مراري لـ”صوت المغرب”: قانون “إعدام الأسرى” دليل إدانة للاحتلال أمام الجنائية الدولية
يتأهب فريق من المحامين الدوليين لإحالة ملف “قانون إعدام الأسرى” إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتباره “وثيقة إدانة رسمية” ودليلاً دامغاً على نية الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بحسب ما أفاد به الفريق القانوني الدولي المكلف بتمثيل ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة وفلسطين لصحيفة “صوت المغرب”.
ويأتي هذا التحرك بالتوازي مع حالة الغضب في الأراضي الفلسطينية، حيث شهدت الضفة الغربية إضرابًا شاملًا ، وذلك عقب مصادقة الكنيست الإسرائيلي على القانون بأغلبية 62 نائبًا مقابل 48 معارضًا وامتناع نائب واحد.
وفي هذا الصدد، أوضح عضو الفريق القانوني، عبد المجيد مراري، أن المسار القانوني الدولي بات قائمًا بالفعل في ملف الأسرى، مشيرًا إلى أن الفريق يعمل على تقديم أدلة أمام المحكمة الجنائية الدولية تثبت وجود نية مسبقة لارتكاب جرائم حرب، على اعتبار أن إعدام الأسرى يُعدّ جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي.
وأضاف مراري، المحامي الدولي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن هذا القانون لا يُنظر إليه فقط كتشريع داخلي، بل كوثيقة يمكن توظيفها لإثبات القصد الجنائي لدى سلطة قائمة بالاحتلال.
وأكد مراري أن القانون يحمل طابعًا “عامًا وعنصريًا” في آن واحد، إذ ينص على معاقبة كل من يقتل “إسرائيليًا”، لكنه عمليًا يُطبّق على الفلسطينيين الذين يدافعون عن أرضهم فقط، سواء في الضفة الغربية أو القدس، دون أن يشمل الإسرائيليين واليهود. واعتبر أن هذا التمييز في التطبيق يعزز فرضية استخدام القانون كأداة سياسية.
ومنحت المحكمة العليا الإسرائيلية حكومة الاحتلال الإسرائيلي مهلة إلى غاية 24 ماي المقبل لتقديم موقفها الرسمي من القانون، غير أن هذا الإجراء “لا يوقف سريان القانون”، يقول مراري. خلافًا لما جرى في حالات سابقة تم فيها تعليق تنفيذ قوانين معينة إلى حين البت النهائي. وهو ما يعني، بحسبه، أن القانون يبقى نافذًا وقابلًا للتطبيق رغم استمرار الطعون القضائية.
وبخصوص آليات التنفيذ، أوضح أن القانون ينص على مهلة لا تتجاوز 90 يومًا لتنفيذ حكم الإعدام بعد صدوره النهائي، وهي فترة مرتبطة بإجراءات تنفيذية محددة. وخلال هذه المهلة، يمكن لرئيس الوزراء التدخل بطلب تأجيل التنفيذ أو اتخاذ تدبير احترازي، لكنه لا يملك صلاحية إلغاء الحكم نهائيًا، بل يمكنه فقط تعديله وتحويله إلى السجن المؤبد.
وسلط مراري الضوء على ما وصفها بـ“العيوب القانونية الجسيمة” في هذا التشريع، مشيرًا أولًا إلى إشكالية “القضاء غير الطبيعي”، حيث يُحاكم مدنيون فلسطينيون أمام محاكم عسكرية، في خرق واضح لمبدأ القاضي الطبيعي الذي يقتضي محاكمة المدني أمام قضاء مدني مستقل. كما أبرز غياب درجات التقاضي، إذ لا يتيح القانون فعليًا إمكانية الاستئناف أو النقض، ما يحرم المتهم من أحد أهم ضمانات العدالة.
وأضاف أن القانون يتعارض كذلك مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالأسرى، خاصة في سياق الاحتلال، حيث يفترض أن يُعامل الأسرى كمقاومين أو أسرى حرب، بينما ترفض إسرائيل هذا التصنيف وتتعامل معهم باعتبارهم “إرهابيين”، وهو ما يشكل، بحسبه، خرقًا إضافيًا للقانون الدولي الإنساني.
وفي ما يتعلق بالبعد الدولي، كشف مراري عن تحركات قانونية موازية، من بينها إعداد عريضة سيتم تقديمها إلى المدعي العام الفرنسي، بهدف إدراج أسماء النواب الذين صوّتوا لصالح القانون ضمن قوائم الملاحقة أو المنع من دخول الأراضي الأوروبية، باعتبار أنهم صادقوا على ما وصفه بـ“بروتوكول قتل”.
