story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

مدرب المنتخب الوطني.. منصب “سيادي”؟

ص ص

إخفاق المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم في كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب، أعاد الجدل المعتاد حول منصب الناخب الوطني ومسؤوليته عن النتائج المحصلة، وطرح الأمر وجهات نظر متباينة بين من يرى أن وليد الركراكي قد وصل إلى سقف مردوده التقني، ويجب تعيين بديل له، وبين من يرى أنه يجب تجديد الثقة فيه لفترة أخرى، على الأقل إلى مونديال 2026.

وبين هذه الفئة وتلك، يغيب معطى تاريخي مهم في علاقة منصب الناخب الوطني بالقرار السياسي في البلاد، فمدرب المنتخب الأول في المغرب، كان ولا يزال منذ فجر استقلال يحظى باهتمام ورعاية أعلى هرم السلطة في البلاد، وبتعليمات الدائرة الضيقة للملوك، فتعيينات وإقالات جل مدربي المنتخب الوطني منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي إلى اليوم، كان مصدرها ولايزال هو القصر الملكي، باعتبار الفريق الوطني هو واجهة قطاع كرة القدم “السيادي” الذي تضعه الدولة المغربية ضمن أجندتها السياسية في تدبير الحكم.

سنقف في هذا المقال على أبرز ملامح العلاقة بين القصر الملكي ومدرب المنتخب الوطني، التي كانت تتجاوز في كثير من الأحيان رؤساء الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ومسؤولي قطاع الشباب والرياضة، وذلك من خلال حالات تاريخية لبعض المدربين الذين ارتبط وجودهم بعلاقة خاصة مع ملوك المغرب ودائرتهم الصغيرة التي تصنع القرار السياسي في البلاد.

الأب جيكو يرفض العرض الملكي

تعرض محمد بلحسن التونسي، الشهير بلقب الأب جيكو، والذي كان عضوا في المكتب المسير للوداد الرياضي ومدربا للفريق الأحمر، لغضب محمد الخامس بسبب رفضه لعرض من ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن بالانضمام إلى حكومة سنة 1956، أو ما يعرف بالنسخة الثانية لحكومة البكاي، إذ تم التفاوض في شأن تأسيس المجلس الحكومي برئاسة البكاي بن مبارك لهبيل، وباقتراح من الملك وضع اسم محمد بلحسن العفاني كمسؤول عن حقيبة الشبيبة والرياضة، إلا أن الرجل رفض الاشتغال مع الاستقلاليين، سيما وأن الحكومة عرفت تقليصا واضحا للحقائب الشورية من ست إلى أربع، كما رفض أيضا عرضا بتعيينه في عدة مناصب أبرزها تدريب المنتخب الوطني المتشكل حديثا آنذاك، ثم رفض بعد ذلك منصب مدير للشبيبة والرياضة، وهو المنصب الذي أسند إلى عمر مزور، وكان تابعا لوزير التربية الوطنية عبد الكريم بنجلون. ورغم ذلك جدد محمد الخامس دعوته للأب جيكو لتولي الشؤون التقنية للمنتخب الوطني، عندما وشحه بوسام شرفي سنة 1957، قبيل انطلاق نهائي كأس العرش بالملعب الشرفي بالدار البيضاء، لكن الأب جيكو أصر على الرفض.

لكن وعلى الرغم من القلق السلطاني على الأب جيكو الرافض لأي منصب سياسي أو رياضي، فإن محمد الخامس احتفظ بعلاقة خاصة معه كواحد من أبرز رموز كرة القدم المغربية التاريخيين، بالرغم من الفيتو الذي أعلنه مولاي عبد الحفيظ العلوي، وزير التشريفات والقصور والأوسمة، بدعم ومساندة من الاستقلاليين الذين كانوا لا يرون بعين الرضى تلك العلاقة التي تجمع الشوري العفاني بسلطان البلاد.

محمد الخامس يعين بن مبارك ناخبا وطنيا

تزامنت عودة السلطان محمد الخامس من المنفى في مدغشقر وإعلان استقلال المغرب، مع عودة الأسطورة العربي بن مبارك من تجربته الإحترافية في أولمبيك مارسيليا، بعد مشوار كروي حافل من البطولات والإنجازات والتألق في فرنسا وإسبانيا، وقد ربطت السلطان ولاعب كرة القدم علاقة خاصة كان يتردد فيها العربي كثيرا على القصر الملكي لتلبية دعوات محمد الخامس، وكان يحضر مرفوقا بزوجته الفرنسية «لويزات» التي ارتبط بها بعد وفاة زوجته المغربية، وكانت «لويزات» ابنة رئيس نادي الملعب الفرنسي لويس سان لوران، وهو من نبلاء فرنسا، وقد أعلنت في ما بعد إسلامها على يد جلالة الملك محمد الخامس.

