story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

كش ملك أم بداية جديدة؟

ص ص

في لعبة الشطرنج، لا يقاس ذكاء اللاعب بقدرته على توقع حركة خصمه فقط، بل بما يستطيع فعله حين يجد نفسه أمام حركة لم يكن يتمناها، أو حين يبدو أن خصمه قد نجح في إغلاق الطريق أمامه. والأهم من ذلك كله أن اللاعب المحترف لا ينشغل كثيرا بالقطعة التي خسرها، بقدر ما يفكر في الرقعة التي أصبحت أمامه، وفي كيفية تحويل ما يبدو خسارة إلى فرصة لتغيير قواعد اللعب.

ولعل في ما جرى يوم الجمعة الماضي داخل مجلس الأمن الدولي، وما أعقبه من موقف مغربي غير مسبوق، ما يسمح باستعارة هذه الصورة لفهم واحدة من أهم اللحظات التي عرفها ملف الصحراء منذ المسيرة الخضراء، أو على الأقل منذ إنشاء بعثة ال”مينورسو” قبل 35 سنة.

لم يكن الفيتو الروسي مفاجأة بالنسبة إلى المغرب، كما كشف وزير الخارجية ناصر بوريطة، الذي أكد أن موسكو أبلغت الرباط مسبقا بقرارها التصويت ضد المشروع الأمريكي. ومع ذلك، فإن ما يستحق التوقف عنده ليس استعمال روسيا حق النقض ضد مشروع حظي بتأييد 11 دولة، ولا حتى فشل المشروع الروسي البديل في الحصول على الأصوات اللازمة، وإنما الطريقة التي اختار بها المغرب التعامل مع النتيجة.

ففي الوقت الذي كانت فيه العواصم الكبرى تتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن تعريض مستقبل البعثة الأممية للخطر، خرج الديوان الملكي، في مساء اليوم نفسه، ليعبر عن ارتياح المغرب لهذا التطور، ويعلن طي صفحة ال”مينورسو”، ويدعو إلى سحب قضية الصحراء من جدول أعمال مجلس الأمن ووقف المسار السياسي الأممي.

هكذا، وجدنا أنفسنا أمام مشهد غير مألوف، حيث لم يكتف المغرب بالتفاعل مع ما قررته القوى الكبرى، بل تقدم بموقف سياسي يسعى إلى إعادة تحديد ما ينبغي أن يترتب عن قراراتها، أو بالأحرى عن عجزها عن اتخاذ القرار.

ينبغي أن نسجل بكل وضوح أن ما أبان عنه المغرب في هذه اللحظة هو قدرة على التحرك داخل مربع الكبار، بدل الاكتفاء بانتظار ما تسفر عنه تفاهماتهم أو صراعاتهم. فالذين اعتادوا النظر إلى النزاع حول الصحراء باعتباره ملفا ينتظر فيه المغرب قرارا من نيويورك، وجدوا أنفسهم أمام دولة تسعى إلى تحويل الانسداد داخل مجلس الأمن إلى نقطة انطلاق لمبادرة سياسية من جانبها.

والراجح أن قوة هذه الحركة لا تكمن فقط في سرعة إعلانها، بل في أنها جاءت بعدما راكم المغرب، خلال السنوات الماضية، تحولات مهمة في مواقف دول مؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وبعدما أصبح الحكم الذاتي يحتل موقعا مركزيا في المفاوضات.

لكن من الضروري كذلك ألا نخلط بين قراءة المغرب للفرصة وبين تحقق النتائج التي يريد الوصول إليها؛ فليس كل ما تقرره دولة بشأن مستقبل النزاع يتحول تلقائيا إلى واقع قانوني أو مؤسساتي داخل الأمم المتحدة. ولو كان كل ما نفعله يفضي إلى ما نتمناه لما كان هذا النزاع قد دام أكثر من نصف قرن واستنزف مقدّراتنا ورهن تنميتنا.

ولعل أكثر ما يثير الاهتمام في هذه الحركة المغربية أنها قلبت المفارقة التي كان يفترض أن تنتج عن الفيتو الروسي. فموسكو أرادت منع تمرير قرار يمنح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية موقعا حصريا في المفاوضات، ويحذف الاستفتاء من تسمية البعثة الأممية، ثم حاولت إعادة الجميع إلى الصيغة السابقة بتمديد ولاية ال”مينورسو” لسنة إضافية.

النتيجة أن مجلس الأمن لم يستطع اعتماد المشروع الأمريكي، ولم يستطع كذلك المحافظة على البعثة بصيغتها القديمة. وهنا جاء الموقف المغربي ليقول، في جوهره، إنه إذا كانت الأمم المتحدة عاجزة عن الانتقال إلى مرحلة جديدة، وعاجزة في الوقت نفسه عن تجديد آليات المرحلة القديمة، فإن المغرب لم يعد يرى مبررا للاستمرار في التعامل مع تلك الآليات باعتبارها الإطار الوحيد لتدبير القضية.

