ما للملك وما لبنكيران
يكفي أن تتحرك شفتا عبد الإله بنكيران، وقبل أن ينطق بما يكفي لفهم ما يريد قوله، حتى ينتظم ما يشبه فوجا جاهزا من “المطاوعة الجدد”، ليس للدخول معه في نقاش سياسي، ولا لتفنيد منطقه أو مجادلته في الوقائع، بل لتذكيره بالمقامات والحدود والآداب، واتهامه، قبل كل شيء، بالتطاول على الملك.
نظرية عجيبة في السياسة ابتكرناها اسمها معارضة المُعارض.
في كل ركن من هذه الأرض، توجد فيه ديمقراطية، مكتملة أو في طور التشكل، تتجه عدسات الصحافة وأصابع المساءلة وأدوات السلطة المضادة إلى من يحوزون القرار، ويتصرفون في المال العام، ويمارسون السلطة باسم وأموال دافعي الضرائب، حتى لا ينحرفوا بها أو يشططوا في استعمالها.
وعندنا، يُطلب من الصحافي والمثقف و”صانع الرأي” أن ينصرف عن هؤلاء، وأن يراقب عبد الإله بنكيران.
الرجل أمين عام حزب يملك مجموعة نيابية محدودة العدد، ويقبع خارج الحكومة منذ نحو عشر سنوات، ولا يدبّر ميزانيات ولا يعيّن مسؤولا ولا يعفي آخر. ومع ذلك، يكاد المرء يعتقد، من حجم الجهد المبذول في ترصده والرد عليه، أنه الممسك الحقيقي بمفاتيح السلطة.
وللمفارقة، لا أظن أن هناك من يقدم لبنكيران خدمة أكبر من هؤلاء. فلو لم يكن رقما سياسيا مؤثرا، ولو لم يكن لكلامه صدى في المجتمع، ولو لم تكن حركاته وسكناته تثير شيئا في موازين المجال السياسي، لما احتاج إلى كل هذه الحراسة الكلامية.
ماذا فعل بنكيران هذه المرة؟ لقد طرح سؤالا. وقال إنه وجّهه إلى الملك لمعرفة حقيقة ما وقع يوم 30 يوليوز في سبتة ومحيطها، ومن دبّر تلك الموجة البشرية، وهل كانت وراءها جهة خارجية أم داخلية، وكيف أمكن أن تقع بالشكل والتوقيت اللذين وقعت بهما.
فهل صار إخبار المواطنين بأن سياسيا وجّه سؤالا إلى ملك البلاد إساءة؟ وهل سؤال الملك أصبح ممنوعا؟ ومن قرر ذلك؟ وفي أي دستور أو قانون أو عرف سياسي نجد أن الملك يخاطب المغاربة، لكن لا يجوز للمغاربة، أو ممثليهم السياسيين، أن يخاطبوه؟
لن نحتاج إلى العودة إلى التاريخ البعيد كثيرا، كما فعل خالد البكاري في مقال جميل استعاد فيه رسائل علماء واجهوا السلاطين بالنصيحة والاعتراض، ولا إلى قياس سؤال بنكيران اليوم على معارضات المهدي بنبركة أو عبد الرحيم بوعبيد أو غيرهما للملك الحسن الثاني؛ فلا قياس مع وجود الفارق، كما كتب الصديق خالد البكاري نفسه.
بنكيران، لمن لا يعرفه، هو آخر من يمكن اتهامه ببناء مشروع سياسي على منازعة الملك سلطته. بل العكس تماما. يمكن أن ننتقده، وقد فعلت شخصيا مرارا، ووصفته ب”فقيه السلطان”. وحتى خصومه من داخل الحقل السياسي يعتبرونه سياسيا شديد التحفظ أمام المؤسسة الملكية، يؤطر علاقته بها بمفهوم خاص للطاعة والاحترام.
فماذا فعل الرجل الآن؟
لقد ترجم، بصوته وطريقته ومصلحته السياسية أيضا، سؤالا عالقا في رؤوس عدد هائل من المغاربة منذ ليلة 30 يوليوز 2026. وهنا مربط الفرس.
أثناء زحف الآلاف نحو سبتة، كان المغرب يعيش أهم احتفال رسمي في السنة. وُجّه خطاب العرش مساء 29 يوليوز، وفي اليوم الموالي احتضنت تطوان والمضيق مراسيم الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء الملك العرش، بحضور كبار مسؤولي الدولة والمؤسسات.