بعد استشارة مع ديوان الملك، تم الاتفاق على أن تشهر «لويزات» إسلامها في حضرة محمد الخامس، بعد صلاة يوم الجمعة، حيث بارك السلطان اعتناق المرأة المسيحية الديانة الإسلامية، وتحدث معها عن مزايا الدين الحنيف وأكدت له دور العربي في هذا الانتقال، لما لمست فيه من أخلاق سمحة، وقبل أن تنتهي المراسيم الدينية أطلق الملك على «لويزات» اسم مليكة، وحين أنجبت ابنا تلقى بن مبارك مكالمة هاتفية من محمد الخامس تحمل التهاني، قبل أن يطرق بابه موفد من القصر وهو يحمل هدايا السلطان.

بعد سنة واحدة على الاستقلال أصر الملك محمد الخامس على تعيين العربي بن مبارك مدربا للمنتخب المغربي، الذي تلقى دعوة للمشاركة في أول بطولة عربية سنة 1959، وجه دعوة إلى العربي المشرف حينها على تدريب الفتح الرباطي، وطلب منه انتقاء اللاعبين القادرين على المشاركة في هذا الحدث الكروي العربي الأول من نوعه. وحين انتهى الرجل من إعداد الفريق الذي سيمثل المغرب، طلب من لاعبيه المثول بين يدي محمد الخامس للتزود بآخر نصائحه قبل السفر إلى لبنان، في هذا اللقاء قال الملك للاعبين: «أنا سعيد لأن مدربكم هو بمثابة أب وصديق».

ونظرا للعلاقة الوطيدة التي كانت تربط الملك محمد الخامس بالعربي بن مبارك، فقد كان يسأل عن أحواله، بل إن المدرب قرر بعد اعتزاله استثمار ما ادخره من أموال في المغرب، وبتوصية من مستشاري الملك اقتنى بقعة أرضية تبلغ مساحتها حوالي 7.5 هكتارات بالمحمدية، لكنه لم يحصل عليها بالرغم من أن كل الوثائق التي كانت بحوزته تؤكد ملكيته لها، وحين حاول بيعها استولت «ليراك» على الأرض وأقامت عليها مشروعا سكنيا لإعادة إيواء قاطني مدن الصفيح.

الملك يضع خطة المونديال

عندما حجز المنتخب المغربي لأول مرة تأشيرة العبور لنهائيات كأس العالم بالمكسيك 1970 ليكون الممثل الوحيد للقارة الإفريقية، بعدما عبر مسار التصفيات بنجاح بحضور جيد تمكنوا من خلاله من تجاوز منتخبات قوية. وقبل السفر، اعتذر المدرب الفرنسي كي كليزو لرئيس الجامعة بسبب مرض طارئ، فاتصل القصر بالمدرب عبد الله السطاتي، وطلب منه تحضير نفسه لمرافقة البعثة إلى المكسيك، في الوقت الذي تم تعيين اليوغوسلافي فيدنيك مدربا بمساعدة قاسم قاسمي وأحمد النتيفي كمدير تقني.

قبل السفر نحو المكسيك عبر الولايات المتحدة الأمريكية، دعي أفراد الفريق الوطني المغربي إلى قصر الصخيرات، وهو اللقاء الذي كان مقررا له منتجع إفران حيث كانت عناصر المنتخب تخوض استعداداتها الأخيرة للحدث الكروي.

بدا الملك صارما وهو يستقبل اللاعبين وأفراد الطاقم الطبي والتقني والإداري واحدا واحدا، وما أن اصطف الحضور في قاعة فسيحة، حتى شرع الحسن الثاني يرسم خطة المونديال أمام استغراب أحمد النتيفي، خاصة حين تحدث بنبرة العارف بالأمور البدنية والتقنية عن مضاعفات خوض مباريات في مدن فوق مستوى سطح البحر بكثير.

