story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أمن وعدالة |

منها 10 سنوات بالمغرب.. مذكرات “بيدوفيل” فرنسي تكشف اعتداءه على 89 طفلا خلال 6 عقود

ص ص

بين المغرب وفرنسا ودول أخرى، قضية اغتصاب أطفال تتكشف فصولها تباعا، 89 ضحية على الأقل، واعتداءات جنسية وعمليات اغتصاب بحق قاصرين امتدت عبر خمس قارات، في تسع دول مختلفة من بينها المغرب، وعلى مدى أكثر من نصف قرن، من عام 1967 إلى غاية 2022.

خلف هذا السجل الثقيل يقف مشتبه واحد فقط، سبعيني يقبع اليوم رهن الاعتقال في منطقة غرونوبل الفرنسية منذ سنة 2024، بعدما دوّن بنفسه تفاصيل جرائمه في 15 مجلداً من المذكرات، كانت آخر فصولها تُسجَّل داخل المغرب على امتداد عقد كامل.

المشتبه به هو الفرنسي جاك لوفوغل (79 عاماً)، الذي استغل ستة عقود من حياته لارتكاب انتهاكات بحق أطفال في كل بلد استقر فيه للعمل، دون مؤهلات رسمية واضحة، بصفة معلم أو مربي، في فرنسا وسويسرا وألمانيا، وكذلك في إفريقيا، خصوصاً في المغرب والجزائر والنيجر.

وكشف تحقيق قضائي فُتح رسمياً بعد توقيفه سنة 2024 عن تورطه في ارتكاب 89 حالة اغتصاب واعتداء جنسي على قاصرين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، غالبيتهم فتيان، بين عامي 1967 و2022. وتأتي هذه التحقيقات، بحسب وسائل إعلام فرنسية، بعد اكتشاف مذكرات وصور وثّق فيها تفاصيل انتهاكاته بشكل منهجي، ما أدى إلى توقيفه ووضعه رهن الحبس الاحتياطي بقرار من قاضي التحقيق في غرونوبل.

القضية، التي انطلقت شرارتها بعد عثور أحد أقاربه على مفتاح ذاكرة (USB) يحتوي على أرشيفه السري، كشفت عن وجه مزدوج: رجل حظي بثقة تلاميذ وعائلاتهم، وفي المقابل شخص استغل مكانته التربوية لارتكاب جرائم خطيرة. وحتى الآن، تم التعرف رسمياً على نحو 40 ضحية من أصل 89 اسماً مدوناً في دفاتره، فيما لا تزال السلطات تبحث عن بقية الضحايا داخل فرنسا وخارجها.

البيدوفيل بالمغرب

في الوقت الذي أصدر فيه المدعي العام في غرونوبل، إتيان مانتو، نداء دولياً للشهود يوم الثلاثاء الماضي، خيّم الذهول على مدينة صغيرة وسط المغرب، رجحت وسائل إعلام أن تكون خنيفرة. هناك، لم يكن جاك لوفوغل مجرد أجنبي عابر، بل كان يُعرف بـ”الأستاذ” أو “مسيو جاك”؛ سبعيني يتحدث العربية، ويخصص وقته لتعليم أبناء عائلات معوزة.

استقر لوفوغل بهذه المدينة خلال السنوات التي سبقت توقيفه، وتشير التحقيقات إلى أنه اتخذ من المغرب مستقراً رئيسياً بين عامي 2010 و2022، حيث نسج علاقات واسعة مع عائلات محلية وأصبح جزءاً من النسيج الاجتماعي. ووفق شهادات أوردتها إذاعة فرنسا الدولية (RFI)، كان يقدم دروساً خصوصية مجانية في الفرنسية والإنجليزية، وينظم أنشطة صيفية ورحلات تخييم للأطفال في الجبال المحيطة بالمدينة.

وبحسب شهادات نقلتها “RFI” ومصادر محلية، بنى المتهم “هالة من القدسية” حول نفسه باعتباره فاعل خير، ما جعل الشك في سلوكه أمراً مستبعداً داخل بيئة اجتماعية محافظة تقدّر مكانة المعلم.

غير أن صورة “المعلم المثالي” لم تمنع ظهور مؤشرات مقلقة؛ إذ تحدث بعض التلاميذ المغاربة عن سلوكيات غير مألوفة، من بينها لمس جسدي غير مبرر وحرصه على الاقتراب الشديد من الأطفال أثناء الدروس، ما أثار تساؤلات لدى بعض الأسر.

