مراقبون: عودة منطق القوة يهدد النظام الدولي والقانون الأممي آخر ملاذ للدول الضعيفة
يرى مراقبون أن العالم يعيش لحظة دولية مفصلية تتسم بعودة منطق القوة والإمبريالية بأشكال جديدة، في ظل تراجع فعالية القانون الدولي وتصاعد سياسات الهيمنة، خصوصا مع التحولات التي تعرفها السياسة الأمريكية وما رافقها من ممارسات اعتبرت خرقا صريحا للأعراف والقواعد الدولية، آخرها اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، من طرف الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا الصدد، شدد ضيوف برنامج “من الرباط”، الذي يبث على منصات صحيفة “صوت المغرب”، على أن ما يجري اليوم، في فنزويلا إلى مناطق أخرى من العالم، لا يمكن فصله عن أزمة بنيوية في النظام الدولي، محذرين من أن التطبيع مع منطق الغلبة والبلطجة السياسية يفتح الباب أمام فوضى عالمية، ويُقوض ما تبقى من منظومة أممية تشكل رغم أعطابها السند الأخير للدول الضعيفة وأصحاب الحق.
انتكاسة حضارية مؤطَّرة
وأكد رئيس مركز دراسات آسيا الشرق، مصطفى كرين، أن ما وقع في فنزويلا، واختطاف رئيسها، يشكل انتكاسة حضارية حقيقية، تعيد العالم إلى منطق الغارات البدائية التي كانت القبائل تشنها على بعضها البعض، بما تحمله من عنف وسلب وفرض للقوة خارج أي إطار قانوني أو إنساني.
وأوضح كرين في مداخلته، خلال البرنامج، أن هذه الانتكاسة ليست معزولة أو عفوية، ولكنها “انتكاسة مؤطَّرة”، ترتبط بسياق دولي أوسع تقوده سياسات الولايات المتحدة في ظل خطاب “أمريكا أولا”، مشددا على أن هذا الشعار لا يعني الانكفاء على الداخل الأمريكي، كما يروج له البعض، و إنما التعسف على الخارج و”طحن الجميع كي تعيش أمريكا”.
وأضاف المتحدث أن السياسة الخارجية الأمريكية في إطار “أمريكا أولا” ستكون أسوأ من مراحل سابقة، موضحا أن دونالد ترامب تجاوز عقيدة مونرو، وتجاوز حتى المدرسة الريغانية بكل مرتكزاتها، من قواعد عسكرية ومجتمع مدني وسلاح نووي، وذهب إلى أبعد من ذلك في فرض الهيمنة بالقوة المباشرة و التدخل المباشر.
وشدد “رئيس مركز دراسات آسيا الشرق” على أن ما يجري اليوم يندرج في إطار تحقيق ما يسمى بـ“برنامج القرن الأمريكي”، مستشهدا بما حدث في فنزويلا واليمن وغيرها من المناطق، واعتبر أن هذه الوقائع تؤكد أن ما حدث ليس مفاجئا، بل هو جزء من مسار سيستمر ويتكرر في أماكن أخرى.
وفي هذا السياق، حذر كرين من الإستهانة بتصريحات ترامب حول غرينلاند، مؤكدا أن الأمر قد يمتد إلى تحركات فعلية، وقد لا يتوقف عند غرينلاند فقط ليشمل مناطق أخرى مثل النرويج، في إطار منطق السيطرة والتوسع.
وبخصوص العلاقات المغربية الفنزويلية، أوضح كرين أن الجميع متفق على أن موقف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كان معاكسا لمصالح المغرب، خصوصا في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، غير أنه شدد على أن هذه ليست النقطة الجوهرية في النقاش، وما وقع له لا يجب أن يبرر.
وخلص كرين إلى التأكيد على أن الأخطر في ما وقع هو الخرق الواضح للقانون الدولي، محذرا من أن ما تعرضت له فنزويلا اليوم قد تتعرض له دولة أخرى غدا، وهو ما يجعل القضية، مسألة مبدئية تتعلق بحماية النظام الدولي ومنع تحوله إلى قانون الغاب.