قال الملك إنه قرر الاستعانة بعبد الله السطاتي كي ينضم للبعثة، وكان هذا الأخير يشرف على تدريب فريق الشرطة الذي واجه المنتخب الجزائري في الدار البيضاء مستعينا بلاعبين سقطوا من لائحة فيدنيك.

قال الحسن الثاني: “لا نطلب منك العودة إلى المغرب محملا بكأس العالم، كأس العالم “عندو مولاه باش نكونوا واقعيين”، وركز في مداخلته على الجانب الأخلاقي، مشيرا إلى دور الكرة في إشعاع البلد وجعل العالم يتعرف على المغرب، مضيفا إلى أن الروح الرياضية هي أساس المشاركة المغربية في هذا الحدث.

التفت الملك إلى رئيس الجامعة عمر بوستة، وقال له: “إذا خرج أي لاعب أو مؤطر عن التعليمات وصدر عنه أي سلوك مناف للأخلاق، أعيدوه إلى المغرب مع أول طائرة”.

الحسن الثاني والمعارض الروماني

سنة 1974، وافق الملك الحسن الثاني على طلب الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم التعاقد مع المدرب الروماني فرجيل مارداريسكو الذي كان لاجئا سياسيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتقل إلى المغرب لممارسة التدريب رغم خوفه من ملاحقة نظام الدكتاتور تشاوسيسكو في بلاده، حيث يروى أنه كان يعقد المواعيد مع أعضاء الجامعة ثم يغير مكانها في آخر لحظة، كاحتراز أمني، قبل أن يطمئنه الملك الحسن الثاني ويعين عناصر أمنية لحراسة مقر سكناه، كما ابتكر الملك الراحل وصفة ناذرة في تعيين مارداريسكو، حيث ترك له مهمة تدريب الفريق الوطني فقط، في حين عين معه ناخبا وطنيا لاختيار اللاعبين ويتعلق بالكومندار المهدي بلمجدوب.

التقى الملك الراحل الحسن الثاني المدرب جورج مارداريسكو مرتين، لأنه غالبا ما يجد صعوبة في التواصل معه، وكان يصدر ملاحظاته “التقنية” لبلمجدوب الذي كان يرافقه كظله وينقل للقصر الملكي كل تفاصيل معسكرات ومباريات الفريق الوطني.

قبل الإقلاع صوب إثيوبيا للمشاركة في دورة 1976، عين الملك الحسن الثاني طبيبه الدكتور السرايري، ووضعه رهن إشارة الفريق الوطني، وهو مختص في طب القلب والشرايين، علل الملك هذا الاختيار بوجود المنتخب في مدينة ديرداوة التي ترتفع عن سطح البحر بكثير، مما يزيد من ضغط الدم، واحتمال التعرض لأزمات قلبية أو تنفسية.

يقول الدولي الراحل حميد الهزاز، حارس المنتخب الوطني، في مذكراته، إن «التدبير الملكي لأمور المنتخب آنذاك كان عاملا أساسيا في شحذ همم مكونات الفريق الوطني لحصد الكأس القارية. فالإمكانيات المادية حينها لم تكن متوفرة، الأمر الذي كان ينعكس على معسكراتنا وحتى تنقلاتنا، لكن متابعة الملك الراحل، الحسن الثاني، لشؤون المنتخب وتدخله حتى في أموره التقنية من خلال اتصالاته الكثيرة مع مارداريسكو وبلمجدوب، كان يفرضان علينا ممارسة الرقابة الذاتية على مردودنا، وحفزنا لتقديم أفضل ما نملك لنيل الكأس القارية حينها».

وأضاف الهزاز «أمر الحسن الثاني آنذاك بإلغاء جميع أنشطتنا وتوجهنا إلى مقر عمالة مدينة الدار البيضاء، حيث خصص لنا استقبالا رفيعا بوجود ولي العهد آنذاك، الأمير سيدي محمد، كما أصدر أوامره بإعلان ذلك اليوم يوم عطلة في المدارس الوطنية احتفالا بإنجاز المنتخب».

بقرار من الملك تسلم المدرب واللاعبون منحة الفوز باللقب القاري وحددت في مليون سنتيم لكل فرد، وطلب من إحدى شركات تركيب السيارات منح كل لاعب سيارة، قال عنها الهزاز: «علمنا ونحن في الطائرة بأننا سنتوصل بسيارة لكل لاعب، أخبرنا المسؤولون عن المنتخب أننا سنتسلمها فور هبوطنا بمطار النواصر، لكننا لم نستلم شيئا إلى يومنا هذا».

