عبد الله الأنطاكي.. إبن سائق محمد الخامس الذي اعتلى المجد الكروي في إسبانيا

ص
ص
قبل سبع سنوات، وعندما أقفل عبد الله الأنطاكي عامه الثمانين من عمره بالتمام والكمال، تلقى دعوة من ناديه الإسباني مالقا الذي قضى به جزءا كبيرا من مشواره الكروي كلاعب وكمدرب، واعتقد أن الأمر يتعلق بدعوة عادية كبقية الدعوات التي يتلقاها باستمرار من إدارة النادي للحضور في الإحتفالات والمناسبات الرسمية بصفته واحدا من مئات قدماء اللاعبين الذي مروا هناك وتركوا بصمتهم في تاريخ الفريق الأبيض والأزرق.
لكن وعند حضوره إلى ملعب “لاروساليدا” المعقل التاريخي للنادي، وجد الأمر مختلفا عن المرات السابقة.. كان الحضور لافتا ضم شخصيات رياضية وسياسية وثقافية من مدينة مالقا، بالإضافة إلى كل فرق فئات أكاديمية تكوين الناشئين التابعة للنادي. جاء الجميع للإحتفال بعيد ميلاد أحد أساطير الفريق.
وكانت المفاجأة أن أعلن مسؤولو مالقا عن تكريم خاص لعبد الله الأنطاكي بمناسبة بلوغه سن الثمانين بإطلاق إسمه على الباب رقم 6 بملعب لاروساليدا، لتتذكره الأجيال اللاحقة من اللاعبين والجماهير كواحد ممن صنعوا تاريخ النادي.
عبد الله الأنطاكي لم يتمالك نفسه إثر هذه البادرة، وبكى في حضن إبنته متأثرا بما لقيه ويلقاه من النادي الإسباني الذي ظل وفيا له طوال مسيرته الرياضية.
فمن هو هذا المغربي الذي جلب لنفسه كل هذا الإحترام والتقدير في إسبانيا؟ وكيف ظل طوال حياته الكروية يحمل فريق مالقا في قلبه ويسعى في كل مرة تتم المناداة عليه لمساعدته لاعبا ومدربا؟ وكيف تحول من أجنبي جاء عابرا للجنوب الإسباني، إلى واحد من رموز مدينته الشهيرة؟
من قصر الرباط إلى إسبانيا
ولد عبد الله بن امبارك الأنطاكي المعروف المغرب بلقب “عبد الله مالقا” في ثاني فبراير 1937 داخل أسوار القصر الملكي بالرباط، إذ أن والده اشتغل طوال سنوات سائقا خاصا للسلطان محمد الخامس.
بدأ عبد الله لعب كرة القدم في طفولته الأولى بالمساحات الفارغة داخل القصر، رفقة أقرانه من أبناء الخدم و”المخازنية”، وكان يشاركهم الأميران آنذاك ولي العهد مولاي الحسن وشقيقه مولاي عبد الله.
وفي سن العاشرة من عمره انتقلت أسرته للعيش خارج قصر تواركة، ليبدأ بعد سنوات، مشواره الكروي في نادي سطاد المغربي قبل أن يبلغ سن الثامنة عشر.
سنتان بعدها سيقرر الشاب عبد الله الهجرة إلى فرنسا من أجل تجريب حظه في أحد الأندية الباريسية، لكن الأقدار ساقته إلى التوقف في مدينة غرناطة بالجنوب الإسباني عند أحد معارفه الذي يعرف موهبته الكبيرة في كرة القدم، فاقترح عليه الخضوع لاختبار ضمن نادي المدينة الأندلسية الذي كان يلعب بالقسم الثاني، لينتهي الأمر بقبوله السريع في الفريق بعدما اكتشف فيه مسؤولوه أنهم أمام لاعب بإمكانيات كبيرة، ولعب معهم موسما واحدا.
الإستقرار في مالقا
موسم واحد في فريق مدينة غرناطة، انتهى بعرض من الفريق الأول للجنوب الإسباني آنذاك نادي مالقا، فانضم إليه تحت إغراء تحفيزات مالية في الراتب والمنح، ولم يكن يدري عبد الله الأنطاكي أنه بصدد الإرتباط بالمدينة التي سيقضي فيها بقية حياته ويتزوج منها في سن 26 وينجب منها إبنة، ويصبح واحدا من رموزها التاريخية، ويقترن إسم مالقا بإسمه العائلي والشخصي.
