لا تنسحبوا أمام الفراقشية!
في سياق ما نعرفه من نقاش واسع حاليا حول “فراقشية” عيد الأضحى، ليست المصيبة أن نكتشف، مرة أخرى، أن بيننا من يأكل من لحمنا ويشرب من عرقنا باسم حمايتنا؛ المصيبة أن نكتشف ذلك، ونغضب كثيرا، ونسخر قليلا، ونتداول الأرقام والصور والمقاطع، ثم نعود إلى بيوتنا كما لو أن الأمر لم يكن أكثر من موجة عابرة، ملأت الشاشات، ثم انكسرت على صخرة النسيان.
“الفراقشية” يريدوننا بالفعل أن نغضب يوما أو يومين. وأن نتبادل النكت، ونردد رقم 7600 مليار كما نردد لازمة أغنية خفيفة، ثم نملّ بينما يعودون إلى شركاتهم، وإلى صفقاتهم… لكن أيضا إلى خزائن الدولة المفتوحة أمامهم كأنها إرث عائلي.
تحقيق مجلة “ملفات” الذي أنجزه الصديق يوسف الحيرش لم يكن، في تقديري، مجرد تحقيق في اللحوم والأعلاف والمحروقات وأضاحي العيد. بل هو أشبه بفتح نافذة واسعة على غرفة مغلقة منذ سنوات، غرفة تتكدس فيها روائح كريهة.
وحلقة برنامج “من الرباط” التي خصصناها لهذا الموضوع لم تكن هي الأخرى مجرد نقاش حول رقم صادم أو تحقيق صحافي مثير. بل كانت محاولة للقول إن هذا الملف أكبر من سعر الحولي، وأخطر من ثمن الكيلوغرام من اللحم؛ نحن أمام سؤال من يملك اليوم القدرة على تحويل المغاربة إلى زبناء في سوق محاصرة؟
قال الصديق خالد البكاري، في هذه الحلقة، ما ينبغي أن يتوقف عنده الجميع: ما يجري لا يهدد المواطن وحده، ولا ينخر المجتمع وحده؛ بل يهدد الدولة نفسها.
الدولة التي تُستدرج إلى اختيارات لا تخدم مصلحتها ولا مصلحة مجتمعها، تمنح خصومها الخارجيين ما لا يستطيعون صنعه وحدهم. تمنحهم مادة للقول إن المؤسسات لا تحمي الناس، وثغرات للتأليب، ووقودا للاضطراب.
إنها تمنحهم الدليل اليومي على أن العلاقة بين الدولة والمواطن يمكن أن تُسمّم من الداخل، عبر الخبز واللحم والزيت والغازوال و… خروف العيد.
يظن البعض أن حماية الدولة تعني إسكات الصحافة، وتدجين الحقوقيين، ومحاصرة الأصوات المزعجة، وتحويل النقاش العمومي إلى نشرة علاقات عامة. وهذا هو الخطأ القاتل.
حماية الدولة تبدأ من قول الحقيقة لها قبل غيرها، ومن تنبيهها حين تستعمل أدواتها ضدها، ومن الدفاع عن القانون حين يستعمله الأقوياء ضد الضعفاء، ومن كشف الفساد قبل أن يصبح قاعدة وغياب محاربته أمرا عاديا، كما حذر البكاري بذكاء موجع: أن ننتقل من التطبيع مع الفساد إلى التطبيع مع غياب محاربة الفساد.
حين لا يبقى للناس أمل في محاسبة مفسد، ويتعاملون مع الريع كما لو أنه مناخ، ويسمعون عن الملايير المسروقة كما يسمعون عن أخبار الطقس؛ يصبح اليأس هو المؤسسة الوحيدة التي تعمل بكفاءة. حينها لا يكون الفساد قد انتصر فقط في الاقتصاد، بل يكون قد ربح المعركة الأخطر، وهي معركة الروح العامة.
لذلك يجب أن ننتبه. من ينهبون المال العام لا يريدون ربح المال فقط، بل يريدون مواطنا يائسا، يضحك من خيباته بمرارة ولا يتحرك، ويقول “كلهم بحال بحال”، ولا يثق في الصحافة، ولا في السياسة، ولا في الجمعيات، ولا في البرلمان، ولا في القانون، ولا حتى في نفسه.
إنهم يريدوننا مجتمعا منسحبا، لا يناقش، ولا يغضب، ولا يذهب أبعد من السخرية. لأن المواطن اليائس هو الزبون المثالي للفراقشية.. يشتم، ثم يعود للدفع.
لهذا، يصبح بث الأمل اليوم فعلا سياسيا. والأمل ليس هو ذلك الكلام الناعم الذي يقال في نهاية الخطب، بل هو أن نواصل، وأن نبني على ما انكشف، وألا نترك التحقيق الصحافي وحده في مواجهة شبكات تعرف كيف تشتري الصمت، وتخيف الكلام، وتُغرق المجال العام بالضجيج.