حركة لا يمكن فهم منطقها إلا بمنطق لاعبي الشطرنج المحترفين، الذين لا يغيرون القطع فوق الرقعة فقط، وإنما يحاولون تغيير شكل المواجهة. لكن الحماسة التي يمكن أن تثيرها هذه الحركة لا ينبغي أن تحجب عنا سؤالا أكبر، وربما أكثر إحراجا: ماذا بعد؟

المغرب الذي يطالب اليوم بسحب ملف الصحراء من جدول أعمال الأمم المتحدة، هو نفسه المغرب الذي كان، في بداية الستينيات، من أبرز المطالبين بإدراج قضية الصحراء الخاضعة للاستعمار الإسباني ضمن أعمال لجنة تصفية الاستعمار. ولم يكن ذلك خطأ تاريخيا، بل كان جزءا من معركة سياسية ودبلوماسية خاضتها الدولة المغربية من أجل استكمال وحدتها الترابية، في مواجهة إسبانيا التي كانت ترفض الاعتراف بالطابع الاستعماري لوجودها في الإقليم.

ومن داخل الأمم المتحدة نفسها، خاض المغرب معارك سياسية وقانونية، واستند إلى قرارات ومواقف دولية، وصولا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، قبل أن تنطلق المسيرة الخضراء وتفتح مرحلة جديدة في تاريخ المغرب.

واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على دخول الملف إلى الأجندة الأممية، يطرح المغرب الخروج من هذا الإطار، بعدما تغيرت طبيعة النزاع وأطرافه وتحالفاته وموازين القوى المحيطة به.

لا تنطوي هذه المفارقة التاريخية بالضرورة على تناقض، لأن الأمم المتحدة التي لجأ إليها المغرب لمواجهة الاستعمار الإسباني ليست، من حيث الوظيفة السياسية للنزاع، هي نفسها الأمم المتحدة التي أشرفت على مخطط التسوية سنة 1991، وليست بالضرورة الإطار الأنسب لاستمرار المفاوضات بالصيغة التي عرفناها طوال العقود الأخيرة.

لكن الانتقال من اعتبار المنظمة الدولية سندا للمطالبة بالتحرير إلى اعتبار استمرار حضورها جزءا من مشكلة إدامة النزاع، يستحق أكثر من إعلان سياسي، ويحتاج إلى تصور متكامل لما سيحل محل هذا الإطار. فانسحاب بعثة أممية لا يعني انتهاء النزاع، وسقوط مشروع قرار لا يعني سقوط اختصاص مجلس الأمن، كما أن اتساع الاعترافات والمواقف المؤيدة للمغرب لا يلغي، في حد ذاته، وجود أطراف ترفض التسوية المطروحة، أو دول لا تزال تربط موقفها النهائي بشروط تتعلق بتقرير المصير والاتفاق السياسي.

لنبدأ بالفرص التي يتيحها الوضع الجديد، وهي ليست قليلة. فقد استطاع المغرب خلال السنوات الأخيرة أن ينتقل بمبادرة الحكم الذاتي من مقترح كان يعرضه على المجتمع الدولي، إلى أرضية تحظى بدعم قوى كبرى، وتحتل موقعا مركزيا في المفاوضات التي عادت إلى الانعقاد بمشاركة الأطراف المعنية.

لقد أصبحت مناقشة الحكم الذاتي تتجاوز عنوانه السياسي العام إلى بعض تفاصيله المؤسساتية والدستورية والأمنية. كما أن استمرار التمسك ببعثة تحمل في اسمها مشروع استفتاء لم تنجح الأمم المتحدة في تنظيمه طوال 35 سنة، يطرح سؤالا مشروعا بشأن جدوى الاحتفاظ بأداة لم تعد تتطابق وظائفها الأصلية مع طبيعة المسار السياسي الجاري. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يتيح الوضع الجديد فرصة لإعادة بناء المفاوضات حول ما يمكن الاتفاق عليه فعليا، بدل الاستمرار في إدارة خلاف لا يتقدم إلا بالقدر الذي يسمح بإعادة إنتاج نفسه.

غير أن المخاطر حقيقية أيضا، ولا يمكن تجاوزها بالشعارات أو بالتعبئة العاطفية. فوجود ال”مينورسو” لم يكن مجرد حضور رمزي للأمم المتحدة في الصحراء، وإنما كان يتضمن آليات لمراقبة الوضع العسكري والاتصال بالأطراف والمساهمة في احتواء التوترات، رغم ما شاب أداءها من محدودية واختلالات.

وإذا كان المغرب قد أكد تمسكه بوقف إطلاق النار، فإن الطرف الآخر لم يعلن قبوله بتسوية نهائية، كما أن العلاقة بين القوى الكبرى ليست محكومة حصريا بمواقفها من قضية الصحراء.