لعب عبد الله الأنطاكي مهاجما في الجهة اليمنى وعرف بسرعته وقوته البدنية، لذلك أطلق عليه الإسبان لقب “العصفور الصغير”، استمر رفقة الفريق الأندلسي ما يقارب العشر سنوات حتى عام 1968، بعد ثلاث مواسم في الدرجة الأولى، وستة في الدرجة الثانية، وموسم واحد في الدرجة الثالثة مع نادي ملقا، قرر بن امبارك اعتزال اللعب.
الأنطاكي المدرب
بعد اعتزال اللعب لم يبتعد عبد الله الأنطاكي عن الملاعب، إذ تولى تدريب أتلتيكو مالاغينيو، وهو الفريق الرديف لنادي مالقا، ثم تمت ترقيته ليكون مساعدًا للمدرب جينوس كالمار في الفريق الأول.
كانت هذه بداية مسيرة تدريبية طويلة في إسبانيا. حيث تولى تدريب أندية ألميريا وماربيا التي كانت قد أبرمت اتفاقية تعاون مع نادي مالقا، ثم نادي ألافيس الذي تولى تدريبه بعد رفض عرض من أتلتيكو مدريد، بالإضافة إلى أندية تيراسا، قرطبة، وغرناطة قبل أن يعود إلى نادي مالقا في موسم 1980/81، هذه المرة كمدرب للفريق الأول.
بعد ذلك، انتقل إلى برشلونة، حيث تولي تدريب الفريق الرديف للبارصا. ثم اشتغل كمراقب تقني بأكاديمية نادي برشلونة بضعة أشهر، قبل أن يدرك أن مكانه هو على مقاعد التدريب وليس في المدرجات.
عاد مرة أخرى إلى مالقا، حيث تعاون مع النادي قبل أن يقوم بفترات قصيرة كمدرب لأندية مثل خيريس وأنتغيرا.
العلاقة بالمغرب
رغم كل هذه المسيرة الطويلة داخل إسبانيا، لم تنقطع علاقة عبد الله الأنطاكي بالمغرب، حيث تم استدعاؤه 12 مرة للمنتخب المغربي للشباب و8 مرات للمنتخب الأول.
وكان حاضرا في المواجهة التاريخية التي جمعت الفريق الوطني ضد إسبانيا سنة 1961 برسم ملحق التأهل إلى كأس العالم بالشيلي. وكان دي ستيفانو واحدا من النجوم التي واجهها عبد الله الأنطاكي في تلك المباراة.
وفي عام 1985، وبعد مسيرة تدريبية بين الأندية الإسبانية، قرر عبد الله بن امبارك العودة إلى بلاده ليتولى منصب المدير التقني للمنتخبات الوطنية المغربية.
وتكلف بمشروع تربوي رياضي يرمي إلى التنقيب على اللاعبين في عملية ألف لاعب وأفرزت المرحلة أسماء كثيرة من بينها نور الدين النيبت والطاهر لخلج وآخرون شكلوا فيما بعد دعامات إساسية في الفريق الوطني.
كما كان يحتفظ بعلاقة خاصة بالملك الحسن الثاني، رفيق طفولته في القصر الملكي بالرباط، إذ وشحه بوسام ملكي عقب اعتزاله كلاعب، وكان وراء استدعائه من مالقا ليشتغل في الجامعة الملكية المغربية كمؤطر ومشرف على تكوين اللاعبين. استقبله مرة أخرى مع أعضاء الفريق.
رمز خالد في مالقا
بالنسبة لعبد الله بن امبارك الأنطاكي، المالقي بالتبني والقلب، فإن تفانيه في خدمة الأجيال الصغيرة من اللاعبين في مالقا، سواء في العصر القديم للنادي أو تشجيعاته للأجيال الحالية، جعلت اسمه يحظى بالإحترام من الجميع.
يقول عبد الله لصحيفة مالقا عقب إطلاق إسمه على إحدى بوابات ملعب لاروساليدا “لقد تأثرت واستمتعت كثيرًا. كان شيئًا غير متوقع، وكل ما لا تتوقعه يصل إلى القلب. أنا عمليًا مالقي، لأنني قضيت وقتًا هنا أكثر من المغرب، وقد كرست سنوات عديدة لهذه المدينة، لكن اللحظة الأكثر تأثيرًا كانت عندما بدؤوا يحكون قصتي أمام كل هؤلاء الأطفال الذين قد يحملون قميص النادي في المستقبل”.