فتاة واحدة في مواجهة عمالقة التكنولوجيا.. هل يغير حكم قضائي وجه “السوشل ميديا” للأبد؟
في خطوة من الممكن أن تشكل “نهاية وسائل التواصل الاجتماعي بالشكل الذي نعرفه”، كما عبّرت عن ذلك قناة “إن بي سي” الأمريكية، أُدينت شركتان من عمالقة التكنولوجيا في قضيتين منفصلتين، وذلك في سابقة قضائية تُحمّل المنصات مسؤولية مباشرة عن تصميم تطبيقاتها وتأثيرها على المستخدمين.
القضية الأولى رُفعت ضد “ميتا”، المالكة لمنصتي “فيسبوك” و”إنستغرام”، في ولاية نيو مكسيكو، حيث خلصت إلى تحميل الشركة مسؤولية استغلال منصبها في تسهيل الاتجار الجنسي بالأطفال، وقضت بإلزامها بدفع 375 مليون دولار كتعويضات مدنية.
أما القضية الثانية، والتي استأثرت بالاهتمام الأكبر في الرأي العام الأمريكي والدولي، فتتعلق بفتاة مجهولة تبلغ من العمر 20 سنة عُرفت إعلاميا بالأحرف الأولى من اسمها K.G.M، اتهمت شركات التواصل الاجتماعي بتصميم منتجات تُسبب الإدمان على نحو يُضاهي تأثير السجائر أو الكازينوهات الرقمية.
واستندت K.G.M في دعواها إلى ميزات هندسية في تصميم التطبيقات، مثل “التمرير اللانهائي” الذي يُبقي المستخدم عالقًا في تدفّق محتوى لا ينتهي، و”التوصيات الخوارزمية” التي تعتمد على تحليل سلوك المستخدم واهتماماته لاقتراح محتوى يجذبه بشكل مستمر يؤدي للإدمان.
وبناءً على ذلك، رفعت دعوى قضائية ضد “ميتا”، المالكة لـ”إنستغرام” و”فيسبوك”، و”يوتيوب” التابعة لـ”غوغل” بالإضافة إلى كل من “سنابشات” و”تيكتوك”، مدعية أن تطبيقات هذه الشركات صُممت بطريقة تُشجع على الاستخدام المفرط وأسهمت في تدهور صحتها النفسية، من خلال التسبب في مشكلات مثل القلق والاكتئاب.
ومع نهاية المحاكمة التي استمرت لخمسة أسابيع، اعتبر أغلب أعضاء هيئة المحلفين أن هذه الشركات مسؤولة عن المشاكل النفسية التي تعاني منها الشابة، وخلصوا إلى أن “ميتا” و”يوتيوب” كانتا “مهملتين” في تصميم منصاتهما، وأن منتجاتهما ألحقت الضرر بالفتاة.
وبناء على هذا، قضت المحكمة بدفع “ميتا” لمبلغ 4.2 ملايين دولار كتعويضات إجمالية، كما يتعين على “يوتيوب” دفع 1.8 مليون دولار، فيما كانت كل من “تيك توك” و”سنابشات” قد توصلتا إلى تسوية مع المدعية بشروط لم يُكشف عنها قبل بدء المحاكمة.
- ما الحجج التي استند إليها طرفا النزاع خلال المحاكمة؟
قبل بلوغ القضية مرحلة المحاكمة، سعى محامو الشركات إلى إقناع القاضية برفض الدعوى من الأساس، مستندين إلى التعديل الأول من الدستور الأمريكي الذي يكفل حرية التعبير، وإلى المادة 230 من قانون آداب الاتصالات، التي شكّلت منذ إقرارها في الكونغرس سنة 1996 “قبة حديدية” لهذه الشركات ضد مئات الآلاف من الدعاوى القضائية.
وتنص المادة المذكورة على أن المنصات الموجودة على الإنترنت لا تتحمل مسؤولية قانونية عمّا ينشره المستخدمون على صفحاتها، ويطلق البعض على هذه المادة اسم “الـ26 كلمة التي صنعت الإنترنت”، لكونها تمثل حجر الأساس الذي شكل شبكة الإنترنت بالشكل الذي نعرفه اليوم.
