story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
ثقافة |

مفكرون و اقتصاديون يناقشون الثقافة والهوية كرافعة للتنمية في ظل التحولات المتسارعة

ص ص

نظمت مؤسسة محيط للدراسات والبحوث يوم السبت 07 فبراير 2026، ندوة وطنية بعنوان “المغرب و رهان الثقافة في واقع متحول”، شارك فيها عدد من المفكرين والباحثين والاقتصاديين.

و تأتي الندوة في ظل تحولات عالمية متسارعة تتسم باللايقين وسيولة القيم والمعاني، وزيادة الصراع حول المرجعيات الثقافية،حيث لم تعد الثقافة مجالا رمزيا فحسب، و إنما أضحت رافعة استراتيجية للتنمية الشاملة، ووسيلة لتعزيز الهوية وترسيخ السيادة.

ويرى العديد من الخبراء والمفكرين أن النقاش حول التنمية والهوية يجب أن يجمع بين البعد الفكري والثقافي والبعد الاقتصادي. فالأول يركز على ضرورة ضبط الخطابات الهوياتية عبر المواطنة والشخصية الجامعة، بينما يسلط الثاني الضوء على المقاربات المختلفة للتنمية.

رابط المواطنة

في هذا السياق شدد الكاتب والمفكر حسن أوريد على أن أي خطاب هوياتي، مهما كانت مشروعيته، لا يمكن أن ينفلت من رابط المواطنة، باعتبارها الرابط الأسمى والشرط الضروري للاستقرار وبناء المجتمعات.

وأوضح أوريد أن تمثلات الأفراد للعالم تختلف باختلاف خلفياتهم الثقافية والتاريخية، مستحضرا أمثلة من السياق الأمريكي، حيث تتباين نظرة الأمريكي الأبيض لقضايا دولية كقضية فلسطين عن نظرة الأمريكي الإفريقي أو الأمريكي العربي أو المسلم، كما يمتد هذا الاختلاف إلى محيطنا الإقليمي، حيث تتعدد القراءات للتاريخ داخل البلد الواحد تبعا للانتماءات الدينية أو المذهبية.

ويرى المفكر المغربي أن هذه الاختلافات، إذا لم تُؤطر، قد تتحول إلى مصدر صدام، مبرزا أن كل خطاب هوياتي يقوم على تصور خاص للعالم، غالبا ما يصطدم بتصورات الآخرين، ما يستدعي ضرورة وضع كوابح عقلانية تمنع تحوله إلى عامل انقسام يهدد السلم المجتمعي ومسارات التنمية.

وفي هذا السياق، دعا أوريد إلى تبني مقاربة تقوم على تعايش الهويات بدل فرض هوية واحدة، مفضلا استعمال مصطلح “الهويات” بصيغة الجمع، باعتبار أن الاختلاف عنصر جوهري في أي مجتمع، سواء على المستوى اللغوي أو الديني أو الثقافي.

غير أن المتحدث شدد في المقابل على ضرورة موازنة هذا التعدد بمفهوم جامع، هو الشخصية، لما يحمله من بعد يوحد ولا يقصي.

واستحضر أوريد في هذا الإطار كتابات رواد الفكر العربي، من قبيل طه حسين في “مستقبل الثقافة في مصر”، وعلال الفاسي في “نقد الذات”، وعبد الله إبراهيم، مشيرا إلى أن هؤلاء ركزوا على مفهوم “الشخصية” أكثر من “الهوية”، باعتبارها تقوم على عناصر التماثل والاستمرارية، وعلى محددات كبرى في مقدمتها الجغرافيا، بما تحمله من أثر في تشكيل الخصوصيات الوطنية.

واعتبر المتحدث أن ضبط العلاقة بين الهوية والشخصية والمواطنة يكتسي أهمية مركزية في بناء مجتمعات متماسكة وقادرة على تحقيق التنمية، محذرا من خطابات هوياتية غير مؤطرة، تقوم في جوهرها على إقصاء الآخر وشيطنته، بما يعرقل أي مشروع تنموي جامع.

وخلص أوريد بالتأكيد على أن دور المثقف لا ينبغي أن يقتصر على رصد الظواهر وتحليلها، و إنما يتجاوز ذلك إلى تقديم أجوبة واقتراحات عملية لقضايا مجتمعية حارقة، حتى وإن كانت هذه الأجوبة قابلة للنقاش أو التجاوز، معتبرا أن المساهمة في بلورة تصورات فكرية مسؤولة تشكل جزءا أساسيا من معركة الوعي والتنمية.

شروط التنمية

من جانبه اعتبر الاقتصادي، نور الدين العوفي، أن أي نقاش حول التنمية لا يمكن فصله عن قضايا السيادة والهوية، باعتبارهما من القيم المؤسسة لأي مشروع تنموي وطني.

وأوضح العوفي أن الأدبيات الاقتصادية الكلاسيكية، رغم قدمها، ما تزال صالحة لفهم مسارات التنمية، مبرزا أنها تنقسم إلى مقاربتين أساسيتين.

الأولى، مقاربة أورثوذكسية إجرائية ولا تاريخية، ترى أن التنمية عملية موصوفة داخل نماذج نظرية عامة جاهزة، قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، شريطة حسن التنفيذ وجودة الأداء، دون اعتبار كبير للسياق التاريخي أو الخصوصيات المحلية.

في المقابل، عرض المتحدث المقاربة الثانية، وهي مقاربة هيتيرودوكسية تاريخية نقدية، تنظر إلى التنمية باعتبارها سيرورة طويلة الأمد، تتكون من حلقات متشابكة تقوم على التراكم، من تراكم أولي إلى موسع، ومن مبتدئ إلى مكتف، في سياق زمني واجتماعي محدد.

وأشار العوفي إلى أن الاختلاف بين المقاربتين لا يقتصر على التصور النظري، بل يمتد إلى كيفية قياس التنمية نفسها، فالمقاربة الأولى حسب العوفي تختزلها في النمو الاقتصادي، الذي يقاس بمؤشر وحيد هو الناتج الداخلي الخام، بينما تعتبر المقاربة الثانية أن النمو ليس سوى عنصر من عناصر التنمية، التي تقاس عبر مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتداخلة.

وفي ما يخص عوامل التنمية، أوضح الاقتصادي المغربي أن المقاربة الأورثوذكسية تحصرها في عوامل اقتصادية مادية كمية، قابلة للهندسة والحوسبة والقياس عبر أدوات الاقتصاد القياسي والإحصاء، أما المقاربة التاريخية النقدية، فترى أن التنمية نتاج تفاعل صنفين من العوامل: عوامل اقتصادية ملموسة، في مقدمتها الاستثمار، وعوامل غير اقتصادية أو غير مادية، تشمل الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية.

واستحضر العوفي في هذا السياق أطروحات الاقتصادي الراحل عبد العزيز بلال، خاصة في كتابه “الاستثمار في المغرب”، حيث ميز بين عوامل اقتصادية وأخرى غير اقتصادية محددة لما سماه “استراتيجية الممول للتنمية”، مؤكدا أن هذه العوامل مجتمعة تشكل شرطا قبليا أساسيا لأي تنمية وطنية حقيقية.

وخلص العوفي بالتشديد على أن المحدد النهائي للعوامل الاقتصادية نفسها هو عامل غير اقتصادي، يتمثل بالأساس في التعليم، باعتباره رافعة استراتيجية لإنتاج الثروة، وبناء الكفاءات، وضمان استدامة أي مسار تنموي.