نتنياهو يعلن عن “محور إقليمي جديد”.. حمودي: إسرائيل تخشى تصاعد أدوار تركيا والسعودية
في خطاب سياسي أثار جدلاً واسعًا، عاد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ليتحدث عن ملامح نظام إقليمي جديد في ذهنه، مروجًا لمحور يمتد من الهند واليونان ويشمل دولًا عربية وإفريقية.
هذا الطرح لا يأتي في سياق اقتصادي بحت، بل يظهر كخطوة استباقية لمواجهة تكتلات معادية، بحسب نتنياهو – المطلوب لدى محكمة الجنائية الدولية – في إشارة منه إلى ما وصفه بـ“محور سني يتشكل” وآخر “شيعي ينهار”.
احتقان واصطفافات إقليمية
في هذا الصدد يرى إسماعيل حمودي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، أن الصراع يندرج ضمن مساعٍ تقودها واشنطن وتل أبيب لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، مشيرًا إلى أن خطاب نتنياهو لا يمكن فصله عن التحولات التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر 2023، والتي اعتُبرت أنها أحدثت خلخلة في موازين القوى الإقليمية.
ودخل المحور الذي تقوده إيران، ويضم حلفاء مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وفصائل فلسطينية، كما كان يشمل نظام بشار الأسد في سوريا، – بحسب تعبيره – (دخل) مرحلة تراجع وانتقال من وضعية هجومية بعد الربيع العربي إلى وضعية دفاعية بعد معركة 7 أكتوبر.
في المقابل، ترى إسرائيل، بدعم أمريكي، ضرورة تكريس محور مضاد يقوم على دمجها في المنطقة تحت مظلة “اتفاقات أبراهام”، التي رعتها إدارة دونالد ترامب. ويضيف حمودي أن هذا المسار كان يستهدف بناء اصطفاف إقليمي في مواجهة إيران، مع توسيع دائرة التطبيع.
لكن التطور الأبرز، وفق التحليل ذاته، يتمثل في بروز تقارب تركي-سعودي-باكستاني-مصري، وهو ما يصفه مراقبون بـ“المحور السني”، وإن كان حمودي يتحفظ على التسمية، مفضّلًا الحديث عن “تقاطع موضوعي في المصالح” لم يرقَ بعد إلى تحالف مكتمل الأركان، نظرًا لاستمرار الخلافات بين أطرافه في ملفات مثل ليبيا. إلا أنه يمثل “كتلة صلبة” بدأت تُفقد المحور الإسرائيلي غطاءه الإقليمي الكامل.
في هذا السياق، ترى إسرائيل نفسها في مواجهة متدرجة، بدأت بمواجهة قوى المقاومة، ثم دخلت في صراع مع المحور الذي تقوده إيران، وهي اليوم أمام احتمالات احتكاك سياسي أو استراتيجي مع قوى إقليمية مركزية مثل السعودية ومصر وتركيا، بحسب حمودي. هذا الوضع يضعها في حالة توتر مع عدد كبير من دول المنطقة، بما في ذلك دول لديها علاقات دبلوماسية رسمية معها مثل مصر والأردن.
وعليه، فإن التصريحات الصادرة عن نتنياهو تُفهم، في هذا التحليل، على أنها تعبير عن حالة تعبئة واستقطاب إقليمي، حتى تجاه دول تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل، وهو ما يعكس مستوى عالٍ من الاحتقان في النظام الإقليمي الراهن.
إحياء لطموح قديم
ضمن هذا الإطار، يربط حمودي بين خطاب نتنياهو ومشروع الربط الاقتصادي الهندي–العربي–الأوروبي (IMEC)، الذي أُعلن عنه سنة 2019 بالتوازي مع ما عُرف بـ“صفقة القرن”. ويهدف المشروع إلى ربط الهند بأوروبا مرورًا بالإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، وصولًا إلى إيطاليا وفرنسا وألمانيا.
غير أن هذا المشروع، بحسب حمودي، واجه عقبات سياسية منذ البداية، بسبب تحفظات مصر وتركيا، فضلًا عن كونه – في تقديره – كان سيؤثر على مصالح قناة السويس. كما أن التوترات المستجدة بين السعودية والإمارات تجعل فرص إحيائه محدودة على المدى القريب، نظرًا لاعتماد مساره على تعاون الرياض وعمّان.
إذن، ما أشار إليه نتنياهو ليس مشروعًا جديدًا، بحسب المتحدث، بل إعادة إحياء لمشروع أُعلن عنه منذ سنوات ولم يحقق تقدمًا يُذكر. ومع التطورات الأخيرة، خاصة في ظل توتر العلاقات بين السعودية والإمارات، يكون الحديث عن مستقبل واضح لهذا المشروع أمرًا صعبًا.
ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن إدماج الهند واليونان في المحور المقترح يعكس سعيًا إسرائيليًا لاستدعاء قوى إقليمية ودولية قادرة على موازنة أدوار تركيا وإيران. “فالهند تمثل قوة نووية واقتصادية صاعدة، فضلاً عن خزانها البشري، بينما يشكل استحضار اليونان بوابة لاستدعاء الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، خصوصًا في ظل التوتر التركي–اليوناني في شرق المتوسط”.
ويحلل حمودي استدعاء نتنياهو للهند واليونان كـ “توازن قوى” مقصود؛ فالهند كقوة نووية واقتصادية يُراد منها موازنة ثقل تركيا وإيران والسعودية، بينما يمثل إقحام اليونان بوابة لاستدعاء غير مباشر للغطاء “الأوروبي-الأطلسي” لمواجهة أنقرة والتأثير عليها، إذ تدرك تل أبيب عجزها عن مواجهتها منفردة.
ويؤكد الأكاديمي أن إسرائيل، رغم تفوقها التكنولوجي والعسكري، تبقى دولة محدودة من حيث العمق الجغرافي والكتلة السكانية، ما يدفعها إلى البحث عن تحالفات مع قوى إقليمية كبرى لتعويض هذا القصور. ويرى أن الخطاب الإسرائيلي يعكس إدراكًا لتصاعد أدوار قوى إقليمية مثل تركيا والسعودية ومصر، وما قد يترتب على ذلك من إعادة توزيع مراكز الثقل في المنطقة.
ويلفت حمودي الانتباه إلى نقطة جوهرية في التحول الإقليمي، وهي القناعة السعودية المتزايدة بأن الإمارات تنفذ استراتيجية تخدم المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر في المنطقة. هذا التباين وضع الرياض في حالة صراع مع أبوظبي ومواجهة غير مباشرة مع تل أبيب، مما دفع السعودية للتقارب أكثر مع المحور (التركي-المصري-القطري) لخلق نوع من التوازن، وهو ما يفسر حدة الخطاب الإسرائيلي الذي يشعر بضيق الخيارات الإقليمية.
كما يعتبر أن الحديث عن “محور شيعي ينهار” و“محور سني يتشكل” يندرج في إطار تعبئة سياسية تهدف إلى إعادة رسم خطوط الاستقطاب الإقليمي، أكثر مما يعكس واقع تحالفات متماسكة ومستقرة.
الموقف المغربي
وبخصوص موقع المغرب، يرى حمودي أن الرباط تتبنى مقاربة مركبة وحذرة. موضحا انه منذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش البلاد، اتجهت السياسة الخارجية المغربية إلى تقليص انخراطها المباشر في قضايا المشرق، مع الحفاظ على علاقات وثيقة بدول الخليج ضمن إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
غير أن هذا التركيز الخليجي يجعل المغرب يتأثر بأي انقسام داخل المجلس، كما حدث خلال أزمة قطر عام 2017. ويرى حمودي أن التوتر السعودي–الإماراتي الحالي لا يخدم المصالح المغربية، مرجحًا أن تميل الرباط إلى تشجيع الوساطة والحفاظ على تماسك الكتلة الخليجية.
“عندما تكون دول الخليج منسجمة، يتحرك المغرب بأريحية أكبر، ويستفيد من دعم جماعي، أما في حالة الانقسام، فتضيق هامش مناورته”، يقول حمودي. لذلك يُحتمل أن يسعى المغرب، كما فعل في أزمات سابقة، إلى لعب دور الوسيط بين السعودية والإمارات، لأن استمرار الاحتكاك بينهما لا يصب في مصلحته.
أما اقتصاديًا، يؤكد المحلل السياسي أن استراتيجية المغرب تتجه أساسًا نحو إفريقيا، حيث عزز حضوره الاستثماري والاقتصادي خلال السنوات الأخيرة. أما سياسيًا، فيحافظ المغرب على ارتباط أي انخراط إقليمي بضرورة التقدم في مسار حل القضية الفلسطينية، بما يشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ورغم متانة العلاقة مع دول الخليج، إلا أن المغرب يجد نفسه في وضع دقيق عند حدوث انقسام خليجي-خليجي، مما قد يدفعه للعب دور “الوسيط” للحفاظ على وحدة مجلس التعاون التي تخدم مصالحه.
ويشدد حمودي على أن انخراط المغرب في أي مبادرات إقليمية جديدة ليس “مجانياً”، بل مرهون بتقدم حقيقي وملموس في ملف الدولة الفلسطينية المستقلة وفق حل الدولتين، مما يعني رفضه للتموضع الحاد في محاور لا تخدم المرجعية الأممية للقضية.