الأمل هو أن نؤمن بأن الصحافة الاستقصائية ليست ترفا، بل حاجة ديمقراطية وأمنية أيضا. لأن الدولة التي لا تعرف ما يقع داخل اقتصادها، تترك نفسها للابتزاز من الخارج قبل الداخل.
الأمل هو أن تتحول هذه المعطيات إلى أسئلة برلمانية دقيقة، وإلى طلبات افتحاص، وإلى لجان تقصي لا تُدفن في المكاتب، وإلى تحرك من مجلس المنافسة، وإلى افتحاصات من المجلس الأعلى للحسابات، وإلى مساءلة للحكومة؛ ليس من باب المناكفة، بل من باب حماية المال العام وحماية الدولة من تحالفات أصبحت أكبر من مجرد مصالح اقتصادية.
أخطر ما جرى في السنوات الأخيرة ليس استباحة الاقتصاد فقط، بل تجريف السياسة حتى تصبح عاجزة عن تسمية الأشياء.
حين تتحول الأحزاب إلى ملحقات انتخابية للأعيان، ويصير البرلمان عاجزا عن إنتاج حقيقة مؤسساتية في ملف يعرفه “رجل الشارع”، ويصبح الوزير أقرب إلى محامي السوق منه إلى ممثل الدولة؛ فإننا لا نكون أمام أزمة أسعار، بل أمام أزمة وساطة سياسية.
ودون سياسة حقيقية، لا يبقى أمام المواطن إلا السوق والشارع. السوق يفترسه، والشارع قد ينفجر به.
إن إعادة الاعتبار للسياسة تعني أن تعود الأحزاب إلى وظيفتها، لا إلى تمثيل مصالح مموليها. وتعني أيضا وقف التخريب الجاري في الصحافة. لأن ما يحدث في الاقتصاد له شبيه في الإعلام.
هناك أيضا فراقشية المجال الصحافي. يقتطعون من أموال المغاربة، أو من إشهار المؤسسات، أو من قربهم من مراكز النفوذ، مقابلا عن خدمات لا علاقة لها بالصحافة.
فراقشية الصحافة يتلقون مقابلا عن التلميع، وعن التغطية على الفساد، وعن ضرب الأصوات المستقلة، وعن تشويه النقاش، وعن صناعة الضباب.
وكما ينهب فراقشية اللحم القدرة الشرائية، ينهب فراقشية الإعلام حق المواطن في المعرفة.
لا يمكن لدولة عاقلة أن تراهن على هؤلاء. قد يخدمونها لحظة، لكنهم يغرقون السفينة على المدى الطويل. الصحافة المأجورة لا تحمي الدولة، بل تخدرها، وتمنع عنها الألم الضروري لتعرف أن جسدها مهدد، وتبيع لها الوهم بأن كل شيء بخير، فيما تتقدم النار تحت السطح.
الصحافة الحرة، والمزعجة، والمتعِبة هي التي تكشف النزيف، وتقول هنا يوجد خطر، وهنا يعبث البعض باسمك وبأموالك وبشرعيتك.
لذلك، فإن الإصلاحيين، وحماة الحريات، والمدافعين عن حقوق الإنسان، هم حلفاء الدولة الموضوعيون. هم خط دفاعها المدني. هم من ينبهونها حين يغشّها المنافقون بالتقارير المريحة. وهم من يمنعون المجتمع من السقوط في اليأس الكامل.
إن ما جرى مع تحقيق “ملفات” وما تلاه من نقاش ليس نهاية. بل ينبغي أن يكون بداية. والبداية الحقيقية لا تكون بالتصفيق للتحقيق، بل بحمايته من النسيان. ولا تكون بتداول المقاطع، بل بتحويلها إلى ملفات. ولا تكون بمدح الصحافة، بل بدعمها. ولا تكون بلعن الفراقشية، بل ببناء قوة مدنية ومؤسساتية تضع لهم حدا.
ما زال في هذا المغرب أمل كبير، رغم كل شيء. لكن الأمل يحتاج إلى فعل. والفعل يحتاج إلى شجاعة. والشجاعة تحتاج إلى تحالفات موضوعية بين كل من يريدون لهذا البلد أن ينجو من افتراسه الداخلي.
هذه لحظة نداء.
والنداء موجّه إلى الدولة كي تستدرك قبل أن يصبح النزيف بنية.
وإلى السياسة كي تستعيد معناها قبل أن يبتلعها السوق.
وإلى الصحافة كي تواصل كشف الحقيقة.
وإلى المواطن كي لا ينسحب، لأن الانسحاب هو الهدية التي ينتظرها المفترسون.