وفي الوقت نفسه تقريبا، وغير بعيد عن مركز هذه الاحتفالات، كانت جموع من المغاربة، بينهم أطفال ويافعون، تتدفق بصورة لم نشهد لها مثيلا نحو سبتة. فهل نحتاج حقا إلى بنكيران كي ننتبه إلى غرابة المشهد؟
إن ما يحتاج المغاربة إلى معرفته هو كيف تشكلت تلك الموجة بذلك الحجم وفي ذلك اليوم، وكيف وصلت إلى ذلك المكان، ومن أطلق الإشارات الأولى، وهل كانت هناك يد منظمة، وإذا كانت موجودة فمن تكون؟ خارجية أم داخلية؟
العبارة الأخيرة تحديدا هي التي يرجّح أنها أفزعت البعض. ما أثار القلق (وربما الخوف) ليس أن بنكيران خاطب الملك، بل كونه أضاف إلى فرضية “الجهة الخارجية”، التي يسهل سياسيا وأمنيا استيعابها، احتمال وجود “جهة داخلية”.
نظرية المؤامرة الخارجية مريحة. تمنحنا خصما واضحا وتغلق الملف بسرعة. لكن بمجرد أن تسأل: وماذا لو كانت هناك جهة من الداخل؟ يصبح مطلوبا فتح أبواب أخرى، والبحث في مسؤوليات أخرى، وطرح أسئلة غير مريحة.
قد يكون هذا الاحتمال خاطئا تماما، لكنه لا يجوز أن يعالج بمنع السؤال، بل بالتحقيق وتقديم الأجوبة المقنعة. إذا كان بنكيران يهذي، فالتحقيق سيفنده. وإذا كانت الوقائع تثبت أن ما حدث لم يكن سوى نتيجة تفاعل عفوي لعوامل اجتماعية ورقمية وإجرامية، فقولوا ذلك للمغاربة وقدّموا لهم الوقائع.
أما أن يبقى السؤال بلا جواب، ثم نثور في وجه من يطرحه لأنه “تطاول” حين قال إنه سأل الملك، فهذه طريقة غريبة جدا في حماية المؤسسات، وتضع المؤسسة الملكية في المكان الذي يزعم أصحابها أنهم يريدون إبعادها عنه.
ثم لماذا ينسى “المطاوعة الجدد”، أن بنكيران زعيم حزب معارض، وما قاله يحمل، في الواقع، اتهاما سياسيا أساسيا للحكومة.
لقد ربط بنكيران بالفعل، وفي التصريح نفسه الذي كشف فيه تقديم طلبه رلى الملك، تلك الأحداث بأداء حكومة عزيز أخنوش، وحمّلها مسؤولية المناخ الذي جعل أعدادا من الشباب مستعدة للهروب من الوطن.
أي أن الرجل يقوم بدوره. يعارض، ويُحمّل الحكومة المسؤولية، ويضخم أخطاءها، بالتأكيد، ويوظف الحدث انتخابيا، على الأرجح، وينتقي من الوقائع ما يخدم سرديته، مثل كل سياسي يسعى إلى الفوز في انتخابات تجرى بعد أسابيع.
ناقشوه في ذلك كله. قولوا له إن حكومته ساهمت في إنتاج الوضع الذي ينتقده اليوم. ذكّروه بالبطالة وإصلاح المقاصة والتقاعد والتعليم وكل ما تريدون. واجهوه بالأرقام. طالبوه بأن يقدم البديل. أما الملك، فاتركوه خارج لعبة “المطاوعة”.
سؤال بنكيران مشروع ومنطقي، ليس لأن الرجل على حق بالضرورة، بل لأن السؤال في حد ذاته حق.
وإذا كان هناك خطر ينبغي أن نقلق منه، فليس أن يتجرأ سياسي على القول للملك إن هناك أمر كبير وقع وأريد أن أعرف حقيقته. الخطر هو أن يصبح السياسيون والصحافيون والمثقفون مقتنعين بأن واجبهم هو أن يمنعوا السؤال.
فلا الملك يحتاج إلى “مطاوعة” يحرسون مقامه من الكلام، ولا الدولة تحتاج إلى مزيد من الصمت. ما تحتاجه، بعد الذي وقع في سبتة، هو شيء أبسط بكثير اسمه الحقيقة.
فإما أن نعرف من حرّك ذلك الزحف، وكيف حدث، ولماذا عجزت المؤسسات عن استباقه؛ وإما أن يظل السؤال معلقا، وسيسأل بنكيران ويسأل غيره، مهما ارتفع صوت الذين يريدون أن يجعلوا من السؤال جريمة.
للملك موقعه واحترامه ومسؤولياته الدستورية، ولبنكيران حقه الكامل في أن يعارض ويسأل ويخطئ ويصيب.
أما نحن، فواجبنا ليس حراسة أحدهما من الآخر، بل أن نسأل الاثنين، ومعهما الحكومة وبقية المؤسسات: ماذا وقع يوم 30 يوليوز؟