story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

قانون المحاماة.. خيبة دستورية

ص ص

سنوات من النقاش وشهور من الجدل والاحتجاجات والإضرابات، وأسابيع من الاجتماعات والجلسات والتعديلات، وانسداد في مسارات العدالة والأمن القانوني والقضائي، ومئات إن لم يكن آلاف المعتقلين الذين يُشتبه في تحوّل حرمانهم من الحرية إلى الحالة “التحكّمية” الخارجة عن القانون، وكثير من المدانين لأسباب مسطرية مرتبطة بغياب المحامين عن المحاكم، وانقسام داخل الحكومة أفضى إلى تضارب تصرّفات رئيس الحكومة ووزيره في العدل… وبعد كل ذلك، يتعذّر على المحكمة الدستورية النظر في دستورية مضامين قانون المحاماة الجديد.

أية خيبة يمكن للمغاربة تجرّعها أكبر من هذا الخواء المؤسساتي الذي أشعرهم به اختيار القضاء الدستوري الانسحاب من فرصة تاريخية أتيحت له لإعادة توجيه بوصلة الفعل السياسي والتشريعي، وضبطها على القبلة الدستورية، وتأطير الخلافات بما يسمح بحلول روح الدستور في هذا الجسد المؤسساتي الآخذ في الترنّح؟

قضيت معظم يومي أمس، بعد التوصّل بنص قرار المحكمة الدستورية الصادر بناء على الإحالة التي قام بها رئيس مجلس النواب قبل أكثر من شهر، في التواصل مع أهل الحل والعقد، من فاعلين سياسيين وبرلمانيين مطّلعين مباشرة على تفاصيل ما جرى، ومختصّين في القانون والقضاء الدستوريين، وخلاصتي الشخصية أن السياسة بمعناها “الهابط” انتصرت مجدّدا.

لا أقول ذلك تقليلا من قيمة قرار المحكمة الدستورية، أبدا، فمعظم أعضائها ممن يقام له ويُقعد، وشخصيا تعلّمت وما زلت أتعلّم الكثير من إنتاجاتهم العلمية، لكن القراءة المعتمدة على الوقائع (facts بالإنجليزية وfaits بالفرنسية)، والمستندة إلى سلوك مختلف الفاعلين، تفيد أننا أمام خيبة جديدة من خيبات المغاربة مع مسار البناء الدستوري والمؤسساتي.

كان قرار المحكمة الدستورية ليكون أرحم بنا لو أنه صدر بعد أجل معقول من توصّلها بإحالة رئيس مجلس النواب. أسبوع أو عشرة أيام كانت فترة كافية للوقوف على العيب المسطري، إذا سلّمنا أن من حق المحكمة الدستورية التضحية بوظيفة سامية من حجم مراقبة دستورية التشريعات، في مجال مهني شديد الحساسية والارتباط بالحقوق والحريات، لصالح هاجس شكلي.

وكان الاختيار “الشكلاني” هذا سيعبر حلوقنا بـ”جغمة ماء”، لو لم يناقض نفسه بطريقة فاقعة، إذ برّرت المحكمة “هروبها” من الموضوع، بحجة كانت هي نفسها قد اجتهدت بما يناقضها قبل سنة واحدة، بمناسبة فحصها دستورية قانون المسطرة المدنية.

بتاريخ 4 غشت 2025 تحديدا، صدر قرار المحكمة وفقا لإحالة قام بها رئيس مجلس النواب نفسه، راشيد الطالبي العلمي، بالطريقة نفسها، أي طلب تدخل المحكمة للنظر في النسخة النهائية من قانون المسطرة المدنية دون تقديم هذه النسخة.

نقرأ في قرار المحكمة رقم “255/25 م.د“، في الجزء المتعلّق بالاختصاص، أن رئيس مجلس النواب بعث إليها رسالة تتعلّق بـ”إحالة القانون المتعلق بالمسطرة المدنية في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين في قراءة ثانية”، وأن هذه الإحالة أرفقت بنسخة من “مشروع قانون رقم 02.23 يتعلق بالمسطرة المدنية”، الذي صادق عليه مجلس النواب بتاريخ 17 يونيو 2025، وتبعا لذلك قامت هذه المحكمة باستحضار الصيغة النهائية للقانون، كما صادق عليها مجلس المستشارين بتاريخ 8 يوليوز 2025.