من جانبهم، رد محامو المدعية بأن القضية لا تتعلق بالمحتوى أو الخطاب، بل بطبيعة تصميم تطبيقات هذه الشركات، وهو ما دفع المحكمة إلى اعتبارها ضمن نطاق مسؤولية الشركات عن خياراتها الهندسية والتقنية، وليس ضمن مظلة حرية التعبير المكفولة دستوريا. وبناءً على ذلك، قررت القاضية المضي في إجراءات المحاكمة.
وحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية فقد عرض أحد محامي K.G.M، مراسلات داخلية من شركتي “ميتا” و”يوتيوب” تُظهر أن مسؤولي هذه الشركات كانوا على علم بالآثار السلبية لمنتجاتهم على الأطفال وناقشوها.
كما جادل بأن الميزات التي طورتها هذه الشركات مثل “التمرير اللانهائي” و”التوصيات الخوارزمية”، بالإضافة إلى ميزة تشغيل الفيديو التلقائي صُممت لجذب المستخدمين الصغار وربطهم بهذه التطبيقات إلى حد الإدمان.
وقد أدلت K.G.M بشهادتها حول طفولتها واستخدامها وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للتعبير والهروب من التنمر في المدرسة، موضحة أنها كانت تقضي ساعات يومياً على “إنستغرام” وتنشر مئات الصور باستخدام “فلاتر” تجميل لإخفاء شعورها بعدم رضاها عن جسمها، وهو ما قالت إنه أدى إلى إصابتها باضطراب “تشوّه صورة الجسم”.
الشركات المسؤولة عن هذه التطبيقات، لجأت إلى ورقة أخرى، حيث جادلت بأن المشاكل النفسية التي عانت منها الشابة البالغة من العمر 20 عاماً، ما هي إلا نتاج لعلاقتها مع أمها منذ صغرها بالإضافة إلى التنمر الذي تعرضت له في المدرسة، مستشهدين في ذلك بمنشورات سابقة لها كتبتها أثناء مراهقتها تعبّر فيها عن معاناتها مع محيطها الأسري والاجتماعي.
كما أكد محامو هذه الشركات بأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي لا يُعد تشخيصاً رسمياً في الدليل المرجعي للاضطرابات النفسية المعتمد من قبل الأطباء النفسيين بالولايات المتحدة، وادعوا أنه، بدلاً من التسبب في الأذى، وفر “إنستغرام” لشابة أثناء مراهقتها “متنفساً مفيداً” من الواقع.
غير أن هذه الحجج لم تُقنع هيئة المحلفين التي صوّتت بأغلبية 10 مقابل 2 لصالح المدعين، واعتبرت أن “ميتا” صممت عمداً منتجاً يسبب الإدمان، مما أدى إلى إصابة KGM باضطرابات نفسية.
- لماذا يُعتبر الحكم “لحظة فارقة” في صناعة التكنولوجيا الرقمية؟
لسنوات طويلة، اعتمدت شركات التكنولوجيا الكبرى على ترسانة قانونية مكّنت من حمايتها ضد مئات آلاف الدعاوى القضائية، استنادًا أساسًا إلى التعديل الأول من الدستور الأمريكي الذي يكفل حرية التعبير، وإلى المادة 230 من قانون آداب الاتصالات. غير أن خبراء يرون بأن هذا الوضع “على وشك أن يتغير”.
ورغم أن مجموع التعويضات المقضي بها في القضيتين مجتمعتين، والبالغة 381 مليون دولار، لا تمثل سوى نحو 0.063% من أرباح الشركتان المعنيتين خلال سنة 2025، إلا أنه من المرتقب أن تسعيا بكل الوسائل القانونية لإلغاء هذه الأحكام في مرحلة الاستئناف، تفادياً لسابقة قد تفتح الباب أمام آلاف القضايا المماثلة.
وهو ما أشارت إليه بالفعل صحيفة “نيويورك تايمز”، إذ من المرتقب عرض ثماني قضايا أخرى، رفعها مدّعون أفراد، على المحكمة في لوس أنجلوس، إلى جانب حزمة من الدعاوى الفدرالية التي تقدّمت بها ولايات ومناطق تعليمية في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، والتي يُنتظر أن ينظر فيها القضاء خلال الصيف الجاري.
ويقارن خبراء هذه السابقة بـ”لحظة فارقة” أخرى في صناعة التبغ خلال سنة 1998، حين وُجهت اتهامات إلى شركات التبغ العالمية بإخفاء معلومات حول مخاطر السجائر، ما انتهى إلى تسوية تاريخية بلغت قيمتها 206 مليارات دولار، وأفضت إلى فرض قيود صارمة ساهمت لاحقًا في كبح أرباح تلك الشركات وتراجع معدلات التدخين.
