا على المستوى القاري والعالمي.

هذا المنتخب “الأخضر” الذي يتواجد اليوم في الرباط، هو قشدة شعب يتنفس كرة القدم.. في نيجيريا، كرة القدم ليست مجرد لعبة رياضية، بل هي المحرك الاقتصادي، والبلسم الاجتماعي، والتذكرة الذهبية للهروب من براثن الفقر، لقد تحولت المستديرة إلى قوة ناعمة ساهمت بشكل جذري في تطوير الحياة المعيشية لملايين النيجيريين. ​

دخلت كرة القدم الى نيجيريا على يد البريطانيين مع مطلع القرن العشرين. وارتبط وجودها في البداية بالنظام التعليمي. وبعد وصولها إلى نيجيريا، وتحديدا إلى كالابار ولاغوس، شهدت هذه المناطق تسجيل أول مباراة كرة قدم موثقة في يونيو 1904، وذلك في مدرسة نخبوية بمدينة كالابار. وكانت مدرسة Hope Waddell Training Institution تشهد مواجهات منتظمة بين طلابها من النخبة والبحارة الراسين في الميناء، وقد أدى ذلك لاحقا إلى تأسيس كأس بيفرلي عام 1906، الذي يعد من أوائل بطولات كرة القدم التي أقيمت في غرب إفريقيا.

وانتشر لعب كرة القدم في نيجيريا عموما بفضل المبشرين المسيحيين، إلى جانب القوى الاستعمارية. وكان دور المدارس محوريا في هذا الانتشار، إذ سعى المبشرون إلى تعزيز النمو البدني لدى الأطفال، معتبرين كرة القدم نشاطا يحافظ على لياقتهم البدنية، وفي الوقت نفسه أداة تعليمية لغرس مفاهيم الانضباط، ورفع المعنويات، وتعليم مبادئ الكاثوليكية. ومن خلال خريجي مدرسة Hope Waddell، استمر انتشار اللعبة بين المدارس، خاصة في منطقة لاغوس.

وخلال خمسينيات القرن الماضي، شهدت العديد من الدول الإفريقية حركات قومية احتجاجا على السيطرة الاستعمارية. وفي نيجيريا، منحت كرة القدم المواطنين شعورا بالفخر الوطني، وألهمتهم السعي نحو الاستقلال السياسي. وقد لعب ننامدي ازيكيوي (أول رئيس لنيجيريا في الفترة مابين 1963-1966) دورا محوريا في مساعدة نيجيريا على نيل استقلالها عن بريطانيا.

نيجيريا يزيد عدد سكانها على 230 مليون نسمة من عشرات العرقيات، بينها مجموعة عربية صغيرة تسمى الشاوية. رغم ثروتها النفطية، يعيش نصف السكان تحت خط الفقر، و60% منهم لا يحصلون على الكهرباء.

عاصمتها أبوجا، اختيرت في موقع محايد لتفادي الصراعات القبلية، بينما شمال البلاد مسلم، والساحل والمجتمعات الداخلية مسيحية ومعتنقة لأديان أخرى، ما أفرز جماعات مثل “بوكو حرام” التي تستهدف المدارس بشكل غير مسبوق.

في “دلتا النيجر”، حيث حقول النفط، تعيش أكثر من 20 مليون نسمة من أكثر من 40 عرقية و250 لهجة، والمناطق تشهد مواجهات مسلحة منذ عقود. رغم ذلك، نيجيريا تملك ثقافة قوية، وصناعة سينما “نوليوود” ثاني أكبر إنتاج عالمي، ولها تأثير كبير على الأمريكيين من أصل إفريقي، حتى في منتجات كرة القدم.

وتمتد نيجيريا على مساحة برية واسعة وسط إفريقيا، لها إطلالة على خليج غينيا واحتياطيات ضخمة من النفط والغاز، ما يجعل استقرارها أولوية للقارة، رغم أن عائدات البترول (7.9 مليارات دولار) أقل من تحويلات المغاربة حول العالم (13 مليار دولار).

وتُعد كرة القدم في نيجيريا اليوم مصنعا للأمل بالنسبة لآلاف الشباب، يمثل فيه الاحتراف في الدوريات الأوروبية أو حتى المحلية، وسيلة لانتشال عائلات بأكملها من تحت عتبة الفقر. ​حيث تتدفق ملايين الدولارات سنويًا إلى نيجيريا عبر صفقات بيع آلاف المواهب إلى الأندية الكبيرة في أوربا وآسيا.

وأصبحت القيمة التسويقية لبعض اللاعبين النيجيريين المحترفين في الخارج (مثل فيكتور أوسيمين وأديمولا لقمان، أليكس أيوبي) تصل إلى مبالغ كبيرة .. هذه الأموال يستثمر كثير منها في بناء المستشفيات، المدارس، والمشاريع الصغيرة في قرى هؤلاء النجوم ومدنهم الأصلية. ​

في نيجيريا خلف كل مباراة كرة قدم للمنتخب الوطني أو الدوري المحلي، هناك منظومة اقتصادية متكاملة، من بائعي القمصان والمعدات الرياضية، إلى أصحاب المقاهي التي تكتظ بالمشجعين، وصولاً إلى وكلاء اللاعبين ومدربي الأكاديميات الكروية التي انتشرت في كافة ولايات نيجيريا.

