story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أمن وعدالة |

قضاة وجامعيون: العقوبات البديلة رهان لإعادة الإدماج وتخفيف الاكتظاظ داخل السجون

ص ص

أكد عدد من القضاة والأساتذة الجامعيين أن العقوبات البديلة تشكل تحولا في فلسفة العدالة الجنائية بالمغرب، من خلال التركيز على التأهيل وإعادة الإدماج بدل الاقتصار على العقوبات السالبة للحرية، مع المساهمة في الحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.

وجاء ذلك خلال لقاء حول “قانون العقوبات البديلة” نظمته رئاسة النيابة العامة إلى جانب المجلس الأعلى للسلطة القضائية اليوم السبت 09 ماي 2026 ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب.

في هذا الصدد أكدت القاضية فاطمة الزهراء بنسعيد أن المغرب أصبح من أوائل الدول على المستوى الإقليمي والعربي والإفريقي التي تبنت نظاما متكاملا ومتنوعا للعقوبات البديلة، وذلك بعد إقرار القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة.

وأوضحت بنسعيد، خلال مداخلة لها ضمن لقاء حول العقوبات البديلة، أن التجربة المغربية “تفردت” بجمعها بين “الحداثة التقنية” عبر السجل الإلكتروني، والعقوبات ذات البعد الاجتماعي كـ”العمل لأجل المنفعة العامة”، إلى جانب العقوبات الإصلاحية والتدابير العلاجية والتأهيلية.

وأضافت المتحدثة أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية لم يكتفِ بإبداء الرأي في مشروع القانون، بل ساهم في التفكير في آليات تنزيله ومواكبة تطبيقه، من خلال التكوين وإصدار دلائل عملية ونماذج قضائية استئناسية، فضلا عن إحداث خلية دائمة للتنسيق مع مختلف الشركاء.

كما شددت بنسعيد على أن اختصاص المجلس الأعلى للسلطة القضائية في ما يتعلق بإبداء الرأي في مشاريع القوانين المرتبطة بمنظومة العدالة، يمنحه “صفة اقتراحية وتقييمية” في كل ما يهم إصلاح المنظومة القضائية، مع الحفاظ على استقلالية السلطة القضائية واستقلال القرار القضائي.

ولم يفت المتحدثة التذكير بأن القانون 43.22 أدخل تعديلات على الفصل 14 من القانون الجنائي، عبر التنصيص على العقوبات البديلة باعتبارها عقوبات يمكن الحكم بها عوض العقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز خمس سنوات، باستثناء حالات العود.

وأشارت بنسعيد إلى أن العقوبات البديلة تشمل أربعة أصناف، تتمثل في العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى الغرامة اليومية.

ولفتت كذلك إلى أن المشرع استثنى عددا من الجرائم من الاستفادة من العقوبات البديلة، من بينها الجرائم المتعلقة بالإرهاب وأمن الدولة، وجرائم الاختلاس والرشوة واستغلال النفوذ وتبديد الأموال العمومية، وغسل الأموال، والجرائم العسكرية، والتجارة الدولية في المخدرات، وكذا جرائم الاستغلال الجنسي للقاصرين والأشخاص في وضعية إعاقة.

من جهته أكد رئيس قطب الدعوى العمومية و تتبع تنفيذ السياسة الجنائية برئاسة النيابة العامة مراد العلمي أن أكثر النقاط التي أثارت نقاشا فقهيا وقضائيا واسعا في قانون العقوبات البديلة تتعلق بجرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، موضحا أن المشرع استثنى “التجارة الدولية في المخدرات” و”المؤثرات العقلية” من الاستفادة من هذه العقوبات.

وأوضح العلمي أن الإشكال القانوني يرتبط بغياب تعريف دقيق لمفهوم “المؤثرات العقلية” داخل التشريع الوطني، ما دفع إلى الرجوع إلى الاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية سنة 1971 المتعلقة بالمؤثرات العقلية، والتي تعتمد تعريفا واسعا يشمل مختلف أنواع المخدرات والمسكرات.

وأضاف المتحدث أن القضاء اجتهد لإيجاد توازن بين نية المشرع ومقتضيات التطبيق، مبرزا أن الممارسة القضائية تميز حاليا بين “المخدر الطبيعي” و”المخدر المصنع”، حيث تعتبر المواد المصنعة والمضافة إليها تركيبات كيميائية ضمن خانة “المؤثرات العقلية”، وبالتالي تبقى مستثناة من العقوبات البديلة.

