عبد الهادي بلخياط.. ذاك الإنسان!
رحم الله الفنان ، الداعية ، عبد الهادي بلخياط ..
بلخياط يرثي نفسه : الله الله ياذاك الانسان !!
كان العقاد يفضله على عبد الحليم حافظ
يمتاز المرحوم عبد الهادي بلخياط عن غيره من فناني المغرب .فهو رجل بسيط ومتواضع وفي نفس الوقت قامة من القامات الفنية الكبرى ليس في المغرب فحسب بل في كل أقطار الوطن العربي .
له في المغرب العربي : موريطانيا الجزائر تونس ليبيا شعبية تفوق شعبية فناني تلك الأقطار ..
وذلك بما يتمتع به من قدرات فنية لآفتة وأداء رفيع .. فصوته قوي وأدائه درامي متنوع مع نفس طربي طويل وأصيل .
الأغاني التي تغنى بها ذات مفردات قريبة جدا للغة الفصيح كما أن نصوص أغانيه محترمة ، لا شيء فيها يخدش الحياء .. يفهمها المغربي كما يفهمها المشرقي، انظر إلى نص أغنية يابنت الناس : والتي تتحدث عن شاب يعرض نفسه على فتاة مع فقر مدقع وحالة مادية مزرية ، لكن في المقابل له قلب كبير وعاطفة صادقة تجاه من يحب …فهل يشفع له ذلك ؟؟؟
( يابنت الناس ، انا فقير ودراهم يومي معدودة ..
إنما عندي قلب كبير بحر شطآنه ممدودة ..
فايض بالمحبة والخير وبابه ماهي مسدودة ..
وفهمييني ..!!! ) .
وهذا النص لا يختلف كثيرا عن نص آخر لأغنية قطار الحياة المشهورة ..فهو نص لا شيء فيه يخدش الحياء وهو أقرب للفصحى .
( ركبنا قطار الحياة ..وبقات ورانا ذكريات
قبالتنا أمل كبير ..وشوف أنا فين وأنت فين
يبان لك الفرق يامسكين ..
هذه النصوص الجميلة والمحافظة كانت ارهاصا لما سيأتي مستقبلا من اعتزال والتفرغ للدعوة إلى الله ….ثم غناء المنفرجة وأسماء الله الحسنى .
عبد الهادي بلخياط أو عبد الهادي الزوكاري من مواليد ١٩٤٠ ، غادر الدراسة مبكرا واشتغل مع أبيه في حرفة النجارة ، لكن بسبب هوايته الفنية تقدم سنة ١٩٥٨ لمبارة لاختيار الأداء الصوتي في الإذاعة الوطنية وكان فيها من الناجحين ، من هذا التاريخ وقطاره الفني يسارع الخطى .
كانت تربطه صداقات مفتوحة مع الجميع فهو ليس خصما لأحد
كٌتاب الكلمات والملحنين كانوا هم من يختارونه لأداء نصوصهم وألحانهم ، وكان هذا يغيظ زملاءه كما حكى لي .
دخل القصر الملكي كمغني في وقت مبكر وعرف قدره الملك الراحل الحسن الثاني، كما كان الموسيقار محمد عبد الوهاب معجبا بصوته القوي والذي قيل أنه طلب من الملك الحسن أن يأخذه معه إلي مصر لكن الملك الحسن رفض له هذا الطلب .
قبل هذا كان عبد الهادي بلخياط تعرض لسوء فهم سياسي حينما منعت الإذاعة الوطنية لفترة محدودة أغنية له اسمها :
علاش جيتني في هذا الظرف ؟
( علاش جيتني في هذي الظروف ..
الظروف قاسية وصعبة ..
خوفي عليك وانت معروف
والناس الا دوات مصيبة ..)
إبان هذا المنع كان لإذاعة لندن برنامجا خاصا عن المغرب العربي اسمه كشكول المغرب يقدمه د محمد الشرقاوي أنذاك الذي هو الان استاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن الامريكية ومعروف كمعلق سياسي في القنوات الاخبارية العربية والدولية ..كان هذا البرنامج يُكثر من اذاعة هذه الاغنية الاحتجاجية .
