قيادي سابق في البوليساريو: أسسنا الجبهة لتحرير الصحراء من الإسبان وليس للانفصال

“يا أبي، أنا ذاهب للجهاد على طريقك ضد الاستعمار الإسباني والنصارى، من أجل تحرير الصحراء”. كانت هذه الجملة رسالة من شاب صحراوي قبل خروجه إلى القتال ضد قوات الاحتلال الإسباني في الصحراء المغربية، دون أن يعلم أن خطوته هذه ستتحول، بعد سنوات، من حركة تحرر إلى تهديد لوحدة المغرب الترابية.
يوضح المحجوب السالك، أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو)، أن الهدف الأساسي من تأسيس الجبهة كان تحرير الصحراء المغربية من الاستعمار الإسباني، وليس إعلان دولة انفصالية.
وخلال مشاركته في ندوة حول “قضية الصحراء المغربية على ضوء التحولات الجيوسياسية والدبلوماسية”, التي نظمتها منظمة التجديد الطلابي يوم الأربعاء 26 فبراير 2025، استعرض السالك مراحل نشأة جبهة البوليساريو كحركة تحرير، قبل تحولها إلى أداة لصراع سياسي إقليمي بسبب تدخلات الجزائر وليبيا.
كيف تأسست البوليساريو؟
قال المحجوب السالك مخاطباً الحضور من طلبة وأكاديميين “كنا طلبة مثلكم، نحمل الجنسية المغربية، وكنا أول جيل من الشباب الصحراوي الذي أتيحت له فرصة الدراسة في المدارس المغربية. كنا أبناء أفراد من جيش التحرير المغربي الذين انضموا إلى الجيش النظامي، بعد تصفية الأول بتحالف فرنسي-إسباني عام 1958، فيما عُرف بـ’عملية إيكوفيون’.”
في تلك الفترة اندلعت انتفاضة الصحراويين ضد الاستعمار الإسباني، وذلك بتاريخ يونيو 1970، يقول السالك إن قائد تلك الانتفاضة، وهو إبراهيم بصيري، ينحدر من مدينة بني ملال، وقد قُتِل إثر المجازر التي ارتكبها الجيش الإسباني لإخماد الانتفاضة.
وأشار السالك، إلى أنه في هذا السياق توجه مع رفاق له يدرسون معه المدارس المغربية لمطالبة الدولة والمجتمع المدني الوطنيين، لمساندة الصحراويين لطرد الاستعمار، وقال “لقد كانت رسالتنا “نحن أبناء جيش التحرير، ساعدونا لتحرير الصحراء”.
وكان قد قتل وأصيب واعتقل العديد من المغاربة من سكان الصحراء جراء ما عُرِف بـ”انتفاضة الزملة” في العيون، نسبة لحي بالمدينة انطلقت منه مسيرة شعبية، في 17 يونيو 1970 ضد الاحتلال الإسباني.
وبعد سنتين من هذه الانتفاضة، يضيف السالك: توجهنا من الرباط إلى طانطان حيث كان يُنظم موسم “مجاه” الصحراوي خلال شهر ماي. وكان هذا الموسم يجمع الصحراويين من جميع المناطق: من تندوف، والزويرات، وموريتانيا، والصحراء. موضحاً أن ذلك بهدف الاحتجاج، إذ خرجت مظاهرات ردد خلالها المتظاهرون شعارات تطالب بالتحرك من أجل تحرير الصحراء المغربية من قبيل: “بالكفاح والسلاح نفدي الصحراء بالأرواح، الصحراء تصبح حرة وإسبانيا تخرج برا”.
لكن السلطات المغربية، يضيف المتحدث: “قمعتنا، وتعرضنا للضرب”.
وتابع المحجوب السالك “هذا هو السياق الذي أدى إلى ظهور جبهة البوليساريو”. وأكد على أن مؤسسيها مغاربة يحملون الجنسية المغربية، مشدداً على أنه لم يكن الهدف منها “تأسيس دولة مستقلة في الصحراء، وإنما تحرير هذه الأخيرة من الاستعمار الإسباني”.
التدخل الأجنبي
وعندما رأى الزعيم الليبي معمر القذافي، في أفراد جبهة البوليساريو “ثواراً يمكن دعمهم بالمال والسلاح لتحقيق مصالحه في المنطقة”، وفقاً للسالك قرر استغلال الوضع، قبل تدخل الجزائر التي طلبت منهم “عدم الاعماد على ليبيا، وعرضت عليهم السلاح والتدريب بعدما كان دعمها مقتصراً في البداية على السماح لهم بالتحرك داخل أراضيها”.
وأوضح المتحدث أن هدف الجزائر لم يكن دعم جبهة البوليسارو لتحرير الصحراء، بل استخدامها كورقة ضغط على المغرب في مسألة الحدود الشرقية، وبالتحديد منطقة تندوف وما جاورها.