وبحسب المدعي العام في غرونوبل إريك مانتو، لم يعتمد لوفوغل على العنف الجسدي، بل على ما وصفه المحققون بـ”الإغراء الفكري”. وقال مانتو: “كان يستميلهم عبر نوع من الإغراء الفكري للقاصر، ثم يتدرج نحو الجانب الجنسي في إطار من المزاح”، مضيفاً: “كان يرى نفسه أشبه بالإغريقي القديم الذي يُكوّن فتياناً شباباً”. كما وصفت النيابة سلوكه بأنه يعكس “إحساساً بكلّية القدرة”، حيث كان يبرر أفعاله باعتبارها شكلاً من “التربية الجنسية”.

وتشير إحدى الشهادات التي استقتها الإذاعة الفرنسية إلى أنه أنشأ مكتبة مفتوحة لأطفال الحي، وكان يقدم دروساً خصوصية مجانية في الفرنسية والإنجليزية.

ويقول أحد تلاميذه السابقين: “لم يترك بيتاً فيه أطفال إلا ودخله. كان يساعد العائلات الفقيرة مادياً، ويصطحبنا في رحلات تخييم صيفية إلى الجبال. كنا نراه منقذاً، ولم نكن نعلم أن خلف هذا اللطف شخصاً يوثق اعتداءاته في مذكرات سرية”.

مذكرات الجريمة

بداية سقوطه جاءت من فرنسا عام 2024، بعدما عثر ابن أخيه على مفتاح ذاكرة يحتوي على 15 مجلداً من المذكرات المفصلة التي كتبها بخط يده، يسرد فيها تفاصيل اعتداءاته، بأسماء وتواريخ دقيقة، على 89 قاصراً.

كما كشفت التحقيقات عن جانب مظلم آخر في شخصيته؛ إذ اعترف بقتل والدته عام 1974، ثم خالته في سويسرا عام 1992، خنقاً بوسادة، مبرراً ذلك بدافع “الرحمة”. ورغم أن هاتين الجريمتين مشمولتان بالتقادم في القانون الفرنسي، فإنهما تعكسان نمطاً سلوكياً شديد الخطورة، وقد فُتح تحقيق قضائي منفصل بشأن جرائم القتل.

تحقيق ونداء عاجل

أكد الادعاء العام الفرنسي فتح تحقيق بشأن الوقائع التي يُشتبه في ارتكابها بالمغرب بين عامي 2010 و2022، مع تنسيق قضائي بين السلطات الفرنسية ونظيرتها المغربية.

غير أن الملف يواجه تحدياً قانونياً يتعلق بآجال التقادم، إذ إن بعض الجرائم المرتكبة قبل سنة 1993 قد لا تكون قابلة للملاحقة في فرنسا. وأوضح المدعي العام أن التحقيق يجب أن يُحسم خلال سنة 2026 إذا أُريدت إحالة الملف على المحاكمة ضمن آجال معقولة، نظراً لسن المشتبه به.

وقد وجّه الادعاء نداءًدولياً إلى الضحايا المحتملين، سواء في فرنسا أو خارجها، للتقدم بشهاداتهم، وأطلقت السلطات رقماً أخضر (0-800-20-01-42) لهذا الغرض.

وبحسب التحقيقات، ارتكب لوفوغل اعتداءات في فرنسا، المغرب، الجزائر، سويسرا، ألمانيا، النيجر، كولومبيا، الفلبين، البرتغال، الهند، إضافة إلى كاليدونيا الجديدة.

وتعود علاقات المشتبه به بالمغرب إلى ستينيات القرن الماضي حين درس بثانوية غورود في الرباط، التي أصبحت لاحقاً ثانوية الحسن الثاني، قبل أن يشتغل مطلع السبعينيات مدرساً للغة الإنجليزية في لاكداريا بالجزائر.

ويُرجّح بحسب وسائل الإعلام أنه قد أقام في السنوات الأخيرة بخنيفرة، حيث عاش حياة وصفها البعض بالهادئة. ويُعتقد أن الاعتداءات استمرت حتى عام 2022، ما خلّف صدمة عميقة في المدينة التي كان يُنظر إليه فيها كفاعل خير ومعلم متطوع.

اليوم، يقبع جاك لوفوغل رهن الاعتقال في فرنسا في انتظار محاكمته، بينما تواصل التحقيقات سعيها لتحديد العدد الكامل للضحايا المحتملين الذين ما تزال هوياتهم مجهولة. وفي المغرب، تطرح القضية أسئلة ملحّة حول حماية الأطفال، ومراقبة الأنشطة التربوية غير الرسمية، وحدود الثقة داخل المجتمعات المحلية.