أشرف مارداريسكو على تدريب المنتخب المغربي لأربع سنوات، قبل أن يغادر المنصب بحسرة كبيرة، إثر إقالته عقب خسارة المغرب وخروجه من الدور الأول لنهائيات كأس أمم إفريقيا بغانا سنة 1978.

القصر يبحث عن مدرب برازيلي

بعد حادثة السير التي تعرض لها جيست فونتين، مدرب المنتخب الوطني الأسبق في بداية الثمانينات، دخلت كرة القدم المغربية مرحلة استنفار غير مسبوقة. فقد بادر الملك الحسن الثاني إلى إعطاء تعليماته لوزير الشبيبة والرياضة من أجل البحث عن مدرب برازيلي يقود المنتخب المغربي في الاستحقاقات المقبلة.

وهكذا احتضن قصر الصخيرات اجتماعا موسعا ظهر فيه الملك مصمما على طي صفحة التعثرات السابقة، وبناء منتخب قادر على استعادة ثقة الشارع الرياضي وبث الاطمئنان في نفوس المغاربة. ولم يكتف الثاني بتحديد الوجهة البرازيلية، بل دعا إلى إشراك السفارة البرازيلية في عملية التنقيب عن اسم كبير، وكلف بشكل مباشر إدريس الكتاني، السفير والمستشار الاقتصادي بالبرازيل في أوائل الثمانينات، بالمساهمة في هذه المهمة.

وجه الملك تعليماته إلى الوزيرين والمستشار بضرورة الإسراع في إعداد لائحة للمدربين البرازيليين المرشحين لتولي المهمة، في انتظار الحسم في الاسم النهائي. وخلال هذه الفترة الانتقالية، أسندت مهمة الإشراف على المنتخب مؤقتا إلى المدرب المغربي محمد العماري، الذي كان يشغل في الوقت نفسه منصب ضابط في الدرك الملكي.

وبعد بحث واتصالات مكثفة، أعد إدريس الكتاني لائحة أولية ضمت ثلاثة أسماء هي: ماريو ترافالينسيه، باولو ألميديا، وإنفالدو ميتو، وهو مدرب سبق له الإشراف على عدد من الأندية البارزة في البرازيل. ويقول الكتاني في حوار صحافي: “هؤلاء هم الأسماء الثلاثة التي ركزت عليها كل اهتمامي، لأنها تندرج ضمن المعايير التي حددها الملك، وعلى رأسها التعاقد مع مدرب جديد جدا”.

غير أن المهمة انتهت الى الفشل، إذ واجه المستشار صعوبات في إقناع وزير الشباب والرياضة بالاختيارات المقترحة، خاصة من الناحية المالية، بعدما بلغ سقف الراتب الشهري المقترح عشرة آلاف دولار. وزادت الأمور تعقيدا بسبب توتر غير معلن بين الوزيرين والمستشار، ما دفع هذا الأخير إلى محاولة إيصال مقترحاته مباشرة إلى الديوان الملكي، بعدما تنصلت وزارة الخارجية والسفارة من الملف، واعتبرتا أن البحث عن مدرب لا يدخل ضمن اختصاصاتهما، إلى أن اهتدت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى مدرب برازيلي إسمه فالنتي، تم اقتراحه على الحسن الثاني فوافق على تعيينه رسميا.

هنري ميشيل “المغربي”

ارتبط اسم المدرب الفرنسي هنري ميشيل بالمغرب لسنوات طويلة، ولم تكن علاقته بالكرة الوطنية عابرة او محكومة فقط بعقود التدريب. فقد نسج الرجل شبكة علاقات متينة داخل الوسط الكروي، وجعل من المغرب محطة دائمة يعود اليها باستمرار، حتى في الفترات التي كان يشرف فيها على تدريب اندية ومنتخبات اخرى. وعلى خلاف ما جرت به العادة، حظي هنري ميشيل بقرب استثنائي من المؤسسة الملكية، اذ نادرا ما خص الملك الحسن الثاني مدربي المنتخبات الوطنية بوقت وحديث مثلما فعل معه، الى حد انه عرض عليه حمل الجنسية المغربية.