وقال “كنا ضحية لتلاعب دولي، ولم نكن ندرك أبعاده الحقيقية”، إلى أن “جاء خطاب الملك الحسن الثاني في 1947، وقال إنه لا بد من تحرير الصحراء”، يضيف السالك “هنا تدخلت الجزائر وقالت، بل نريد دولة جمهورية في الصحراء”، عندها فقدت الثورة جوهر تأسيسيها.
من ثوار إلى بيادق
وأفاد المحجوب السالك بأنه بعد مقتل الولي مصطفى السيد، مؤسس جبهة البوليساريو، الذي لم يخضع للجزائر، “تحولت الجبهة إلى أداة في يد المخابرات الجزائرية، التي قامت بتعيين محمد عبد العزيز، الذي لم يكن من القادة الأوائل، بل كان مجرد إطار من الطبقة الوسطى. لتفقد الجبهة مبادءها وقيمتها كثورة، وتتحول إلى بيدق لإزعاج المغرب وليس لتحرير الصحراء”.
وفي هذه النقطة، يقول السالك أنَّ التعذيب والاعتقالات بدأت بحق نشطاء البوليساريو الذين عارضوا مخطط التقسيم. وأشار إلى أنه تعرض للاعتقال على إثر ذلك مدة 8 سنوات “في قبر تحت الأرض، وليس في سجن عادي”، لافتاً إلى أن الكثيرين فقدوا عقولهم “بينما مات البعض”.
وتحولت قضية الصحراء، منذ ذلك الوقت، إلى نزاع مغربي-جزائري من أجل الهيمنة على المنطقة المغاربية، “بينما الصحراويون كانوا مجرد ضحايا لهذا الصراع”، وفقاً للمتحدث، وذلك بعد “إنفاق الجزائر وليبيا أموالهما وتجييشهما للدعاية الإعلامية من أجل كسب تأييد العديد من الدول، التي لم تكن تعرف حقيقة الوضع في الصحراء”.
بداية الأفول
بعد ثلاثة عقود من الصراع الذي لم يخل من أحداث دامية وحروب، يرى المحجوب السالك، زعيم تيار “خط الشهيد” المعارض لقيادة البوليساريو، أن الدعم الدولي لهذه الأخيرة بدأ يتراجع لصالح المغرب، خاصة مع جلوس الملك محمد السادس على العرش، واستعادة المملكة لمكانها الإفريقي.
وأوضح السالك، أنه في السابق، كانت إفريقيا تُستخدم كمنصة للجزائر والبوليساريو ضد المغرب، إذ كانوا يروجون لمصطلحات مثل “الغزو المغربي” و”الاستعمار المغربي”، لكن بعد عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، لم تعد هذه العبارات تُستخدم، بل أصبحت القرارات تتحدث عن “النزاع في الصحراء الغربية”، وضرورة إيجاد حل في إطار الأمم المتحدة،.
وشدد المتحدث على أن القيادة الجزائرية والبوليساريو أصبحا اليوم يدركان “استحالة إقامة دولة في الصحراء، لعدم توفر مقومات الدولة”. فضلاً عن كون اعتراف الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، بسيادة المغرب على الصحراء، “يجعل من الواضح أن القضية حُسمت لصالح المغرب،حتى وأن لم تُحسم بشكل نهائي بعد”.
ما الحل لحسم القضية؟
ويرى السالك أنه سيتم اعتبار أنه تم حسم قضية الصحراء المغربية نهائياً “عندما ينتهي نقاش الصحراء في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، ويتوقف النقاش بشأن القضية في مجلس الأمن، ولا يبقى وجود لبعثة المينورسو في الصحراء، ولا تبقى أي منطقة شرق الجدار الرملي تحت سيطرة البوليساريو”.
وقال محجوب السالك إن حل قضية الصحراء اليوم بمسألة نهائية يتمثل في طريقين، أولاهما “أن يتحلى المغرب بالشجاعة، ويطبق الحكم الذاتي في الصحراء مع الصحراويين الموجودين معه داخل الأراضي المغربية، لأنهم أكثر عدداً من الموجودين في تندوف، والذين ينحدر معظمهم من مناطق خارج الصحراء مثل تندوف وبشار والجزائر، ومالي، وموريتانيا”.
وأضاف أن الحل الثاني يُعد مستحيلاً لكن من شأنه حسم القضية نهائياً، مشيراً إلى أنه “يتعلق يمنح المغرب للبوليساريو جزءاً من الصحراء، تحديداً منطقة وادي الذهب، التي كانت تحتلها موريتانيا سابقاً”، لافتاً إلى أنه أمام استحالة الطريق الثاني “يظل الحل الواقعي هو تطبيق الحكم الذاتي بجرأة وإرادة سياسية حقيقية، حتى ينتهي النزاع”.