story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

عن المحامين و”مكفولي الأمة”

ص ص

ما أظهره المحامون من وحدةٍ يستحق الإشادة. أوقفوا البيضة في طاس الحكومة. كانت هندسة قانون المحاماة تُخفي نوايا تحكّمٍ، بحيث يصير أصحاب البدلة السوداء خاضعين وتابعين، لا سنداً لموكليهم لتحقيق العدالة. في الجوهر يتحدثون استهداف استقلالية المهنة ومحاولة وصاية عليها، والسعي لضرب ضمانات المحاكمة العادلة، ضمن تفصيلات كثيرة مبثوثة في أكثر من مادة من مواد مشروع القانون المتعلق بمهنة المحاماة.

رفَضَ المحامون الإخضاع، واضطروا إلى “أبغض الحلال” في مهنتهم: مقاطعة المحاكم. توقّفت مصالح المواطنين لأيام طويلة، أصرّت خلالها الحكومة، وضمنها المحامي/ وزير العدل عبد اللطيف وهبي، على صعود الجبل. في المقابل، كان يدرك المحامون أن قرار التوقّف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية من دون تحديد سقف زمني لا يمكن إنهاؤه دون نتيجة.

تحرّكت محاولة وساطة برلمانية على ما يُخبرنا عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية. وفجأة نقرأ عن دعوة رئيس الحكومة عزيز أخنوش لنقيب المحامين للحوار، دون حضور الوزير المعني، والاتفاق على تجميد مشروع القانون رقم 66.23 الذي اعتمدته الحكومة يوم 8 يناير 2026، وإعادة التفاوض بشأنه.

وحسناً فعل أخنوش وهو يعلن خضوع حكومته للمحامين بما يجنّب المغاربة مزيداً من الهدر للزمن القضائي الذي لا يمكن أن يكون هامشاً على متن دولة القانون. انتزع رئيس الحكومة في المقابل عودة المحامين إلى تقديم الخدمات المهنية يوم الاثنين 16 فبراير. وحسناً فعلوا أيضا حين أمسكوا العصى من الوسط، واكتفوا بـ”تحييد” وهبي عبر “تغييبه” ثمناً للعودة.

تغييب وهبي عن مشهد الحوار في مقر رئاسة الحكومة يثبت أننا أمام حكومة منقسمة ومتضررة، تفتقد للتماسك والتضامن، بضغوط الفشل في إدارة أكثر من ملف، وتضرّر الشعبية بفعل شبهات تضارب المصالح التي ما عاد يُعلم لها بداية ولا نهاية، وكذلك بمفاعيل بداية الانغماس في حملة انتخابية سابقة لأوانها شعارها (راسي يا راسي).

وعلى كل حال، ولئنْ استوزر عبد اللطيف وهبي باسم حزب الأصالة والمعاصرة، فإنني أجازفُ بالقول إن الحزب لا يمنح أي غطاءٍ سياسي لأمينه العام السابق، لا داخل الحكومة ولا خارجها، ولا في معركة المحامين ولا في غيرها.

منذ مدة يخوض وهبي، الذي سرّب معلومة تلويحه بطلب الإعفاء بعد اجتماع أخنوش ونقيب المحامين، “معاركه” وحيداً. يظهر كـ”متشرّد سياسي” داخل ائتلاف حكومي كان من مهندسيه، قبل تحوّلات داخل حزبه. من لحظتها يخوض وهبي معارك أغلبها بلا مضمون سياسي، إلا نوعاً من الشخصنة من مثل شكاويه المتواترة في مواجهة الصحافي حميد المهداوي. أما ما أجزم أنه نَخَرَ عُودَ الوزير فيرتبط بملف تعديل مدونة الأسرة، وكل تلك الحماوَة التي أبداها، قبل أن ينقشع غُبار النقاش و”الثرثرة” عن قواعد ملزمة لتعديلات لم تكن على هواه، وراعت مكانة إمارة المؤمنين في كتابة نصّ يتجاوز رغبات “الطارئين” على السلطة.

بالمجمل، نحن أمام “حكومة تصريف أعمال” منذ قرّر أصحاب السلطة الفعلية سحب أكثر من ملف مهم من يد رئيس الحكومة، بما فيه ملف الإشراف السياسي على الانتخابات. والمنطق أن تكتفي الحكومة بالتعامل مع المستجدّ من الأحداث والوقائع والملفات، وأن تمتنع عن الخوض في الأمور الإشكالية التي يمكن ترحيلها إلى تجربة حكومية جديدة تحوز ما صارت مُفتقَداً في هذه الحكومة، التي ظهرت كـ”الأطرش في الزفّة” خلال أزمة الفيضانات مثلا.

وعلى ذكر الفيضانات، وربطاً بمعركة المحامين، وفي علاقة بنا نحن معشر الصحافيين. ألم يكن معقولاً أن يعلن رئيس الحكومة قطاع الصحافةَ منكوباً أيضاً؟.

