story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

في نقد أطروحة “الجراحة السيادية” ومخاطر اختزال الإصلاح في منطق الاستثناء – ردا على بيان “مغرب السرعة الواحدة”

ص ص

عمّم الرئيس السابق لمجلس المستشارين، والأمين العام السابق لحزب الاصالة والمعاصرة، حكيم بنشماش، مقالا /بيانا، عنونه بـ”مغرب السرعة الواحدة”، بعد مدة من الغياب عن النقاش العمومي والسياسي، طالب فيه بإجراء ما سماه “جراحة سيادية” تنحاز إلى ما وصفها بـ “ديمقراطية النتائج”.

وتضمّن البيان تشخيصا لمفارقة “المغرب بسرعتين”، وهي مفارقة أشار إليها غير ما مرة جلالة الملك محمد السادس في خطاباته، محذرا من اتساع الفجوة بين دينامية المشاريع الكبرى، وانتظارات المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن السؤال الجوهري يبقى هو: هل يكمن الحل في نقل مركز الثقل من السياسة إلى ما فوق السياسة وفق ما يُطالب به بنشماش؟ أم في إعادة السياسة إلى معناها ووظيفتها الأصلية؟

ولا يختلف اثنان حول أن المغرب يعيش لحظة دقيقة من تاريخه، لحظة تتقاطع فيها رهانات السيادة مع تحديات العدالة الاجتماعية والمجالية، وتتجاور فيها إنجازات “الأوراش الكبرى”، مع مطبات الوساطة السياسية، واختلالات التنمية الترابية، غير أن الاختلاف يبدأ حين يُقترح، في خضم هذا التعقيد، حلّ يكاد يختزل أفق الإصلاح في ما سُمّي بـ”التدخل السيادي” أو “الجراحة السيادية”، لتصحيح أعطاب المشهد الحزبي.

أولا: من أزمة الوساطة إلى أزمة الثقة

صحيح أن جزءا مهما من الأحزاب انزلق إلى منطق “الوكالة الانتخابية”، وأن زواج المال بالسلطة أضر بصورة العمل السياسي، وصحيح كذلك أن فئات عريضة من الشباب، ومنهم ما يُعرف بـ”جيل Z”، تعبر عن نفورها من الوسائط التقليدية، ومنها الأحزاب السياسية، غير أن هذا الواقع، مهما بلغ من السوء، لا يبرر القفز إلى استنتاج مفاده أن الإصلاح لا يمر إلا عبر تدخل فوقي يعيد ترتيب الحقل من خارجه، وفق أطروحة حكيم بنشماش.

لأن أزمة الوساطة، في جوهرها، هي أزمة ثقة، والثقة لا تُستعاد بآليات استثنائية، بل بإعادة بناء التمثيلية على أسس الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.

إن إضعاف الأحزاب أكثر، حتى بادعاء تقويمها، وتصحيح مساراتها، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تجريف المجال العمومي، وفتح الباب أمام تعبيرات احتجاجية غير مؤطرة، قد تكون أكثر هشاشة وأقل قابلية للاحتواء المؤسساتي.

ثانيا: بين “ديمقراطية النتائج” و”ديمقراطية الأشكال”

يطرح بنشماش في بيانه ثنائية جذابة: “ديمقراطية النتائج” مقابل “ديمقراطية الأشكال”، غير أن هذا التقابل مضلل في عمقه، لأن النتائج المستدامة لا يتم انتاجها طبيعيا خارج الأشكال، بل عبرها. فالمؤسسات التمثيلية ليست مجرد طقوس إجرائية، بل آليات لتوزيع السلطة وضبطها ومنع احتكارها.

وتحويل العجز الحزبي إلى مسوغ لإعادة تركيز القرار، خارج منطق التنافس السياسي، قد يمنح سرعة ظرفية، لكنه يحمل كلفة بعيدة المدى على منسوب الثقة والمشاركة، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي ضاقت بآليات الوساطة، بدعوى بطئها، أو عجزها أو انحرافها، انتهت إلى هشاشة أشد، لأن السياسة وإن كانت متعبة ومرهقة، تظل أقل كلفة من اللجوء إلى منطق الاستثناء الدائم.

