فيضانات الغرب واللوكوس تفتح ملف الصحة النفسية في خطط الطوارئ
كشفت الفيضانات الأخيرة التي عاشتها مناطق اللوكوس والغرب عموما، عن وجه آخر للأزمة يتجاوز دمار البنية التحتية، إلى الصدمات النفسية التي أصابت المتضررين، جراء الكارثة المفاجئة والخوف من تكراراها، فضلا عن الشعور بالعجز أمام الكوارث الطبيعية.
وعلى الرغم من المجهودات التي بذلت على مستوى الإغاثة والدعم الاجتماعي، غلا أنه سُجّل ضعف أو أو قصور المواكبة النفسية للمتضررين، خاصة الفئات الهشة من نساء وأطفال وشيوخ، بسبب ما عاشوه من توتر مستمر، طيلة أيام الكارثة، في مقابل ضعف التأطير النفسي لمساعدتهم على تجاوز آثار الصدمة.
انكسار الأمان
في هذا الصدد، سجل الأخصائي النفسي، فؤاد اليعقوبي، أن الفيضانات الأخيرة التي شهدتها عدد من مناطق المملكة لم تكن مجرد كارثة طبيعية خلفت أضرارا عمرانية ومادية فحسب، بل مثلت “حدثا نفسيا عنيفا” تسبب في زعزعة الشعور بالأمان والاستقرار لدى الساكنة.
وأوضح اليعقوبي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن عملية الإجلاء المفاجئ للسكان من منازلهم أدت إلى ما يسمى بـ “انكسار الأمان الوجودي”، مبرزا أن الكارثة الطبيعية لا تُقاس فقط بعدد المنازل المنهارة أو الطرقات المقطوعة، “بل أيضا بحجم الصدمة النفسية التي تتركها في نفسية الأفراد والأسر والجماعات”.
وأشار، في هذا الصدد، إلى أن المنزل في علم النفس الاجتماعي ليس مجرد جدران مادية، “بل هو امتداد للذات ورمز للهوية”، لافتا إلى أن مغادرته تحت وطأة الخوف والارتباك تفقد الفرد إحساسه بالسيطرة على حياته اليومية وتُحول “المألوف” إلى مصدر للتهديد.
وأضاف المتحدث أنه عند حدوث فيضان مفاجئ، يعيش الفرد تجربة تهديد مباشر للحياة، تترافق مع مشاعر الخوف الشديد، العجز، وكذا فقدان السيطرة، مؤكدا على أن هذه التجربة قد تتحول لدى كثيرين إلى صدمة نفسية حادة، خصوصا لدى الأطفال والنساء وكبار السن.
أعراض الصدمة
من جانب آخر، اعتبر الأخصائي النفسي أن ما عاشته المناطق المتضررة من الفيضانات يندرج ضمن “الصدمة الجماعية”، حيث تشابكت التجارب الفردية مع مناخ عام من الهلع والإشاعات، مستحضرا مجموعة من الأعراض النفسية التي بدأت تظهر على المتضررين، “أبرزها القلق الحاد واضطرابات النوم، حالة فرط اليقظة والخوف المستمر من تكرار الكارثة، فضلا عن مشاعر العجز والغضب وفقدان الثقة”.
وفيما يخص الفئات الهشة، نبّه اليعقوبي إلى أن الأطفال يعبرون عن صدمتهم بطرق غير مباشرة، مثل التشبث المفرط بالوالدين، الصمت المفاجئ، أو التراجع السلوكي، وهي علامات دالة على اختلال عميق في إحساسهم بالأمان النفسي.
وأكد الأخصائي النفسي أن تداعيات الفيضانات تستوجب مقاربة تتجاوز الدعم التقني والمادي، لتشمل مواكبة نفسية واجتماعية تعيد بناء الثقة والاستقرار لدى الأفراد والجماعات.
إلى جانب ذلك، شدد المصدر نفسه على أن “هناك غيابا واضحا للمواكبة النفسية المنظمة ضمن التدخلات الميدانية، في تجاهل لحقيقة أن الصحة النفسية تشكل جزءا أساسيا من الأمن الإنساني”.
بروتوكولات واضحة
وفسر اليعقوبي أن “غياب الأخصائيين النفسيين عن مسرح الكارثة لا يعني فقط غياب الاستشارة الفردية، بل يعني أيضا فقدان آليات منظمة للدعم النفسي الأولي، وللتقييم النفسي السريع، وللتوجيه نحو خدمات متخصصة عند الحاجة”.
وأضاف المتحدث أن التدخل النفسي في مثل هذه السياقات، لا يقتصر على العلاج الكلاسيكي، “بل يشمل ما يُعرف بالإسعاف النفسي الأولي”، الذي يهدف إلى تهدئة المتضررين، تزويدهم بالمعلومات الدقيقة، مساعدتهم على استعادة الشعور بالأمان، وتعزيز شبكات الدعم الأسري والمجتمعي.
وأشار إلى أن ما حدث يبرز الحاجة الملحة إلى إدماج الأخصائيين النفسيين ضمن خطط تدبير المخاطر والكوارث، ليس بشكل ظرفي، بل كجزء بنيوي من منظومة الحماية المدنية والصحية.
وبحسب الأخصائي النفسي، يتطلب ذلك إعداد بروتوكولات واضحة للتدخل النفسي في حالات الطوارئ، وتكوين فرق متعددة التخصصات تضم أطباء، وممرضين، وأخصائيين اجتماعيين ونفسيين، مع التنسيق المسبق بين القطاعات المعنية.
وخلص فؤاد اليعقوبي إلى المطالبة بنشر ثقافة الوعي بالصحة النفسية في المجتمع، حتى لا يُنظر إلى الدعم النفسي كترف أو كخدمة ثانوية، بل كحق أساسي من حقوق المتضررين.
مطالب برلمانية
في نفس السياق، طالب النائب البرلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة، محمد حماني، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بنيحيى، بضرورة الالتفات إلى “الأثر النفسي” العميق الذي خلفته الفيضانات الأخيرة بمنطقتي اللوكوس والغرب.
وأوضح محمد حماني في سؤال كتابي، أن “التدخلات الميدانية ركزت بشكل أساسي على حجم الخسائر المادية، من منازل منهارة وبنية تحتية متضررة، في حين ظل الجانب النفسي والاجتماعي للساكنة بعيداً عن دائرة الاهتمام الكافي”.
واعتبر النائب البرلماني أن ما عاشته مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة لم يكن مجرد “حادث عرضي”، بل وصفه بـ “التجربة الجماعية الصادمة”.
وفي غضون ذلك ساءل المسؤول البرلماني، الوزيرة بنيحيى، عن التدابير الاستعجالية التي تعتزم وزارتها اتخاذها لتوفير مواكبة نفسية متخصصة، عبر الاستعانة بخبراء وأطر مؤهلة، لمساعدة المتضررين على تجاوز آثار الكارثة وإعادة الطمأنينة إلى نفوس الأسر المتضررة، بالموازاة مع الدعم المادي واللوجيستيكي.