قرار المحكمة الدستورية برفض تدبير النظام المعلوماتي للمحاكم من طرف وزارة العدل يفجر جدلا نقابيا
أثار قرار المحكمة الدستورية، القاضي بعدم دستورية “انفراد وزارة العدل بتدبير النظام المعلوماتي للمحاكم”، بعد رفضها للمادتين 624 و628 من قانون المسطرة المدنية الجديد، (أثار) موجة انتقادات حادة داخل الأوساط النقابية بقطاع العدل.
بموجب هذا القرار، أصبحت عدد من الفقرات من قانون المسطرة المدنية والتي تمنح وزارة العدل صلاحية الانفراد بتدبير النظام المعلوماتي ومسك قاعدة بياناته، “غير دستورية”، في وقت يرى فيه الجانب النقابي أن هذا القرار يشكل تهديدا للمراكز القانونية للأطر التقنية والإدارية في وزارة العدل.
وفي هذا الإطار، وصفت الكاتبة الوطنية للنقابة الوطنية للعدل المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، خديجة ماء العينين، قرار المحكمة بقرار “مجاف للصواب” ويحمل مؤشرات على محاولة “إفراغ وزارة العدل من مهامها الأساسية”.
أوضحت المتحدثة، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن قرار المحكمة الدستورية لم يراعِ مقتضيات سابقة صادرة عن المحكمة نفسها بخصوص التنظيم القضائي، خاصة ما يتعلق بمهام هيئة كتابة الضبط والأطر التقنية.
وأكدت المسؤولة النقابية أن القرار أغفل قرارات حكومية سابقة لها قوة القانون، لا سيما تلك المتعلقة بهيكلة وزارة العدل.
وفي هذا السياق، استحضرت ماء العينين دور مديرية التحديث والنظم المعلوماتية، مشيرة إلى أنها المسؤولة تاريخيا عن تطوير وتدبير الأنظمة التقنية (مثل ساج 1 وساج 2) التي تعمل بها محاكم المملكة منذ سنوات، ويشرف عليها آلاف المهندسين والتقنيين والموظفين مركزيا وجهويا.
سؤال الاستقلالية
ومن جانب آخر، شددت خديجة ماء العينين، على أن مبدأ استقلال السلطة القضائية قد أثير في غير موضعه، متسائلة عن طبيعة المخالفة الدستورية المزعومة في تدبير الأنظمة المعلوماتية، طالما أن الموظفين والمهندسين القائمين عليها يمتثلون للسلطة الرئاسية لوزير العدل، وهو ما لا يتعارض مع استقلال القضاء في جوهره.
وعبرت المتحدثة عن مخاوف نقابية جدية تتجاوز مجرد التدبير التقني، لتصل إلى “توجس من سلب وزارة العدل اختصاصاتها الأصيلة”.
وحذرت من سيناريو يهدف إلى إفراغ الوزارة من مهامها الأساسية، قائلة: اليوم النظم المعلوماتية، وغدا ربما الموارد البشرية، لينتهي الأمر بحذف وزارة العدل من الخريطة الحكومية واختزال أدوارها في صيانة وبناء المحاكم، وهو ما لا يقبله منطق ولا روح الدستور.
قرار المحكمة
في مقابل ذلك، استندت المحكمة الدستورية في تعليلها للقرار، برفض مقتضيات في قانون المسطرة المدنية الجديد (المادتين 624 و628)، إلى الفصل الأول من الدستور الذي ينص على مبدأ “فصل السلط”.
ويرى قضاة المحكمة الدستورية أن توزيع القضايا وتعيين القضاة المقررين عبر النظام المعلوماتي هو “عمل ذو طبيعة قضائية” وليس مجرد إجراء إداري، فضلا عن ضمان استقلال وحياد المحكمة، يجب أن يكون النظام المعلوماتي الذي يوزع الملفات آلياً تحت يد السلطة القضائية حصرا، وليس تحت يد السلطة الحكومية المتمثلة في زارة العدل.
ورأت المحكمة أن “مبدأ التعاون” بين السلط يقتضي التنسيق، لكنه لا يسوغ تخويل تدبير الجوانب القضائية الحساسة لجهة غير السلطة القضائية.
وأضافت المحكمة الدستورية في هذا السياق، أن “مبدأ التعاون بين السلط وخصوصا في مجال الإدارة القضائية، يقتضي، عند الحاجة، التنسيق فيما بينها قصد تحقيق غايات مشتركة، ومنها النجاعة القضائية عبر “رقمنة المساطر والإجراءات القضائية”، توطيدا لحقوق المتقاضين وإنفاذا لقواعد سير العدالة.
إلا أن توزيع القضايا وتعيين القضاة أو المستشارين المقررين أو القضاة المكلفين بها، يضيف القرار، يعد عملا ذا طبيعة قضائية، مما لا يسوغ معه تخويل تدبير هذا الجانب، باستخدام نظام معلوماتي، لغير السلطة القضائية.
وتنص الفقرة الثانية من المادة 624 من قانون المسطرة المدنية على التوالي على أنه “تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل تدبير هذا النظام المعلوماتي (الخاص بالمساطر والإجراءات القضائية أمام محاكم الدرجة الأولى ومحاكم الدرجة الثانية) ومسك قاعدة المعطيات المتعلقة به، بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة”.
أما الفقرة الثالثة من المادة 628، فتنص على أن ” القضايا تقيد حسب الترتيب التسلسلي لتلقيها في السجل الإلكتروني المعد لهذه الغاية بالنظام المعلوماتي، ويعين النظام المعلوماتي القاضي أو المستشار المقرر أو القاضي المكلف، حسب الحالة، باعتباره مكلفا بتجهيز الملف المحال إليه فورا بطريقة إلكترونية”.
في حين تنص الفقرة الأخيرة من نفس المادة على أنه: “يمكن لرئيس المحكمة أو من ينوب عنه، عبر النظام المعلوماتي، تغيير القاضي أو المستشار المقرر أو القاضي المكلف، حسب الحالة، باعتباره مكلفا بتجهيز القضية”.