والفيتو الروسي نفسه يذكرنا بأن الدعم الذي يحظى به المغرب لدى دول دائمة العضوية لا يلغي قدرة دولة دائمة أخرى على تعطيل القرارات. لذلك فإن السؤال ليس فقط كيف ننهي مهمة البعثة، بل كيف نحافظ على المكاسب التي راكمناها داخل المنظومة الدولية ونحن نطالب بتجاوز إحدى آلياتها.

ثم إن المسألة الأكثر أهمية لا تتعلق بإنهاء مهمة ال”مينورسو”، وإنما بإنهاء النزاع نفسه. وهنا علينا أن ننتقل من سؤال من يملك السيادة إلى سؤال كيف نجعل التسوية السياسية ممكنة ومستقرة ودائمة، وكيف نحول الحكم الذاتي من مبادرة دبلوماسية ناجحة في حشد الدعم الدولي إلى مشروع مؤسساتي واضح ومقنع في تفاصيله.

لا يمكن أن يظل الحكم الذاتي مجرد عنوان نرفعه في وجه خصومنا، وإنما ينبغي أن تكون له مضامين تتعلق بتوزيع السلطة، والتمثيل الديمقراطي، والحقوق والحريات، وتدبير الثروات، والضمانات الدستورية، وعلاقة سكان الصحراء بمؤسسات الدولة.

كما أن نجاحه لا يقاس فقط بعدد الدول التي تؤيده، وإنما كذلك بقدرته على تقديم أفق فعلي للسكان، بمن فيهم الموجودون في مخيمات تندوف، وعلى جعل العودة والاندماج والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية خيارات حقيقية لا مجرد وعود معلقة على نهاية النزاع.

هنا تبرز مسؤوليتنا كمغاربة، لأن الوحدة الترابية لا يمكن فصلها عن طبيعة الدولة التي نريد بناءها فوق هذه الوحدة. فمن حق المغاربة أن يعتزوا بما راكمته بلادهم من مكاسب دبلوماسية، وأن يعتبروا الدفاع عن وحدتهم الوطنية قضية تتجاوز الخلافات الحزبية والاختيارات السياسية الظرفية؛ لكن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لتعليق النقد أو تأجيل الأسئلة المتعلقة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات والحكامة.

إن الانتقال إلى مرحلة جديدة في قضية الصحراء يجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحا، لأن المصداقية الداخلية لمشروع الحكم الذاتي ستظل مرتبطة بمصداقية النموذج المغربي نفسه في تدبير الاختلاف والتعدد وتوزيع السلطة والثروة، وفي قدرة الدولة على إثبات أن الوحدة ليست نقيضا للحرية، وأن السيادة لا تتعارض مع المشاركة الديمقراطية.

لقد أبان المغرب في هذه المحطة عن استعداد للانتقال من موقع الدفاع عن مكاسبه داخل قواعد اللعبة الدولية إلى محاولة التأثير في تلك القواعد نفسها. وهذه حقيقة سياسية تستحق أن تُقرأ في سياق التحول الأوسع الذي عرفته مكانة المملكة وعلاقاتها الدولية.

لكن التحرك في مربع الكبار لا يمنح حصانة من أخطاء الحساب، مثلما أن حركة الشطرنج البارعة لا تعني بالضرورة نهاية المباراة. ولعل أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه اليوم هو الخلط بين نجاحنا في تغيير شروط المواجهة وبين نجاحنا في إنهاء المواجهة نفسها.

المغرب لم يخض كل هذه المعارك، ولم يراكم كل هذه التضحيات والمكاسب، لمجرد إنهاء مهمة بعثة أممية، بل من أجل الوصول إلى وضع تصبح فيه وحدته الترابية مستقرة ومعترفا بها، وتصبح فيه الصحراء مجالا للسلام والتنمية والانفتاح على العمق الإفريقي، بدل أن تظل عنوانا لنزاع يستنزف إمكانات المنطقة ويعطل مستقبل شعوبها.

لا يكفي في الشطرنج أن تجبر خصمك على التراجع، ولا حتى أن تنتزع منه القطعة التي كان يعتقد أنها تحميه. فالمباراة لا تنتهي إلا حين يصبح الحسم ممكنا ولا تعود هناك حركة قادرة على إعادة فتحها. وما حدث في مجلس الأمن قد يكون نهاية مرحلة بالفعل، لكن المرحلة الجديدة لن تتحدد بما أعلناه في لحظة الانسداد، وإنما بما سننجح في بنائه بعدها.

لذلك يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق الاعتزاز بهذه الحركة الدبلوماسية ليس ما إذا كان المغرب قد قلب رقعة الشطرنج، بل ما إذا كنا نمتلك الآن تصورا واضحا للمباراة التي نريد خوضها، وللنهاية التي نريد الوصول إليها.

التاريخ لا يتذكر عروض اللاعبين بقدر ما يتذكر نتائج المباريات.