كما شدد العلمي على أن التجارة الدولية في المخدرات، بما فيها عمليات النقل الداخلي المرتبطة بالتصدير، تبقى بدورها خارج نطاق الاستفادة من العقوبات البديلة، في حين أن التجارة في المخدرات الطبيعية داخل السوق الوطنية “غير مستثناة” وفق القراءة الغالبة حاليا.

ولم يفت المسؤول القضائي التأكيد على أن للنيابة العامة دورا اقتراحيا في التماس العقوبات البديلة أمام المحكمة، إلى جانب المتهم ودفاعه، مشيرا إلى أن المحكمة تراعي عند اتخاذ القرار ظروف الشخص وخطورة الفعل وأهدافه، وليس فقط طبيعة الجريمة المرتكبة.

وأشار العلمي إلى أن فلسفة العقوبات البديلة تقوم على منح “فرصة أخيرة” لبعض المتابعين الذين لا يشكلون خطرا إجراميا كبيرا، مثل الطلبة أو الموظفين أو الأشخاص غير العائدين، مبرزا أن القاضي أصبح يمتلك اليوم “بعدا رابعا” في العقوبة، يتمثل في إمكانية الحكم بالإدانة دون الزج بالشخص في السجن، مقابل إخضاعه لتدابير إصلاحية أو تأهيلية.

ولفت المتحدث إلى أن تنزيل هذا الورش تطلب دورات تكوينية وتأطيرا و فلسفيا وقانونيا للقضاة ومختلف المتدخلين، إضافة إلى إعداد دلائل توضيحية وآليات تنفيذية، معتبرا أن مسار تطبيق العقوبات البديلة يتم “بشكل تدريجي ولكن جيد”.

من جانبه شدد أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية السويسي بالرباط عبد الجليل عينوسي على أن العقوبات البديلة لا يمكن أن تحقق أهدافها في مجال التأهيل وإعادة الإدماج إلا بتوفير مجموعة من الشروط الأساسية، وفي مقدمتها مواكبة المحكوم عليهم اجتماعيا بعد تنفيذ العقوبة.

وأوضح عينوسي أن الغاية من العقوبات البديلة لم تعد مرتبطة فقط بالردع، و إنما أصبحت تنصرف، في إطار التشريعات الجنائية الحديثة، نحو التأهيل وإعادة الإدماج، مشيرا إلى أن أول أهداف هذه العقوبات يتمثل في خلق شعور لدى المحكوم عليه بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه المجتمع، حتى يدرك أنه يخضع فعلا لعقوبة وليس لامتياز مقارنة بالسجناء داخل المؤسسات السجنية.

وأضاف المتحدث أن الهدف الثاني يرتبط بالمحافظة على الإمكانيات البدنية والذهنية للمحكوم عليه وتنميتها، خصوصا من خلال عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة، التي وصفها بأنها من أهم العقوبات البديلة وأكثرها حضورا في الفقه الجنائي الحديث.

كما شدد عينوسي على أهمية تفادي الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية، سواء النفسية أو المهنية أو الاجتماعية، معتبرا أن العقوبات البديلة تساهم في الحد من هذه التداعيات.

ولم يفت الأستاذ الجامعي التأكيد على أن نجاح العقوبات البديلة يظل رهينا بإرساء نظام للرعاية الاجتماعية اللاحقة، يضمن مواكبة المحكوم عليهم بعد تنفيذ العقوبة والتأكد من تحقق أهداف التأهيل والإدماج.

وأشار عينوسي إلى أن المغرب بذل “مجهودا جبارا” في مواجهة ظاهرة الاكتظاظ داخل السجون، من خلال آليات متعددة تشمل العقوبات البديلة والصلح الجنائي، مبرزا أن هذا الورش ساهم في تجاوز عدد من الاختلالات التي كانت مطروحة في السابق.

ولفت المتحدث إلى أن بعض حالات الحبس قصير المدة قد تظل، في بعض الجرائم، العقوبة الأنسب لتحقيق مصلحة العدالة الجنائية، مضيفا أن النقاش المرتبط بالعقوبات البديلة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة بعض الجرائم، خاصة ما وصفه بـ”الجرائم الأخلاقية”.

كما اعتبر عينوسي أن التحرر من العقوبة السالبة للحرية مقابل أداء مبلغ مالي قد لا يحقق دائما الردع الخاص، مبرزا أن عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة تظل، من منظور الفقه الجنائي، الأكثر انسجاما مع فلسفة العقوبات البديلة، باعتبارها تجعل المحكوم عليه يساهم في خدمة المجتمع الذي أخل بقواعده.