شكل جديد من الفاشية
من جهته شدد الأستاذ الجامعي والحقوقي خالد البكاري، على أن العالم لم يتحرر بعد من منطق الإمبريالية، معتبرا أن ما نعيشه اليوم هو شكل جديد منها يمكن تسميته بـ“الإمبريالية المقنّعة”، التي عادت لتظهر بوجهها السافر في ممارسات دولية حديثة، من بينها ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين اختطف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.
وأوضح البكاري، أن هذا السلوك يقوم على منطق القوة: “أنت تمتلك الثروات والنفط، وسآتي لأخذ ما أريد دون إرادتك”، مشيرا إلى أن هذا المنطق ليس جديدا، وإنما نفسه الذي قامت عليه الإمبريالية الأوروبية في القرون الماضية، غير أنه اليوم يقدَّم في قوالب جديدة ويطبَّع معه عالميا.
وشدد المتحدث على أن هذا المسار يفتح الباب أمام تمدد قوى إقليمية دون رادع، مستشهدا بتمدد إسرائيل في مناطق من سوريا، وبحالات أخرى في الصومال، في ظل غياب أي قوة قادرة على إيقاف هذا التوسع، ما يعكس اختلالا عميقا في ميزان النظام الدولي.
وأضاف البكاري أن العالم يشهد أيضا صعود شكل جديد من الفاشية، لافتا إلى أن الفاشية الحالية تختلف عن فاشية هتلر القائمة على القومية والعرق، لافتا إلى أنه، “نحن اليوم أمام فاشية القوة والمال”، تقودها تحالفات بين أباطرة العقار وأباطرة التكنولوجيا على الصعيد العالمي، ممن يملكون القدرة على فرض ما يريدونه خارج أي منطق أخلاقي أو قانوني.
وفي ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، عاد البكاري إلى موقف فنزويلا، واصفا إياه بـ“المخزي والسلبي”، لكنه تساءل في المقابل عن الأثر الحقيقي لهذا الموقف، معتبرا؛ أنه منطقيا لم يصل إلى حد خلق إشكال حقيقي للمغرب أو التأثير الفعلي في مسار القضية.
وتوقف الحقوقي عند خطاب “الواقعية السياسية” الذي يبرر منطق القوة، موضحا أن هذا الخطاب مفهوم عندما يصدر عن الأقوياء، لكنه لا يخدم الضعفاء، كون عالم القوة المطلقة لا يترك لهم أي موقع.
و شدد المتحدث في هذا السياق على أن التشكيك في جدوى القانون الدولي بدعوى عجزه عن حماية الفلسطينيين، وإن كان توصيفا صحيحا لواقع مؤلم، لا يلغي كونه “المرجعية الوحيدة” لكشف الجرائم والانتهاكات في العالم.
وخلص خالد البكاري إلى التأكيد على أن القانون الدولي، بكل أعطابه وانتقاداته، ومعه المنظومة الأممية بما فيها مجلس الأمن، يظل السلاح الأخير بيد الضعفاء وأصحاب الحق، محذرا من أن انهيار هذه المنظومة سيعني فقدان حتى القرارات الأممية التي يعتبرها المغرب اليوم في صالح قضيته الوطنية، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية.
القانون الدولي أولا
من جانبه شدد الصحافي والكاتب في الشأن الأمريكي، حمزة الأنفاسي، على أن الدولة المغربية، تؤمن فعليا بالقانون الدولي، وهو ما يفسر اختيارها للمسار الأممي في تدبير قضية الصحراء المغربية، رغم امتلاكها، نظريا، لإمكانيات الحسم بوسائل أخرى.
وأضاف الأنفاسي أن المغرب حافظ، في مختلف القضايا الدولية، على موقف ثابت يدافع عن سيادة الدول ووحدتها الترابية، سواء تعلق الأمر بما وقع في قطر، أو في تركيا خلال محاولة الانقلاب، أو في الصوماليلاند، أو في اليمن، مبرزا أن هذا الانسجام يفرض على المواطنين بدورهم تبني المرجعية نفسها التي اختارتها الدولة.
