مرافعة ضد “تأميم” المحاماة
هناك معارك يُعتبر فهمها وإدراك خطورتها، أهم من خوضها أو ربحها حتى. ومن تلك المعارك ما نراه اليوم بين قرابة 18 ألف محام ومحامية، والحكومة، والذي يعكس مخاضا يرمي إلى تحويل المحامي من ذلك الشخص “المهيب” والحرّ والقادر على التصدي للتجاوز وفرض احترام القانون بالقانون، إلى مقهور جديد ضمن قائمة المقهورين، واقع بين هيمنة السلطة التنفيذية عبر وزارة العدل، ورقابة النيابة العامة، المستقلة عن أية رقابة.
معركة تدور على وقع مقاطعة شاملة تشلّ المحاكم. وفي الممرات الباردة حيث كان يفترض أن تمرّ الأجوبة، يقف مواطنون بلا آجال تحميهم، وبلا توقيع يُنقذ رزقا، وبلا جلسة تُنصف مظلوما، كأن الحقّ صار موعدا مؤجلا إلى أجل غير مسمّى.
في الجهة الأخرى، يقف محامون يختبرون قسوة الوقوف مع المهنة ضد لقمة العيش. ملفات حيوية لرقم المعاملات تُجمّد، ومكاتب تُستنزف، والتزامات مالية تتراكم، ومهنةٌ تُحاصَر من فوق ومن تحت في وقت واحد.
هذا المشهد ليس توقّفا مؤقتا في سير المحاكم؛ بل شرخٌ في الثقة العامة، لأن الناس لا تؤمن بالعدالة حين تراها عاجزة عن العمل، ولا تثق في الأحكام حين تشعر أن الطريق إلى القاضي يمكن أن يُغلق بقرار سياسي بارد.
حكومةٌ تتصرف كأن شلل المحاكم مجرد ضغط عابر، وكأن المجتمع قادرٌ على ابتلاع أسبوع إضافي من الفراغ. لكنها تغفل أن الفراغ في العدالة ليس مساحة محايدة؛ بل يصبح بالضرورة قوة ضد الضعفاء.
المتقاضي الذي ينتظر تعويضا أو أجرا أو رفعَ ظلم لا يملك ترف “الصبر الاستراتيجي” الذي تمارسه الحكومة. والمعتقل الذي يحتاج دفاعا عاجلا لا يملك رفاهية أن تكتمل الشروط الشكلية كي يتنفس الحرية.
في هذا السياق يأتي مشروع قانون مهنة المحاماة كقرار يغيّر هندسة التوازن داخل العدالة. وأخطر ما فيه أنه لا يكتفي بتعديل موادّ، بل يحاول أن يبدّل معنى المحاماة نفسه، بأن ينزع عنها جوهرها الذي يجعلها تقف في المسافة الحرجة بين الفرد والدولة، ويُبقي قشرتها كخدمة تُدار بشبه ترخيص، تحت سقف الإذن والمراقبة.
حين يمدّ المشروع يد وزارة العدل إلى ما وراء امتحان الأهلية لتصل إلى التكوين والتمرين والتسجيل في اللوائح، ومسْك السجل الوطني، والتوصل بتفاصيل تغيّر وضعية المحامي، والتبليغ في التأديب… فإننا لا نتحدث عن تنظيم إداري بريء، بل عن مفاتيح تُجمع في يد السلطة التنفيذية.
وحين تُصبح كل حركة وسكنة في المسار المهني، من تفتيش ومحاسبة وتأديب وانتقال وهيئات وانتخابات، قابلة لأن تُبلَّغ إلى النيابة العامة، فالمعنى الذي يتسرب من بين السطور واضح: الدفاع سيصبح تحت عين الاتهام بدل أن يكون شريكا في إقامة العدل.
سرّية الدفاع ليست رفاهية لغوية، بل شرطٌ وجوديّ للإنصاف. ومكتب المحامي ليس دكانا عاديا يمكننا التلصّص عليه؛ هو غرفة اعترافات المجتمع، وخزانة أسرار الناس حين ينكسرون، وملاذ من لا صوت له حين يواجه خصما أقوى.
أي عدالة يمكن أن تُبنى إذا أصبح هذا المكتب قابلا للتفتيش بمنطق فضفاض، أو صار الموكل يفكر مرتين قبل أن يقول الحقيقة كاملة لأنه لا يضمن أن الجدار لا يسمع؟
وأي ثقة في العيش المشترك ستبقى إذا صارت المهنة التي يُفترض أن تحميك من السلطة، أقرب إلى ملحق من ملاحقها؟
إلزام المحامي بتكليف خاص في كل قضية قد يبدو حماية له، لكنه يتحول إلى عقدة حين يتعلق الأمر بمعتقل لا يستطيع توقيع ورقة، أو بملف استعجالي يتطلب تدخلا فوريا، أو بأسرة تبحث عن إنقاذ قبل اكتمال الشكليات.
واشتراط التكوين المستمر بقدر مرتفع من الساعات السنوية يبدو تجويدا، لكنه يصير عبئا حين لا تتوفر الإمكانات والآليات والعدالة في الولوج إلى هذا التكوين، فيتحول من رفع للكفاءة إلى باب جديد للتضييق.