منحت المحكمة يومها لنفسها حق تجاوز هذا “العيب” الشكلي، وراحت تفحص مواد القانون وتبدي رأيها فيه، وصفّقنا جميعا لاختيارها هذا، ورأيناه يساهم في تجويد النص النهائي حين اضطرت الحكومة ومعها البرلمان إلى إدخال تعديلات تلائم النص القانوني الجديد مع نص وروح الدستور.

لكن “قضاة الدستور” اختاروا اليوم أن ينقلبوا على أنفسهم، واكتشفوا أن اكتفاء الجهة المحيلة بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية، وضمنه مشروع القانون المذكور، قبل تمام الموافقة عليه، “لا يُمكّن المحكمة من بسط رقابتها على القانون المطلوب البت في مطابقته للدستور”.

هكذا، وفي عام واحد، تصرّفت المؤسسة نفسها، بالتشكيلة نفسها تقريبا، وفي ظل الدولة نفسها والدستور نفسه، كما لو أننا في عالمين متوازيين بينهما برزخ لا يبغيان.

زادت حيرتي أمس وأنا أحاول تقليب الموضوع من جميع جوانبه وتغطيته بما يكفي من معطيات وتفاصيل حول ما جرى بالفعل؛ عندما وقفت عند تلك الرسالة التي وجّهها رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، للنواب البرلمانيين يوم 13 يوليوز 2026، يخبرهم فيها أنه توصّل من المحكمة الدستورية بالقانون المتعلّق بمهنة المحاماة، ويلتمس منهم الاطلاع على هذا القانون كما قدّمته المحكمة الدستورية، وتقديم ملاحظاتهم داخل أجل ثمانية أيام الذي ينص عليه القانون التنظيمي الخاص بالمحكمة، وهو ما تمّ بالفعل.

القانون نفسه الذي خرجت المحكمة أمس لتقول لنا إن الطالبي العلمي لم يمنحها نصّه الكامل، كانت هي من بعثه إلى مجلس النواب، وطلبت من أعضائه إبداء ملاحظاتهم حوله، في سياق بتّها في الرسالة التي توصّلت بها من رئيسهم.

أي أن المحكمة كانت في الواقع قد شرعت في التصرّف بطريقة مشابهة لما فعلته بقانون المسطرة المدنية، وأخذت تدرس القانون، وهي من قدّمه لمجلس النواب، قبل أن تنتبه في الدقائق الأخيرة من أجل الشهر الذي تتوفّر عليه، إلى أن رسالة الإحالة لم تتضمن النسخة النهائية للقانون، بل تقريرا للجنة برلمانية!

لكن لماذا خلت رسالة رئيس مجلس النواب من النص النهائي الذي صادق عليه مجلس المستشارين؟ وكيف أصبح الطالبي العلمي يخبر النواب أنه توصّل بنص القانون من المحكمة الدستورية التي ستقول في النهاية إنه لم يقدّمه لها؟ ما هذا “الشكلي في العكلي”؟

أخبرتني المصادر التي تحدّثت إليها يوم أمس الثلاثاء 11 غشت 2026، أن راشيد الطالبي العلمي أحال مشروع قانون المحاماة يوم 9 يوليوز الماضي، أي بعد يومين من مصادقة مجلس المستشارين على صيغته النهائية في إطار قراءة ثانية، بإيعاز من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، علما أن هذا الأخير له الحق في إحالة النص بنفسه، لكنه اختار “تكليف” رئيس مجلس النواب بهذه المهمة.

حاول رئيس مجلس النواب الحصول على نسخة رسمية من القانون الجديد، أي تلك التي تحمل ختم وتوقيع رئيس مجلس المستشارين بعد المصادقة عليه في جلسة تشريعية انعقدت يوم 7 يوليوز 2026، لكنه “لم يتمكّن من ذلك”، فاكتفى بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، والذي تضمن النسخة النهائية من مشروع القانون، وهي التي سيتم اعتمادها في الجلسة التشريعية دون أي تعديل.