كما أشار إلى وجود ضغوط سياسية متزايدة، خاصة من دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا، التي حذّرت من تداعيات القانون ولوّحت بتأثيره على اتفاقيات الشراكة مع الاحتلال الإسرائيلي.
ورغم هذه التهديدات، يظل تأثيرها محل نقاش، وفق مراري، الذي أكد أن الأهم هو وجود حراك سياسي وقانوني متصاعد يمكن أن يؤثر على مستقبل القانون. وأشار إلى أنه إذا ما مارست الولايات المتحدة ضغطاً مباشرا هي الأخرى مباشر لإلغائهK قد يكون حاسمًا في هذا السياقه.
وفي ما يخص نطاق تطبيق القانون، شدد مراري على أنه لا يُطبق بأثر رجعي، انسجامًا مع القاعدة القانونية “لا عقوبة إلا بنص”، ما يعني أن المعتقلين الحاليين لن يشملهم حكم الإعدام، بل سيخضعون للقوانين التي كانت سارية وقت ارتكاب الأفعال المنسوبة إليهم. وأوضح أن التطبيق سيقتصر على الأفعال التي قد تُرتكب بعد تاريخ المصادقة على القانون.
هذا القانون الذي دفع به وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب “الليلكود”، لا يُنظر إليه كإجراء جنائي فحسب، بل كأداة انتقام سياسي برزت بوضوح في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر وحرب غزة، حيث يهدف التشريع إلى شرعنة تصفية الفلسطينيين تحت غطاء “مكافحة الإرهاب” مع ضمان حصانة كاملة لمنفذي هذه الأحكام.
ويحمل القانون في طياته تفاصيل إجرائية تعكس رغبة في الترهيب الجسدي والنفسي، إذ نصّ على تنفيذ العقوبة عبر “الشنق” بيد ضابط سجون ملثم لحمايته من أي ملاحقة، مع منح منفذي الإعدام حصانة جنائية ومدنية مطلقة تحول السجان إلى خصم وحكم في آن واحد.
وتتجاوز القسوة في القانون لحظة الإعدام لتشمل ظروف الاحتجاز، حيث يقضي بعزل المحكومين في زنازين انفرادية تقع تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم بشكل تام حتى لحظة صعودهم إلى حبل المشنقة، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية التي تنظم حقوق الأسرى والمحكومين.
ومن الناحية الإجرائية، جرد القانون المنظومة القضائية من ضمانات العدالة الأساسية، حيث أتاح للمحاكم العسكرية إصدار حكم الإعدام بالأغلبية البسيطة دون الحاجة لإجماع القضاة، كما حظر أي إمكانية لتخفيف العقوبة أو إلغائها من قبل القائد العسكري للمنطقة.
ويفرض التشريع تنفيذاً سريعاً للحكم خلال 90 يوماً من صدوره النهائي، مع إعطاء رئيس الوزراء صلاحية تأجيل محدودة لأسباب خاصة، مما يغلق الباب أمام مسارات الاستئناف المتعارف عليها دولياً، ويجعل من المحاكم العسكرية منصات لإصدار أحكام قطعية لا رجعة عنها، حتى في ظل غياب طلب مباشر من النيابة العامة.
وتتجلى “عنصرية” هذا القانون في كونه يستهدف حصراً الفلسطينيين في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بما في ذلك الضفة الغربية والقدس وأجزاء واسعة من قطاع غزة، حيث اشترط لتطبيق العقوبة أن يكون القتل بدافع “إنكار وجود دولة إسرائيل”.
هذا التوصيف القانوني يضمن عملياً إعدام الفلسطينيين مع استثناء المستوطنين واليهود الذين يرتكبون جرائم قتل بحق العرب، وهو ما اعتبره نواب عرب في الكنيست وخبراء دوليون تكريساً لنظام “أبارتهايد” قضائي يميز بين طرفين بناء على الهوية القومية، متجاهلاً “الإرهاب اليهودي” كلياً من دائرة الاستهداف.
يذكر أن الفريق القانوني الدولي المكلف بتمثيل ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وفلسطين كان قد توجه إلى مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي يوليوز 2025، لتقديم مذكرة قانونية شاملة بشأن جرائم الاحتلال الإسرائيلي إلى مكتب المدعي العام لدى المحكمة، تتعلق بوضع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وبجريمة الإبادة والتجويع في القطاع المحاصر.