ولم يعد دور هذه الأكاديميات مقتصرًا على تعليم المهارات التقنية، وتلقين الأساليب التكتيكية في كرة القدم، بل أصبحت مراكزَ للتنشئة الإجتماعية والتعليمية للشباب واليافعين، حيث تخضع الكثير منها لبرامج متطورة في الانضباط الدراسي والالتزام السلوكي بموازاة مع ممارسك كرك القدم.

هذا التوجه ساهم في تقليل معدلات الجريمة والتسرب من التعليم في أوساط فئات الفتيان المستفيدين من منظومة تكوين كرة القدم، ووفر للشباب مسالك مهنية متنوعة بموازاة مع التأهيل الرياضي.

نيجيريا التي تعاني منذ القدم من انقسامات عرقية ودينية حادة، كرة القدم فيها هي “اللغة الوحيدة” التي يتحدثها جميع النيجيريين بطلاقة، عندما يسجل المنتخب الوطني (النسور الخضراء) هدفاً، تختفي الفوارق بين “الهوسا”، “الإيغبو”، و”اليوروبا” حيث تساهم النجاحات الكروية للمنتخبات النيجيرية في تعزيز الشعور بوحدة الوطن وبالفخر القومي، مما ينعكس إيجابياً على الاستقرار النفسي والاجتماعي للسكان، ويكرس ارتباطهم بالمجتمع النيجيري الكبير عوض تبعيتهم للطائفة الإثنية أو المذهب الديني.

وتظهر استطلاعات الرأي أن غالبية النيجيريين يتابعون أيضا مباريات كرة القدم الدولية وخاصة الأوروبية، وبسبب العدد الكبير من اللاعبين النيجيريين في الدوري الانجليزي الممتاز، إضافة الى كون نيجيريا دولة ناطقة بالانجليزية، فإن معظم النيجيريين يشجعون أندية إنجليزية.

وتعد أندية تشيلسي ومانشستر يونايتد وأرسنال الأكثر شعبية في نيجيريا. كما تحظى الأندية الإسبانية، مثل ريال مدريد وبرشلونة، بشعبية واسعة بين النيجيريين.

وقد حققت كرة القدم النيجيرية، على مستوى الفئات السنية والمنتخبات النسوية، إنجازات بارزة عززت مكانة البلاد قاريا ودوليا.، بحيث أنه على صعيد منتخبات الشباب، يعد منتخب الناشئين من أنجح المنتخبات في تاريخ بطولات الفيفا، بعدما توج بلقب كأس العالم تحت سبعة عشر عاما أعوام 1985 و1993 و2007 و2013 و2015، ما رسخ سمعة نيجيريا كقوة كروية عالمية في فئة الناشئين.

كما سجل منتخب الشباب تحت عشرين عاما حضورا لافتا في البطولات الدولية، إذ شارك لأول مرة في بطولة العالم عام 1983، وبلغ نهائي كأس العالم للشباب عام 1989، وحقق مباريات تاريخية عززت مكانته على الساحة الدولية.

وعلى مستوى المنتخب الأولمبي، حققت نيجيريا إنجازا تاريخيا في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية عام 1996 في أتلانتا الأمريكية، عندما أصبحت أول دولة إفريقية تحرز الميدالية الذهبية في كرة القدم. وقد شكل هذا التتويج محطة مفصلية في تاريخ الكرة الإفريقية، وأسهم في تحسين صورة نيجيريا كرويا، وألهم جيلا من اللاعبين الذين واصل العديد منهم مسيرات احترافية ناجحة لاحقا.

أما كرة القدم النسوية، فقد رسخت نيجيريا موقعها كقوة مهيمنة في القارة الإفريقية منذ أوائل التسعينيات، حيث فاز المنتخب النسوي بلقب كأس إفريقيا للسيدات 11 مرة بين عامي 1991 و2018. كما تعد نيجيريا الدولة الإفريقية الوحيدة التي شاركت في جميع نسخ كأس العالم للسيدات منذ انطلاقها، ونجحت في بلوغ الدور ربع النهائي، وهو أفضل إنجاز إفريقي في البطولة.

ورغم هذه النجاحات المتواصلة، لا تزال اللاعبات يواجهن تحديات تتعلق بالمساواة في الأجور والمعاملة، ما أدى إلى احتجاجات ومطالبات علنية بتحسين أوضاع كرة القدم النسوية.

وبشكل عام، تعكس هذه الإنجازات المتراكمة، الممتدة من ثمانينيات القرن الماضي وحتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، الدور المحوري لكرة القدم في نيجيريا، سواء كرافعة للنجاح الرياضي أو كأداة للتعبير عن الطموح الوطني، رغم استمرار التحديات الإدارية والاجتماعية التي تواجه مختلف فروع اللعبة.