هل طلب رئيس مجلس النواب من زميله الاستقلالي، محمد ولد الرشيد رئيس مجلس المستشارين تمكينه من القانون كما تمت المصادقة عليه؟ وهل هناك ما يمنع الغرفتين المتجاورتين في البناية نفسها من تبادل الوثائق اللازمة للقيام بوظائفهما الدستورية؟ وهل تسمح القوانين والأنظمة الداخلية بتوجيه رئيس مجلس المستشارين النص الذي صادقت عليه المؤسسة إلى رئيس مجلس النواب؟

سوف أترك الجواب للمختصين، وأكتفي بما تقوله الوقائع: النص النهائي للقانون المنظم لمهنة المحاماة لا يوجد رسميا، حتى الآن، في هذه الساعات الأولى من صباح الأربعاء 12 غشت 2026، إلا في تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وهي الوثيقة التي قدّمها الطالبي العلمي للمحكمة الدستورية.

في الجدول الخاص بالنصوص القانونية التي تمت المصادقة عليها كما ينشره الموقع الرسمي لمجلس المستشارين، نجد النسخ المتسلسلة من مشروع قانون مهنة المحاماة كلها، باستثناء النسخة النهائية التي تمت المصادقة عليها في جلسة 7 يوليوز.

وعندما نراجع الدستور (الفصل 50) والنظام الداخلي لمجلس المستشارين وبعض السوابق المتعلقة بمصير نصوص كانت هذه الغرفة آخر من ينظر فيها، نجد أن الجهة الوحيدة التي يحيل إليها رئيس مجلس المستشارين النصوص المصادق عليها هي رئيس الحكومة، وانطلاقا من تاريخ هذه الإحالة يبدأ احتساب أجل الثلاثين يوما الذي يصدر الملك خلالها القوانين عبر إعطاء الأمر بنشرها في الجريدة الرسمية.

وبما أن الرسالة التي نتوفّر عليها، وكان رئيس مجلس النواب قد وجّهها لأعضاء المجلس يوم 13 يوليوز 2026، معلنا فيها توصله بنص القانون من المحكمة الدستورية، يحق لنا أن نتساءل: من أين حصلت المحكمة على القانون قبل أن تبعثه إلى مجلس النواب؟ هل طلبته من مجلس المستشارين؟ أم من رئيس الحكومة؟ وإذا كانت تتوفّر عليه وبعثته إلى النواب البرلمانيين لإبداء ملاحظاتهم حوله، لماذا عادت في النهاية لتبرر امتناعها عن البت بعدم وجوده رفقة رسالة رئيس مجلس النواب الأولى؟

لا أريد أن أطيل أكثر في هذا الركن اليومي الذي يفترض أنه يُقرأ خلال أقل من خمس دقائق. وأكثر ما أخشاه هو أن فهم ما جرى لا يتأتى عبر أدوات القانون والقضاء الدستوريين، بقدر ما يحصل من خلال استحضار السياق السياسي. فحتى الخيار الثاني الذي يتيحه الدستور للملك، أي طلب قراءة جديدة للقانون وإعادته إلى البرلمان بدل نشره في الجريدة الرسمية، مستبعد وشبه مستحيل كما أوضحت لي مصادر أثق في كفاءتها.

كل المعطيات المتوفّرة حتى كتابة هذه السطور تفيد أن الموضوع يمضي في اتجاه نشر قانون مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية، وبالتالي دخوله حيّز التنفيذ. ومفتاح الفهم الأساسي يوجد في السياق السياسي الذي بات فيه حزب وزير العدل، أي حزب الأصالة والمعاصرة، يُحضّر لتصدّر المشهد بعد انتخابات 23 شتنبر المقبل، وليس في الشكليات الإجرائية.

هكذا، وبعد كل ما أنفقه هذا القانون من وقت المؤسسات وأعصاب المحامين وحقوق المتقاضين، قد نصل إلى نهايته من دون أن نعرف هل اجتاز فعلا الاختبار الدستوري أم إن السياسة أعفته منه. وهذا، في حد ذاته، قد يكون أخطر ما في القصة كلها، أي أن تتحول المؤسسات التي أنشئت لضبط السياسة بالدستور، شيئا فشيئا، إلى جزء مما تضبطه السياسة.