قط الخليج وقرد إسرائيل
على غير ما تشتهي أجندات التحريض والوقيعة، ظهر في الأيام القليلة الماضية عقلٌ خليجيٌّ باردٌ وعمليّ، لا يتعامل مع الحرب الدائرة حاليا مع إيران، باعتبارها اختبار “رجولة” و”شجاعة”، بل بوصفها فخا تاريخيا يُراد له أن يبتلع دول الخليج باسم “الأمن” و”الدفاع المشروع عن النفس”، بينما المقصود في النهاية هو أمنُ ونفوذ غيرها.
سلطنة عمان، التي اعتادت أن تمشي على الحواف لا في قلب المعارك، قدّمت نموذجا مكثفا لهذا المنطق. ولم تتعامل مع انتقال السلطة في طهران، بين المرشد المغتال والمرشد المنصّب، كفرصة للمزايدة أو الشماتة، بل سارعت إلى إرسال برقية تهنئة للمرشد الإيراني الجديد.
في الوقت نفسه، ظل خطاب مسقط، يدفع في اتجاه وقف إطلاق النار والبحث عن مخارج دبلوماسية بدل الانزلاق إلى حرب إقليمية تُحرق الممرات والأسواق وتترك المنطقة رهينة مزاج الصواريخ.
وفي الرياض، حيث تتوافر قدراتٌ عسكريةٌ ضخمة، وقدرة على التمويل، كان الامتحان حول ما إن كانت هذه القوة ستتحول إلى رغبة في الاستعمال، أم إلى قدرة على الامتناع؟
هنا يبرز هذا “الذكاء الاستراتيجي” الذي يكاد يختصره موقفٌ واحد شديد الدلالة، مفاده أن المملكة لا تريد أن تكون أراضيها أو أجواؤها منصة لضرب إيران. هذا قرارٌ سياسيٌّ يؤسس لمملكة سعودية لا تقبل أن تُدفع إلى موقع الطرف المباشر في معركة يريد آخرون أن تقع على أرض الخليج، كي تُغلق نهائيا أي احتمال لتوازن إقليمي قابل للحياة.
أما قطر، التي تتلقى الضربات وتكاد الانفجارات لا تتوقّف في سمائها، فقد كان من السهل أن تُستدرج إلى رد يفتح الباب لحرب لا سقف لها، مدفوعة بحماس أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة.
لكن خطاب الدوحة اتجه إلى تثبيت رواية دفاعية، تقوم على اعتراض الصواريخ، والحديث عن مفاجأة الهجمات وغياب الإخطار كما كان الأمر في ضربة السنة الماضية، والإصرار على توصيف ما وقع بأنه “غير مبرر”، لا تحويله إلى باب مفتوح للانخراط في حرب تُكتب عناوينها في مكان آخر.
الحذر المنهجي نفسه أبانت عنه الإمارات العربية المتحدة، والتي حاولت بعض الكتابات في الأيام الأولى تقديمها في شكل “قيادة بطولية” للحرب الخليجية ضد إيران. وحتى التغطيات الإعلامية للقنوات الفضائية الخليجية، اكتسبت في هذه الفترة “حكمة” الانحناء للعاصفة بدل مجاراة طبول الحرب.
هذه العواصم العربية، كل واحدة بطريقتها، تقول الشيء نفسه دون أن تحوّله إلى شعار. تقول إن إشعال حرب إيرانية–خليجية هو “الجائزة الكبرى” التي تسعى إسرائيل لقطفها. لأن هذه الأخيرة، وهي تُدير حربها على إيران، تحتاج إلى نقل كلفة الصراع من “ملف نووي” إلى “حرب اقتلاع” بين ضفتين يعتبر جوارهما قدرا جغرافيا.
تحتاج إسرائيل إلى أن يصبح الخليج طرفا أصيلا في المعركة، لا مجرّد ساحة تُقصف ثم تُطبّب جراحها. وهي راغبة في أن يتحول الصراع من نزاع حول حدود النفوذ وقواعد الاشتباك، بينها وبين طهران، إلى حرب إقليمية شاملة، تُستنزف فيها الاقتصادات، وتُستباح فيها الممرات، ويُعاد فيها تعريف الأمن الخليجي بوصفه تابعا دائما لقرار خارجي، سوف لن يكون إلا إسرائيليا.
هذا الفخ شديد البساطة والقسوة في الوقت نفسه. فهو يقوم على أن تُستدرج دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران، فتسقط الحواجز الأخيرة أمام توسيع الحرب، وتتحول الموانئ والمطارات والمنشآت الحيوية إلى أهداف يومية، ويصبح الاستثمار والسياحة والطاقة رهائن لمنطق حرب استنزاف لا تنتهي.
لهذا يبدو الامتناع الخليجي، حتى الآن، أكبر من مجرّد ترفّع أخلاقي، ولا هو ضعف سياسي، بل هو تعبير عن إدراك عميق لطبيعة المرحلة.
الحروب تُشعلها لحظة غضب، لكن إطفاءها يحتاج سنوات من ترميم الثقة والاقتصاد والشرعية. والقوي ليس من يطلق النار أولا، بل من يمنع مخططات تحويله إلى هدف للنيران. وأسوأ ما قد يحدث لدول الخليج ليس أن تتعرض لهجوم عابر ثم تدافع عن نفسها، بل أن تُدفَع إلى حرب طويلة تُستنزف فيها لصالح مشروع لا يراها إلا خطوط إمداد، وسواترَ حماية، وحقولَ كلفة قابلة للدفع.
بين تهنئة تُرسل من مسقط لتثبيت خيط السياسة، وقرار سعودي بحماية المجال السيادي من الاستعمال، وخطاب قطري يصرّ على الدفاع دون الاندفاع، وتحفّظ إماراتي عن الانسياق لدعاة “آلي سي إبراهيم”، تتضح ملامح موقف واحد، يقول إن الخليج لا يريد أن يكون وقود حرب تُكتب بأسماء غير عربية.
يُحكى عن Jean de La Fontaine في واحدة من خرافاته الشهيرة أن قردا وقطا كانا يراقبان كستناء (قصطل) تُشوى في جمر الموقد. اشتهى القرد أكلها، لكنه لم يرد أن يحرق أصابعه، فالتفت إلى القط وأخذ يغرّر به مستعملا عبارات المديح مثل “أنت الأبرع”، و”الأخفّ يدا”، و”لن تفلت حبة واحدة”…
تردد القط لحظة، ثم استسلم لإغراء إثبات المهارة، مدّ كفّه إلى الجمر يلتقط الحبات واحدة تلو الأخرى، وكلما انتزع حبة كستناء أحرقت جلده، نفخ على أصابعه وعاود التجربة، بينما القرد يقف خلفه يلتقط الكستناء التي يخرجها القط، ويلتهمها لذيذة ساخنة.
حين نفد الكستناء لم يبقَ للقط سوى ألم الكفّ ورائحة “الشياط” المنبعثة منه، بينما شبع القرد وابتعد عن المكان كأنه لم يكن شريكا في المغامرة.
هذه الحكاية-الخرافة، ببساطتها، تُشبه ما يُراد اليوم لدول الخليج، أي أن تُستدرج إلى جمر حرب تُطبخ خارج حساباتها، فتُكلَّفها الحرائق والدمار، بينما تُقطف الغنائم في تل أبيب؛ لذلك تبدو الحكمة الخليجية اليوم أقرب إلى أن تقول: لسنا قطا في مطبخ أحد، ولن نمدّ أيدينا إلى جمر لا يدفئنا.