محامٍ: خروقات التعمير وقانون الماء وراء فاجعة فيضانات القصر الكبير
عاشت مدينة القصر الكبير، ليلتين استثنائيتين عصيبتين، حيث تسببت التساقطات المطرية الطوفانية وامتلاء سد وادي المخازن في فيضان غير مسبوق لوادي اللوكوس، وقد تحولت أحياء المدينة المنخفضة إلى مناطق منكوبة غمرتها السيول، مما دفع السلطات إلى إعلان حالة استنفار قصوى وإخلاء السكان، وسط تعليمات ملكية بنصب خيام القوات المسلحة الملكية لإيواء المتضررين.
ورغم التدخلات الميدانية للوقاية المدنية والمبادرات التطوعية، فإن حجم الكارثة كشف عن خلل بنيوي عميق تجاوز مجرد “ظرف طارئ”، إذ سرعان ما تحول النقاش من تدبير عمليات الإجلاء والإيواء إلى البحث في الأسباب الحقيقية التي جعلت أحياء سكنية بأكملها لقمة سائغة للمياه، مما فتح الباب واسعاً أمام التساؤلات القانونية حول مسؤولية التقصير والإهمال.
وفي خضم هذا الجدل، برز الجانب التشريعي كمدخل أساسي لفهم ما حدث، حيث لم تعد المسألة مرتبطة فقط بقوة الطبيعة، بل بمدى احترام ضوابط التعمير وقوانين الماء، خاصة وأن النصوص القانونية واضحة في تنظيم العلاقة بين المنشآت العمرانية والمجاري المائية لتفادي مثل هذه الكوارث.
وفي هذا السياق، تساءل محمد النويني، المحامي بهيئة الدار البيضاء، عما إذا كانت السلطات المحلية ستخضع للمساءلة لخرقها مقتضيات المادة 96 من القانون رقم 15.36 المنظم للماء، التي تمنع صراحة إنجاز أي منشأة فوق المجاري والمسطحات المائية بصفة عامة.
وأوضح النويني في حديثه لـ”صوت المغرب” أن “الواقع يظهر تشييد العديد من البنايات السكنية والمرافق العمومية والاقتصادية بمحاذاة الوادي وبمجراه السابق”، معتبرا أن “هذا الوضع يمثل خرقاً قانونياً ساهم بشكل مباشر في غمر هذه المنشآت بالأمطار نتيجة ارتفاع منسوب الفيضانات، مما يضع علامات استفهام كبرى حول التراخيص الممنوحة في تلك المناطق”.
ولم يكتفِ النويني بالمادة 96، بل استند أيضاً إلى المادة 117 من نفس القانون التي تضع السلطات في قفص الاتهام، حيث أشار إلى أن “هذه المادة تمنع إقامة حواجز أو بنايات في الأراضي القابلة للغمر، والتي من شأنها عرقلة سيلان مياه الفيضان بدون ترخيص، إلا إذا كان الغرض منها حماية المساكن والممتلكات، وهو شرط يبدو أنه لم يتحقق في حالة القصر الكبير”.
وانتقل رئيس الفضاء المغربي لحقوق الإنسان في تصريحه إلى مساءلة الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية حول تفعيل المادة 118، متساءلا عما “إذا كانت هذه الجهات قد وضعت فعلاً مخططات للوقاية من أخطار الفيضانات تتضمن قواعد ومعايير صارمة يجب احترامها عند إعداد المشاريع العمرانية والبنية التحتية، أم أن العشوائية كانت سيدة الموقف”.
كما وجه المتحدث ذاته أصابع الاتهام إلى وكالة الحوض المائي، مستفسراً عن “مدى احترامها للمادتين 121 و122 من القانون المذكور”، وأكد على “ضرورة التحقق مما إذا كانت الوكالة قد وضعت أنظمة للتوقع والإنذار بالحمولات، ووفرت نشرات إخبارية دقيقة للسلطات الترابية حول المخاطر، لتمكينها من اتخاذ التدابير اللازمة قبل وقوع الكارثة”.
وشدد النويني على أن “المسؤولية في هذه الفاجعة هي مسؤولية مشتركة وتطال جهات متعددة بقوة القانون”، معتبرا أن “الحفاظ على أرواح المواطنين لا يقبل التهاون، وأن التقصير في تطبيق النصوص التشريعية حول تدبير الملك العام المائي هو ما حول هذه التساقطات إلى مأساة حقيقية تستوجب المحاسبة”.
وأضاف المحامي أن “القانون يفرض على هذه المؤسسات التزامات واضحة تجاه المنكوبين تتجاوز حدود الإنذار”، وأن “الجهات المعنية ملزمة قانوناً بتقديم كل أشكال النجدة والإغاثة، من إجلاء وإيواء، وصولاً إلى تعويض المتضررين عن الأضرار الجسيمة التي لحقتهم جراء هذا القصور في تدبير المخاطر وتطبيق القانون”.
وفي غضون ذلك، شدد النويني على أن “فاجعة فيضانات القصر الكبير يجب أن تكون محطة فاصلة لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فبينما تحاول الساكنة لملمة جراحها، يبقى تطبيق القانون ومساءلة كل من خالف مقتضيات قانون الماء هو السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم”.