وأكد المتحدث أن تبرير ممارسات ترامب باسم “الواقعية” أو “القوة” يضع أصحابه في تناقض صريح، متسائلا: إذا كان منطق القوة مبرَّرا، فلماذا لم يسلكه المغرب في قضية الصحراء، واعتبر أن الدولة المغربية اختارت القواعد الدولية لأنها تؤمن بثباتها، رغم أنها ليست قوة عظمى بحجم الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة.
و فيما يخص السياسات الأمريكية يرى المتحدث أن منطق “أمريكا فعلت” أو “أمريكا لم تفعل” لم يعد صالحا لفهم ما يجري اليوم، معتبرا أن العالم يعيش لحظة مفصلية شبيهة بالتحولات الكبرى التي عرفتها الإمبراطوريات عبر التاريخ.
وأوضح الأنفاسي، انطلاقا من تجربة أكاديمية ومعيشية داخل الولايات المتحدة، أن التاريخ يتبث أن الكيانات الكبرى لا تبقى على حالها، مستحضرا مثال روما التي استمرت قرابة ألف سنة قبل أن تنتقل من الجمهورية إلى النظام السيناتوري ثم إلى القيصرية، محذرا من أن الولايات المتحدة قد تكون بدورها مقبلة على تحول “قيصري”.
وشدد المصدر على أن ما كان يُعرف بـ“الدولة العميقة” في أمريكا، بتوازناتها الاستخباراتية والأمنية والمالية، لم يعد يشتغل بالضرورة بالمنطق نفسه، مبرزا أن دونالد ترامب يوجد في وضعية “الرئيس البطة العرجاء” ، باعتباره في ولايته الأخيرة ولا يملك ما يخسره، وهو ما يحرره من كثير من القيود التقليدية داخل النظام السياسي الأمريكي.
وأضاف الأنفاسي أن ما وقع في فنزويلا لا يمكن فصله عن تقاطعات مصالح واضحة، أولها مصالح لوبيات النفط والنفوذ التي مولت حملة ترامب، وثانيها تيار سياسي داخل فلوريدا، على رأسه شخصيات مثل ماركو روبيو، التي تحمل عداء قديما للنظام الفنزويلي وتسعى منذ سنوات لإسقاطه، وثالثها مواجهة المدّ الصيني المتنامي في أمريكا اللاتينية.
ومن جانب آخر، أشار إلى أن حجم المبادلات التجارية بين الصين وأمريكا الجنوبية تجاوز 500 مليار دولار سنة 2024، وهو رقم يعتبر، في منطق العقيدة الأمريكية، اختراقا لـ“الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، وفق عقيدة مونرو التي تعتبر نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصري لواشنطن، واعتبر الأنفاسي أن ما قام به ترامب يجب قراءته كرد فعل متأخر، اتسم بالبلطجة السياسية، وهو توصيف يتداوله حتى الرأي العام الأمريكي نفسه.
كما حذر الكاتب في الشأن الأمريكي من أن هذه الممارسات تفتح الباب أمام رؤساء دول آخرين للسير في الاتجاه ذاته، معتبرا أن الصين وروسيا قد تجدان في هذا السلوك نموذجاً يُحتذى، ما ينذر بمزيد من الفوضى في النظام الدولي.
واختتم الأنفاسي مداخلته بالعودة إلى التاريخ الإمبريالي، مبرزا أن الموجة الاستعمارية الأولى قادتها إسبانيا والبرتغال، ثم فرنسا وبريطانيا، بينما خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية كأقوى دولة في العالم دون أن تعتمد نموذج المستعمرات، حيث اعتمدت على الابتكار الاقتصادي والبحث العلمي، وهو سر نجاح النموذج الأمريكي الأصلي.
وأضاف أن لجوء أمريكا اليوم إلى منطق الاستحواذ على الثروات بالقوة يمثل، في العمق، إعلانا عن ضعف وفشل ذلك النموذج الملهم، مؤكدا أن “أمريكا ما بعد 1945” لم تنجح بالمصادرة، و إنما بالإبداع، وأن التخلي عن هذا المسار هو مؤشر تراجع لا قوة.
لمشاهدة الحلقة كاملة، يرجى الضغط على الرابط