ثالثا: روح الدستور… بين التفعيل والتأويل

أشار بنشماش في البيان إلى “روح الدستور”، وإلى ضرورة إيقاظها، والحال أن دستور 2011، الذي جاء في سياق إقليمي ووطني دقيق، لم يكن وعدا بإضعاف الوساطة، بل بتقويتها، حيث عزّز موقع الحكومة المنبثقة عن الانتخابات، من خلال التنصيص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات، ووسع اختصاصات البرلمان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فهل يكون الوفاء لروحه في الالتفاف على تعثر الفاعلين، أم في تمكين المجتمع من محاسبتهم وتجديد نخبهم؟

إن الدستور لا يحمي المؤسسات من “الانتحار الوظيفي” إذا جاز التعبير، عبر مصادرتها، بل عبر إعمال قواعد التداول والمساءلة، وإذا كانت بعض الأحزاب قد استقالت من أدوارها، فإن العلاج ليس في تعميم الحكم عليها، بل في فتح المجال أمام بدائل حقيقية، وتجفيف منابع الريع السياسي والمالي بقواعد صارمة تطبق على الجميع.

رابعا: “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”

من اللافت في بيان بنشماش، أنه يفصل بين “الزمن السيادي” و”الزمن الاجتماعي”، ويدعو إلى حماية الأول من عبث الثاني، غير أن الدولة الحديثة لا تقوم على هذا الفصل، فالسيادة لا تكتمل إلا برضا اجتماعي، والإنجازات الكبرى، من البنية التحتية إلى التحولات الدبلوماسية، لا تصمد إن لم يشعر المواطن بأن كرامته مصونة في المستشفى، وفي المرفق العمومي، وفي سوق الشغل.

إن رهان “الإقلاع الكبير”، لا يمكن أن يتحقق بجرعة إضافية من المركزية والتركيز، بل بإطلاق طاقات المجتمع، لإفراز جماعات ترابية قوية، وإعلام مهني مستقل، وأحزاب متجددة، ونقابات فاعلة، فالسرعة الحقيقية ليست في تجاوز القوانين والقواعد، بل في جعلها عادلة وفعالة.

خامسا: الإصلاح من داخل السياسة لا من خارجها

إن قول بنشماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، بأن معظم الأحزاب أصبحت عبئا قد يكون توصيفا مناسبا لمرحلة، لكنه لا ينبغي أن يتكرس كقدر، فالمشهد السياسي المغربي عرف دورات صعود وهبوط، وتجارب إصلاح وتجديد، والرهان اليوم ليس إلغاء التعددية أو تحييدها، بل تحفيزها على إعادة إنتاج ذاتها، من خلال قوانين صارمة تمنع تضارب المصالح والتمويل، وتدعم دمقرطة داخلية فعلية للأحزاب، وتربط الدعم العمومي بالنتائج والشفافية، وأخرى تشجع على توسيع مجالات المشاركة للشباب والنساء خارج منطق الزبونية والولاءات المغشوشة.

بكلمة، وبغض النظر عن التوظيف التدليسي من قبل صاحب بيان “مغرب السرعة الواحدة”، لمفهوم السيادة والدولة، فإن “الجراحة” الحقيقية التي يمكن أن تسهم في إنعاش المشهد الحزبي والسياسي، ليست سيادية بالمعنى الفوقي، بل مؤسساتية وقانونية وأخلاقية، تُفعَّل بأدوات الدستور لا بالالتفاف عليه، وقد عاش المغرب تجربة لمثل هذه “الجراحة” مع حزب الاصالة والمعاصرة، والنتيجة ظهرت في الشارع العام خلال فبراير 2011.

ختاما، إن المغرب بالفعل أمام منعطف تاريخي، خصوصا في ما يرتبط بقضيته الوطنية الأولى وما راكمه من حضور إقليمي ودولي، لكن قوة المنعطف لا تقاس بالقدرة على تسريع القرار فحسب، بل بالقدرة على توسيع قاعدة المشاركة فيه، فالرهان ليس فقط في الوصول بسرعة، بل أن في الوصول الجماعي. أما تحويل أزمة الوساطة إلى مسوغ لإعادة هندسة المجال السياسي من أعلى، فقد يبدو حلا جذريا، لكنه يحمل في طياته مخاطرة إضعاف ما تبقى من الثقة في السياسة ذاتها، والإصلاح، إن لم يكن ديمقراطيا في مساره، فلن يكون مستداما في نتائجه.