story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

متى تصبح المشاركة الانتخابية مشاغبة على مسار التغيير؟

ص ص

لا يكاد يختلف الدارسون لتجارب الانتقال الديمقراطي في أن التغيير السياسي، بوصفه دينامية انتقال من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي، هو عملية معقدة وشاقة، تتداخل فيها بنى السلطة، ومصالح النخب، وموازين القوى، ومستويات الوعي الاجتماعي والسياسي.

غير أن من أخطر ما يغفل عنه بعض الفاعلين في مسارات التغيير أن النظام السلطوي لا يستمد قوته من أجهزة القمع وشبكات المصالح وحدها، وإنما يرتكز أيضا إلى منظومة من المقولات السلطوية المرسخة في عقول الناس. وهذا ما يقترب من معنى الهيمنة عند أنطونيو غرامشي، حيث لا تستقر السيطرة السياسية بالإكراه وحده، بل تحتاج إلى قبول اجتماعي وثقافي يجعل الخضوع يبدو طبيعيا ومألوفا. ومن هنا تعمل هذه المقولات على جعل التسلط أمرا مقبولا، وتبعد مراكز الحكم عن دائرة المحاسبة، وتحول الخضوع إلى حكمة، والصمت إلى تعقل، والمساءلة إلى تهور.

وكلما امتد النظام السلطوي في الزمن، ازدادت هذه المقولات رسوخا في الوعي الجمعي، حتى يتحول التفكير الجاد في شؤون الحكم إلى مغامرة لا تليق بالعقلاء. وقد تخلع بعض هذه المقولات على السلطة هالة غيبية أو قدرية، كأن تدبير الشأن العام سر مغلق يتجاوز إدراك البشر، ولا يملك المواطنون إزاءه إلا التسليم للقوى الحاكمة.

لذلك، فإن الحركات التغييرية التي تهمل هذا الجانب العميق من المعركة، ولا تدرك أن التغيير يبدأ من تصحيح ما أفسده الاستبداد في عقول الناس، قد تُحقق مكاسب شكلية أو ظرفية، لكنها تعجز غالبا عن تأسيس تغيير حقيقي ودائم. فكل إنجاز سياسي لا يجد قاعدة جماهيرية واعية تحمله وتحميه، يبقى عرضة للانطفاء، أو الارتداد، أو انقلاب الفاسدين عليه.

إن المعركة الحقيقية في مسار التغيير تُخاض في عقول الناس، وإن كانت وقائعها الظاهرة تجري في ساحات التدافع السياسي. فالفعل السياسي اليومي لا ينبغي أن يُفصل عن ميدانه الاستراتيجي الأعمق: تحرير الوعي من مقولات السلطوية. ولذلك لا يقاس الإنجاز بمجرد المكاسب الميدانية أو الحضور المؤسسي، ما لم يرافقه تحول في الوعي العام يجعل الاستبداد أمرا مُنكَرا ومُدانا ومرفوضا.

في هذا السياق، وما يتصل به من نقاش حول جدوى المشاركة أو المقاطعة في الانتخابات التشريعية، يمكن التمييز بين تصور يجعل تحرير الوعي جزءا أساسيا من مشروعه، وتصور آخر يمنح أولوية أكبر للحضور داخل المؤسسات القائمة. فالأول يسأل: كيف نحرر المجتمع من أسر مقولات الاستبداد؟ كيف نجعل الناس يدركون أن السياسة شأنهم، وأن الحكم قابل للمساءلة، وأن السلطوية ليست قدرا محتوما؟ أما الثاني، فينصرف غالبا إلى توسيع هامش الفعل داخل المشهد السياسي الرسمي، من خلال ما تتيحه المؤسسات القائمة من فرص وحدود.

لذلك، يبدو التوتر بين المقاربتين مفهوما من حيث التصورات والأولويات. ذلك أن تغيير الأفكار في العقول يتطلب قدرا كبيرا من البيان والوضوح في المواقف، ويتطلب تسمية الأشياء بمسمياتها، حتى لا يلتبس الأمر على الناس، مع ما قد يترتب على هذا الوضوح من كلفة سياسية في مواجهة السلطوية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو المقاطعة انسحابا سلبيا من العملية الانتخابية، وإنما فعلا سياسيا يروم بناء وعي حاد وواضح. إنها امتناع عن منح شرعية رمزية لمسار لا يفضي، في شروطه الحالية، إلى تغيير حقيقي، ومساءلة للسلطة في موقعها الفعلي لا في واجهتها الصورية. وهي، بذلك، استثمار في عقول الناس باعتبارهم قاعدة التغيير الصلبة. غير أن هذا الاختيار يظل، بطبيعته، في مواجهة غير متكافئة مع السلطوية ومع أدواتها التضليلية.

أما المشاركة السياسية في واقع مؤسسي محدود، وإن وفرت لأصحابها فرصا أكبر للتعبئة والتواصل الجماهيري، فإنها كثيرا ما تدفعهم إلى اعتماد خطاب حذر قد ينزلق إلى المواربة والالتباس، فتُقدَّم، مثلا، مؤسسة باهتة الحضور بوصفها برلمانا، وتُقدَّم هيئة لا تملك من الحكم إلا بعض هوامشه بوصفها حكومة. وقد تضعهم، أحيانا، أمام قرارات عليا لا يملكون توجيهها فعليا، غير أنهم يجدون أنفسهم في موقع تبريرها أو تحمل كلفتها الرمزية والسياسية. وحين يتحرك هذا الخيار داخل شروط لا يستطيع تغيير قواعدها، فقد يحد من وضوح الاستثمار الاستراتيجي الذي يراهن عليه أصحاب خيار المقاطعة.

إن أي تقييم جاد لخيار المشاركة أو المقاطعة لا ينبغي أن يغفل أثر كل موقف في بناء الوعي السياسي العام، باعتباره أساس كل تغيير. فما الذي تربحه القوى التغييرية حين تدخل مؤسسات محدودة التأثير في القرار السياسي؟ وما الذي يخسره الوعي الجماعي حين تقدم تلك المؤسسات بوصفها عنوانا للديمقراطية؟

المسألة إذن لا تتعلق برفض مبدئي للمشاركة من حيث هي مشاركة، أو بتمجيد آلي للمقاطعة من حيث هي مقاطعة، وإنما تتعلق بالوظيفة السياسية لكل موقف: هل يحرر وعي الناس أم يزيده التباسا؟ هل يكشف بنية السلطوية أم يخفف من حدتها في الإدراك العام؟ هل يراكم في اتجاه التغيير أم يربك مساره؟ هنا تحديدا ينبغي أن يكون النقاش.