عبد الهادي بلخياط تبسم له الزمان فكان محظوظا وموفقا في الاتجاهين فنيا ودعويا
يحكي أنيس منصور – إن لم تخني الذاكرة – في كتابه : في صالون العقاد كانت لنا أيام أنه ٌذكر ذات يوم اسم عبد الحلبم حافظ عند عباس محمود العقاد ، فقال معلقا أي فنان هذا الذي تتحدثون عنه إن انقطع الكهرباء يصمت بسبب ضعف الصوت الفنان الحقيقي هو عبد الهادي بلخياط …
تعرفت على المرحوم عبد الهادي بلخياط من خلال الأستاذ أحمد السراج وكان صديقا مقربا له . ومن خلاله تعرفت على الرجل وعلى فكره ومسيرته .
كان رحمه الله قليل الكلام يحسن الاستماع ويعلق بأقل الألفاظ
عاتبني ذات يوم حينما طلبت منه ان يغني يابنت الناس دراهمي معدودة بحضور شيخه المرحوم : البشير اليونسي ، وذلك في عرس أحد أصدقائه هنا في طنجة .. بعد أن كان غنى ياقطعين الاجبال وانشودة طلع البدر قلت له استاذ عبد الهادي لم لا تغني يابنت الناس فنصها ( دعوي ) ! فنظر في اتجاه الشيخ فرأى استنكارا ..فعدل عن الاستجابة .
بعد الخروج عاتبني وقال لي ما كان لك أن تطلب مني ذلك ..
كانت علاقته بأسرة سعيد الزياني علاقة عائلية، حدث ذات يوم أن مرضت أم سعيد الزياني فذهب لعيادتها في المستشفى وكان آنذاك ابنها سعيد الزياني قد اعتزل الغناء فقالت للمرحوم عبد الهادي بلخياط الم تلتحق بقطار أخيك بعد ؟ فأجابها إجابة عامة . فذكرته بآية : الم يان للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق .. الآية قال : كانت هذه الآية كومضة ضوء ..وكمقدمة لآحقة للاعتزال .
يذكر سعيد الزياني – صاحب أشهر برنامج في الإذاعة الوطنية : أنغام ..وكلام ، أنه كان يحب عبد الهادي بلخياط وفتح الله المغاري وأنه كان يلح عليهما بان يصحباه في الرحلة الى الدعوة في سبيل الله وكان يحفز فتح الله المغاري ويقول له : غالب اغانيك فيها ذكر الله
- الله على الراحة الله ..
- والله ما أنت معانا..
- الله اكبر.. الله اكبر ..صوت الحسن ينادي بلسانك ياصحراء..
لكن عبد الهادي بلخياط كان أسرع في الاستجابة ، ذهب مع سعيد في رحلة دعوية الى الهند وباكستان ، لكن الداخلية ممثلة في ادريس البصري كان لها رأيا آخر ، فجمد الاعتزال الى حين ، فصار يظهر بكثاثة في القنوات الوطنية مغنيا .. لكنه سرعان ما اعتزل نهائيا بعدما تبدلت الظروف السياسية والاجتماعية وصار فنه حصرا في الاناشد والابتهالات
تفرغ رحمه الله لعمل الخير والدعوة إلى الله ، كما كانت له مشاركات في العمل الجمعوي والسياسي فقد ذهب الى لبيا ضدا على الحصار الغربي ضد الشعب الليبي ، كما كانت له مشاركات كثيرة في بناء دور العبادة والمدارس القرآنية الدعوية داخل المغرب وخارجه . من أشهر ما أنشد قصيدة المنفرجة لابن النحوي التوزري ، وهي تحث على الصبر وطلب الرجاء .
اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج
وظلام الليل له سرج
حتى يغشاه أبو السرج
وسحاب الخير له مطر
فإذا جاء الابان نجى
الاستاذ عبد الهادي بلخياط لم يكن مُلكا لأحد لا لجماعة التبليغ المباركة ولا لجماعة الطرب ، بل كان ذاك الانسان المتدين الخلوق..
منفتحا على الجميع يصلي مع جماعة المسلمين ويشرب الشاي مع الفنانين ، لم يكن انعزاليا ولا مقاطعا بل كان فنانا في كل شيء . والفن والفنان من المصطلحات التي سيئت توظيفها فجعلت حصرا دالة على اهل الهوى والطرب.. وهذا خطأ .
ولغة هي غير كذلك ، فالفنان في القاموس اللغوي العربي هو الشخص المبدع المتقن في عمله والموهوب في مجاله .
رحم الله عبد الهادي بالخياط وغفر له . وإنا لله وإنا إليه راجعون