لم يكن احد يتوقع، حتى اكثر المتفائلين، ان يصل هذا التقارب الى منح مدرب اجنبي صفة مواطن، خاصة في سياق رياضي لم يحقق فيه المنتخب نتائج باهرة. فقد تم ذلك خلال استقبال ملكي اعقب عودة المنتخب المغربي من فرنسا، مباشرة بعد خروجه المشرف من الدور الاول لنهائيات كأس العالم 1998.

في ذلك الاستقبال، صافح الملك الحسن الثاني جميع افراد البعثة المغربية، من لاعبين واطر تقنية وادارية، وقلدهم اوسمة الاستحقاق. غير ان لحظة خاصة خصصت للمدرب الفرنسي، حيث توقف الملك مطولا عند هنري ميشيل، وهنأه على ما اعتبره انجازا يحسب له، رغم ان المنتخب كان من اوائل المغادرين للمونديال. ولم يكتف العاهل المغربي بذلك، بل ابلغه رسميا بتجديد عقده مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في اعتراف صريح بالخدمات التي اسداها للكرة الوطنية.

من جانبه، عبر هنري ميشيل عن امتنانه الكبير، مؤكدا حبه للمغرب واستعداده لمواصلة مهمته على رأس الادارة التقنية، واضعا هدفا واضحا امامه يتمثل في التحضير الجيد لنهائيات كأس امم افريقيا 2000، بعد عامين من تجربة المونديال.

لكن الاقدار شاءت ان يرحل الملك الحسن الثاني، الذي كان وراء انتداب هنري ميشيل سنة 1995، قبل موعد تلك النهائيات. ومع غياب الراعي الاول للتجربة، لم يتمكن المدرب الفرنسي من الوفاء بالوعد الذي قطعه امام العاهل الراحل، اذ ودع المنتخب المغربي نهائيات كأس امم افريقيا 2000، التي نظمت بشكل مشترك بين غانا ونيجيريا، دون ان يحقق الطموحات المعقودة عليه.

محمد السادس وبادو الزاكي

في نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2004 بتونس، ومباشرة بعد الفوز العريض الذي حققه المنتخب المغربي على نظيره المالي بأربعة أهداف لصفر، ضمن مباراة نصف النهائي، سادت أجواء من الفرح العارم في صفوف اللاعبين وأفراد الطاقم التقني. وفي خضم تلك اللحظات، تقدم الجنرال المختار مصمم، وكان حينها برتبة كولونيل، نحو بادو الزاكي، مدرب المنتخب الوطني، وطلب منه الابتعاد قليلا عن المجموعة والانتظار في أحد أركان الملعب. دقائق بعد ذلك، رن الهاتف، وكان المتصل هو الملك محمد السادس، الذي هنأ كافة مكونات المنتخب على الانتصار المستحق والتأهل إلى نهائي تاريخي.

ولم يكن ذلك الاتصال الوحيد، إذ جدد العاهل المغربي تواصله مع بعثة المنتخب عقب المباراة النهائية أمام تونس. فقد أجرى اتصالا هاتفيا ربط خلاله الاتصال بالجنرال دوكور دارمي حسني بنسليمان، رئيس اللجنة الاولمبية المغربية والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي كان قد حل بتونس العاصمة لمتابعة النهائي من ملعب رادس. وخلال المكالمة، هنأ الملك بادو الزاكي وأفراد المنتخب على المسار المشرف الذي بصموا عليه خلال الدورة.

وفي اليوم نفسه، بعث الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى الرئيس التونسي الاسبق زين العابدين بن علي، بمناسبة تتويج المنتخب التونسي بلقب كأس أمم إفريقيا، في خطوة عكست مستوى رفيعا من الروح الرياضية. كما أمر بإرسال طائرة خاصة لنقل المنتخب المغربي من تونس إلى أكادير، حيث كان يوجد الملك، ليكون للبعثة موعد مباشر مع العاهل المغربي داخل القصر الملكي.

وخلال هذا الاستقبال، وشح العاهل المغربي لاعبي المنتخب وكذا أفراد الطاقم التقني والاداري والطبي بأوسمة ملكية. ولاحظت مكونات المنتخب حرص الملك على المساواة التامة بين جميع عناصر البعثة، حيث تم منح مكافأة مالية موحدة بلغت 100 مليون سنتيم لكل فرد، كما أمر رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بتحسين شروط عقد بادو الزاكي ودعمه للإستمرار مدربا للمنتخب الوطني، وهو ما يشبه تعيينا رسميا له بعد أن بدأ كمدرب مؤقت.