خذ عندك مؤشرَين يحضران في البال. أولهما كيف جرى تمرير قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة عُنوةً، ودون اعتبار لاعتراضات المختصّين، والصحافيين والناشرين وهيئاتهم التمثيلية، على عكس ما جرى مع قانون المحاماة. ولولا تفتّق عقلٍ في السلطة على تخريجة إحالة قانون المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية لصار قانوناً ملزماً بكل عيوبه في الشكل والمضمون.

هذه الصحافة التي يحكمها من يسبّون الملّة في اجتماعات لجنة الأخلاقيات، ويسخرون من أشكال المحامين، ويتآمرون على “غيزي ليه”، وتسبّبوا في حالة فراغ مؤسساتي فادح، ألا تستحق أن تُعلن منكوبة؟.

هذه المهنة، التي يُفترض أن تغطّي أخبار الفيضانات، كان منتسبوها ينتظرون لأيام طويلة، في بداية فبراير 2026، أجورهم من الدولة، وكان السؤال الأكثر تداولا هو (واش داز الصالير؟) أكثر من أخبار السيول والسدود، ألا تستحق أن تُعلن منكوبة؟

هؤلاء الصحافيون تحوّلوا إلى “مكفولي الأمة” في قطاع منكوبٍ وقد أخذت الدولة على عاتقها “إعالتهم”، وصاروا عُرضةً للاستباحة ممن يستقوون بأرقام المعاملات و”العلاقات” ويستفيدون من الدعم العمومي، ومع ذلك لا يجدون أيّ حرجٍ في أن تؤدّي الدولة عنهم أجور موظفيهم.

من يستقوي بأرقام المعاملات، وبمسميّات “المقاولات الكبيرة”، كان يجب أن يتعفّف عن صرف أجور موظفيه من الميزانية العمومية، وإلا ستكون كل هذه التوصيفات عبثية وغير ذات معنى.

ولمن لا يعرف، “مكفولو الأمة” هم الأطفال الذين يتكفل بهم الملك/ الدولة قانونياً، بموجب الظهير رقم 1-99-191، بعد استشهاد أو فقدان أو عجز سندهم الرئيسي (الأب أو الأم) أثناء الدفاع عن حوزة الوطن، في مهام حفظ السلم، أو عمليات إنسانية، أو في كوارث طبيعية كالزلزال.

وعلى هذا الأساس، أجد أساساً معقولا لتوصيف منتسبي الصحافة والنشر بـ”مكفولي الأمة”، بدليل أنها تتكلف بأجورهم، وثانياً لأنهم ضحايا كوارث (بشرية).

ومادام الشيء بالشيء يُذكّر. أليس معقولاً، بل وواجباً، أن تُفرج الدولة عن قيمة التعويضات التي تُصرف لـ”مكفولي الأمة”. ولا أتعرّض هنا لزملائي الصحافيين الذين يتوصّلون بالحدّ الأدنى ممّا يحفظ كرامتهم، بل أقصد أجور باطرونا وناشرين. خوفي أن تكون الأجورُ صادمة. وخوفي أن تعادل أو تتجاوز تعويضات البرلمانيين والوزراء.

وعندما لا تتوفّر المعلومة، أو تُحجب دون أساس معقول، قد يجنح بالمرء الخيال إلى استدعاء أرقام تُصيب بالدوار، وتُظهر قلّة تعفّف، ممن يأخذون أجوراً من الدولة، ويُصرف الدعم العمومي لمؤسساتهم، يزيدون عليها أرباح مقاولاتهم المعافاة من أداء أجور صحافييها، وامتيازات أخرى.

قصارى القول

معركة المحامين وشؤون الصحافة ضمن خطّ المحاوَرة المجتمعية ذاته: رهان الديمقراطية ودولة الحق والقانون. ينجح المحامون بوحدتهم في حفظ مهنتهم من السطوِ، وتُدَقُّ كثير من الأسافين في جسم الصحافة لتبقى منقسمة ومتشظيّة وتعيش بـ”الصيروم” والإنعاش المستمر.

المحاماة والصحافة ضمن أدوات المجتمع للمقاومة. لكل واحدة مجال اشتغال، ومساحة فعل، وتلتقي في مقاومة نزوع الهيمنة، وفي التمكين للحقوق. كلاهما حارسٌ، للقانون، ولسلامة المجتمع والمؤسسات.

وفرحي بصمود المحامين لمنع إفراغ مهنتهم من مضمونها الترافعي لصالح القانون والعدالة، يعادله ويتجاوزه أسفي على صحافة أنتمي إليها، وأعرف كيف يجري العبثُ بها، حتى لا تكون صحافة. هي نفس الرغبة في التجريف والهيمنة، فقط مهنةٌ قاومت، وأخرى تحاول أن تبقى.

وسنبقى. لا بديل.