- لماذا يعتبر توقيت الحكم في “بالغ الحساسية” ؟
أمام هذه الصناعة الضخمة، التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، والتي تقوم على تحليل السلوك البشري والتنافس على جذبه، يبرز دور الحكومات حول العالم في الحد من تأثيراتها على الأشخاص، خاصة الأطفال دون السن القانوني.
من هذا المنطلق، كانت أستراليا نهاية السنة الماضية، أول دولة في العالم تحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 16 سنة، مع فرض غرامات تصل إلى 34 مليون دولار على هذه الشركات في حال عدم الامتثال.
إجراء عارضته شركات التكنولوجيا بشدة، لكنه شجع حكومات أخرى لاعتماده مثل فرنسا والنمسا وماليزيا مؤخرا، فيما اختارت دول أخرى فرض تدابير أكثر صرامة للتحقق من العمر أو اشتراط موافقة الوالدين.
أما في البرازيل، فبينما سمحت الحكومة للقاصرين دون 16 سنة بإنشاء حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي شريطة ربطها بحساب وليّ أمر قانوني، فإنها في المقابل حظرت على الشركات تفعيل الخصائص المصمَّمة لتعزيز الإدمان، مثل “التمرير اللانهائي”، و”التشغيل التلقائي”.
- هل يحتاج المغرب إلى الانخراط في هذا التحرك الدولي؟
في المغرب لا يتضمن القانون الحالي أي إطار خاص ينظم مسؤولية شركات التكنولوجيا فيما يتعلق بالمخاطر المتزايدة المرتبطة باستعمال منصاتها، خاصة من قبل الأطفال دون سن الـ15 سنة.
هذه المخاطر المتزايدة كشفتها دراسة حديثة نشرت في مجلة “Scientific Reports” العالمية بأن 25.5% من المراهقين والبالغين الشباب المغاربة لديهم ما يعرف بـ”استخدام إشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي” أو (PSMU)، وهو استعمال مفرط أو شبه “إدماني” لهذه الوسائل بشكل يؤثر على الحياة اليومية والصحة النفسية.
الدراسة العلمية المحكّمة كشفت أيضا العلاقات القوية بين الاستعمال المفرط لمنصات التواصل الاجتماعي وعدد من الاضرابات النفسية لدى الشباب المغاربة مثل الاكتئاب والتوتر والقلق. فكلما زادت المشاكل النفسية زاد الاستعمال المفرط لهذه الوسائل.
وأوضحت أن وسائل التواصل الاجتماعي توفر متنفسًا سهل الوصول للتخفيف المؤقت من المشاعر السلبية، لكن هذه الآلية للتكيف قد تصبح غير صحية عندما تؤدي إلى الاستخدام المفرط، مما يفاقم بدوره مشاعر الوحدة والضيق، وهو ما يدخل بدوره المستخدم في دائرة مغلقة.
وعلى غرار الدعوى التي رفعتها K.G.M، تشير الدراسة إلى أنه تم تصميم منصات التواصل الاجتماعي بشكل فريد لاستغلال “الهشاشة النفسية” لدى المستخدمين من خلال ميزاتها المعتمدة، من خلال المحتوى القائم الخوارزميات لتحليل سلوك المستخدم، و”التمرير اللانهائي”.
وحسب الدراسة، تُسهم هذه الآليات في تعزيز سلوكيات إدمانية بشكل مشابه لاضطرابات تعاطي المخدرات، موضحة أن التعرض لها باستمرار وبشكل مفرط يمكن أن يؤدي إلى اضطراب في تنظيم المشاعر، وانخفاض تقدير الذات، والشعور بعدم الكفاءة.
ويعد المراهقون والشباب، الأكثر عرضة لمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، نظراً لأن نموهم العصبي والمعرفي يرتبط بحساسية مرتفعة تجاه المكافأة والتقييم الاجتماعي.
وقد يزداد الأثر حدة عند المراهقين والشباب الذين لا يمتلكون “استراتيجيات صحية” للتعامل مع التوتر، حيث عادة ما يلجؤون إلى وسائل التواصل الاجتماعي كخيار سهل ومتاح، ما يكرّس لديهم دائرة “الاستخدام الإشكالي” ويغذّيها.