وتمديد تقادم المنازعة في الأتعاب إلى خمس سنوات لا يُقرأ فقط كضمان للمتقاضي؛ بل كاستدامة لمطاردة المحامي وإبقائه معلّقا في ظل نزاعات لا تنتهي، بما يحوّل العلاقة المهنية إلى خوف دائم.
والمال.. هذا السلاح الذي تعرفه الدول جيدا حين تريد أن تُروّض المهن دون أن ترفع عصا. حين تُحوَّل الودائع المالية إلى مسار مركزي يفتح الباب للاقتطاعات من المنبع والملاحقات المتواصلة، وحين يُدفع المحامي إلى أن يعيش داخل قفص محاسبي دائم، فأنت لا تحارب اختلالا؛ بل تغيّر طبيعة المهنة.
المحامي الذي تنتظر منه أن يدافع عنك سيصبح مشغولا بالدفاع عن نفسه ضريبيا ومحاسبيا قبل أن يدافع عن الآخرين. ومع كل خطوة إضافية في هذا الاتجاه تخسر العدالة شيئا من جرأة الدفاع، وتخسر الحرية شيئا من صوتها.
يتحدّث المشروع عن شراكات ومسؤوليات تضامنية بين محامين من هيئتين مختلفتين دون وضوح كاف في تبعاتها الجبائية والتبليغية، ويفتح بابا أوسع لمكاتب محاماة أجنبية، ليس عبر ترخيص خاص بقضية محددة كما اعتاد النظام القضائي، بل عبر منطق أقرب إلى تثبيت وجود دائم داخل سوق هش أصلا، ما يهدد المحامين الصغار والمتوسطين الذين يشكلون شبكة الدفاع اليومية للفئات الأضعف.
وحين يُمنح القادمون من مسارات مهنية أخرى امتيازات أسرع في الوصول إلى درجات الترافع العليا مقارنة بالمحامي الذي يكدّ سنوات طويلة داخل المهنة، فأنت لا تُصلح؛ بل تُعيد ترتيب الهرم بطريقة تُفقده المعنى والعدالة المهنية معا.
والأخطر من كل هذا أن المشروع يُسوَّق تحت ذريعة التخليق، وكأن المحاماة غابة، بينما الوقائع المعلنة نفسها لا تقول ذلك. إذا كان التأديب لا يمسّ إلا نسبة محدودة جدا من المحامين، وإذا كانت الغالبية الساحقة تشتغل بسجلات نظيفة، فبأي منطق يُعاقَب الجميع بمنظومة وصاية شاملة؟ هل نُعالج الاستثناء بتعميمه ليصبح القاعدة؟ وهل نُصلح اختلالات محددة بتسليم مفاتيح المهنة كلها للسلطة التنفيذية وسلطة الاتهام؟
ما يجري ليس معركة أتعاب ولا صراع مصالح. ما يجري اختبارٌ للاختيار بين دولة مواطنين تُقيم توازنها بحراس مستقلين، منهم الصحافيون والمحامون والحقوقيون، أو دولة تُحب أن تكون لاعبا وحَكما في الوقت نفسه.
الأمم لا تتقدم بكثرة القوانين المعقدة، بل بقدرتها على حماية الذين يحمون قيمها حين تشتد الريح. وفي لحظات الحسم هذه تحديدا، إمّا أن نربح حريتنا بوجود دفاع مستقل، أو نخسرها بهدوء إداريّ، بندا بعد بند، وسجلا بعد سجل، وتبليغا بعد تبليغ، حتى نصحو يوما على مجتمع صار بلا قوة مضادة، وبلا صحافة قوية تُنبه، وبلا محاماة حرة تُوازن… وبلا سبب مقنع كي يثق الناس في أن الحق يمكن أن ينتصر.
المطلوب ليس كسر الدولة ولا إهانة الحكومة. بل المطلوب أن تتراجع الحكومة عن منطق “الغنان”، وأن تفهم أن الدفاع المستقل ليس خصما لها، بل فراملها الأخيرة حين تندفع. المطلوب أن تعود إلى طاولة تعديل حقيقي يحمي سرية المكتب كخط أحمر، ويوقف تمدد الوصاية التنفيذية في مسار المهنة، ويضبط حضور النيابة العامة في التأديب بما لا يحول الدفاع إلى تابع للاتهام، ويُعقلن كل ما يتعلق بالودائع والضرائب كي لا تتحول المحاماة إلى دفتر حسابات مكشوف، ويُوازن بين تحديث الممارسة وحماية المهنة من الانكسار الاقتصادي والاجتماعي.
حين تُؤمَّم المحاماة، وأستسمح المحامي عبد الكبير طبيح في هذه الاستعارة، يُؤمَّم حقُّك في أن تعترض أو تنفي اتهاما أو تقول “لا” بلسان قانونيّ آمن. وحين يخاف الدفاع، تخاف العدالة. وحين تتأخر العدالة كثيرا، لا يعود الناس يثقون في أحكام القضاء، ولا في معنى الإنصاف، ولا في أسس العيش المشترك.
عندها لن ينفعنا أن نقول، متأخرين، إننا كنا نُصلح. نحن اليوم، أمام محاكم مشلولة وحكومة متعنتة ومجتمع يتآكل صبره، ولا نملك ترف اللعب بالكلمات. إمّا أن نحمي حصانة الدفاع واستقلاله، أو نكتب سيرة صمت طويل، ثم نتساءل لماذا صار الغضب أكبر من القانون.